الباب الأول: الآثار الواردة عن عمر في التوحيد.
الفصل الأول: الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في توحيد الألوهية
تمهيد:
توحيد الألوهية أساس دين الإسلام، بل هو أساس كل دين سماوي، به أرسل جميع الرسل وأنزلت عليهم جميع الكتب، وهو الذي دعا إليه كل رسول من آدم ﵇ إلى نبينا محمد ﷺ بل هو الغاية من خلق الجن والإنس. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ١، وكان سلف هذه الأمة ﵏ يهتمون بهذا النوع من التوحيد كما سيتضح لنا ذلك فيما يأتي، وممن كان له إسهام في هذه المسألة عمر بن عبد العزيز الذي كان له أقوال مأثورة ومواقف مشهورة سوف تتضح خلال هذا المبحث الذي يمهد له الآن، وسوف يتضح أنه كان يحرص دائما في كلامه وفي خطبه على بيان هذا الجانب وبيان ما يضاده. وقبل بيان ما أثر عنه أرى أنه من الأهمية بمكان بيان المقصود من توحيد الألوهية عند إطلاقه: فعرف بأنه: "استحقاق الله ﷾ أن يعبد وحده لا شريك له"٢. وعرفه بعض الباحثين بأنه: "توحيد الله بأفعال العباد وهو المعبر عنه بتوحيد الطلب والقصد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له ومحبته، وخوفه ورجاؤه والتوكل عليه والرهبة، والرغبة منه وإليه
_________________
(١) ١ الآية ٥٦ من سورة الذاريات. ٢ انظر شرح العقيدة الطحاوية بتصرف يسير ١/٢٩، طبعة مؤسسة الرسالة تحقيق د/عبد الله التركي وشعيب الأرناؤوط "ط" "٦" عام ١٤١٤هـ.
[ ١ / ١٩٩ ]
وحده، والتقرب إليه بسائر العبادات البدنية، والمالية دون إشراك أحد أو شيء من خلقه١.
وأما بالنسبة للآثار التي وردت عن هذا الخليفة العادل في توحيد الألوهية بخصوصها فقد كانت مفرقة في بعض أنواع هذا التوحيد فمما ورد عنه آثار في الدعاء والتبرك، والخوف، والرجاء، والتوكل،
_________________
(١) ١ انظر رسالة توحيد الألوهية أساس الإسلام للباحث حامد عبد القادر الأحمدي مطبوع على الآلة الكاتبة ص٧.
[ ١ / ٢٠٠ ]
كتابه أن أمر بالصلاة على النبي ﷺ وعلى المؤمنين والمؤمنات، وأن رجالا من القصاص قد أحدثوا صلاة على خلفائهم، وأمرائهم عدل ما يصلون على النبي وعلى المؤمنين فإذا أتاك كتابي هذا فمر قصاصكم فليصلوا على النبي ﷺ وليكن فيه إطناب دعائهم وصلاتهم ثم ليصلوا على المؤمنين والمؤمنات، ولينتصروا الله ولتكن مسألتهم عامة للمسلمين وليدعوا ما سوى ذلك ١.
١٠- ابن أبي شيبة قال: حدثنا حسين بن علي٢، عن جعفر بن برقان قال: كتب عمر بن عبد العزيز، أما بعد: فإن أناسا من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الآخرة، وإن أناسا من القصاص قد أحدثوا من الصلاة على خلفائهم، وأمرائهم عدل صلاتهم على النبي ﷺ فإذا أتاك
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٨٠-٨١، وأبو حفص الملاَّء ٢/٤٨٨، وأبو نعيم في الحلية ٥/٣٣٩. ٢ الحسن بن علي أبو عبد الله الجعفي الكوفي مولاهم روى عنه ابن أبي شيبة، ثقة. انظر الجرح والتعديل ٣/٥٥- ٥٦، وجعفر بن برقان روى عن عكرمة وميمون بن مهران، والزهري، ثقة. قال أبو حاتم: محله الصدق، أحاديثه عن الزهري مضطربة. انظر الجرح والتعديل ٢/٤٧٤- ٤٧٥.
[ ١ / ٢٠١ ]
أبي١،وأبي خازم٢، على عمر بن عبد العزيز فقال عمر لأبي، يا أبا بكر! ما لي أراك مهمومًا؟، قال: فقال له أبو خازم: لديْن عليه، فقال عمر: أَفُتِح عليك٣ الدعاء؟ فقال: نعم. فقال له عمر: بارك الله لك فيه٤.
٣- ابن أبي الدنيا قال حدثني أبو محمد البزار حدثنا المسيب بن واضح، عن محمد بن الوليد، قال: مر عمر بن عبد العزيز برجل في يده حصاة يلعب بها، وهو يقول: اللهم زوجني من الحور العين، فقام إليه فقال: بئس الخاطب أنت! ألا ألقيت الحصاة، وأخلصت إلى الله الدعاء٥.
_________________
(١) ١ وأبوه: هو محمد بن المنكدر. ٢ أبو خازم: هو سلمة الأعرج التمار. ٣ في الأصل: "ففتح لك فيه الدعاء" والتصحيح من أبي حفص الملاء ٢/٤٩١. ٤ ابن الجوزي سيرة عمر ص٢٩٤، وأبو حفص الملاء ٢/٤٩١. ٥ ابن أبي الدنيا كتاب الإخلاص والنية ص ٣٨ وأبو نعيم في الحلية ج٥ ص ٢٨٧- ٢٨٨ وابن الجوزي سيرة عمر ص٨٤، وأبو حفص الملاء ٢/٤٧٣، والمسيب بن واضح السلمي الحمصي، قال عنه ابن أبي حاتم: سئل عنه أبي فقال: صدوق، كان يخطئ كثيرا فإذا قيل له لم يقبل. انظر الجرح والتعديل٨/١١١-١١٢، وانظر ميزان الاعتدال ٤/١١٦-١١٧، ولسان الميزان ٦/٤٩و٥٠، وسير أعلام النبلاء ١١/٤٠٣-٤٠٥. ومحمد بن الوليد لم اهتد إليه. ولعله الزبيدى ثقة تقريب ص ٥١١.
[ ١ / ٢٠٢ ]
٤- ابن عبد الحكم١ قال: حدثني أبي عبد الله بن عبد الحكم٢، قال: حدثني مالك ابن أنس٣، والليث بن سعد٤، وسفيان بن عيينة٥،
_________________
(١) ١ هو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعْيَن المصري، الفقيه، ثقة، روى عن أبيه مات سنة ثمان وستين. انظر تهذيب الكمال ١٥/١٩٢، وتقريب التهذيب ص٤٨٨وسير أعلام النبلاء ١٠/٢٢١. ٢ عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن ليث المصري أبو محمد الفقيه، روى عن بكر ابن مضر، وسفيان بن عيينة، وابن لهيعة، وابن وهب، ومالك، وغيرهم. قال الذهبي: وذكروا أنه صنف كتاب مناقب عمر بن عبد العزيز. وقال أبو زرعة: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم: صدوق. وقال الحافظ ابن حجر: صدوق، أنكر عليه ابن معين شيئا. وقد عقب الذهبي على إنكار ابن معين عليه بقوله: لم يثبت قول ابن معين إنه كذاب. ولد سنة ١٥٥هـ وتوفي ٢١٤هـ بمصر. انظر تهذيب الكمال ١٥/١٩١-١٩٢-١٩٣، وسير أعلام النبلاء ١٠/٢٢١-٢٢٢، وتقريب التهذيب ص٣١٠. ٣ مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي أبو عبد الله المدني، الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين وكبير المتثبتين مات سنة تسع وسبعين ومائة، وكان مولده سنة ثلاث وتسعين. انظر تقريب التهذيب ص٥١٦. ٤ الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، مات سنة خمس وسبعين. انظر تقريب التهذيب ص٤٦٤، وكان مولده سنة ٩٤هـ. انظر المعرفة والتاريخ ١/١٦٦. ٥ سفيان بن عيينة بن أبي عمران: ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ، إمام، حجة، إلا أنه تغير حفظه بآخر، وكان ربما دلس لكن عن الثقات، مات سنة ثمان وتسعين وله ٩١سنة. انظر تقريب التهذيب ص٢٤٥.
[ ١ / ٢٠٣ ]
وعبد الله بن لهيعة١، وبكر بن مضر٢، وسليمان بن يزيد الكعبي٣، وعبد الله بن وهب٤، وعبد الرحمن بن القاسم٥، وموسى
_________________
(١) ١ عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي أبو عبد الرحمن قاضي مصر وعالمها ومحدثها، كان من بحور العلم على لين في حديثه. قال بعض الحفاظ يروى حديثه ويذكر في الشواهد والاعتبارات والملاحم، لا في الأصول. وبعضهم يبالغ في وهنه، ولا ينبغي إهداره، وتتجنب تلك المناكير فإنه عدل في نفسه، وكان صالحا لكنه يدلس عن الضعفاء ثم احترقت كتبه. ولد سنة خمس أو ست وتسعين وتوفي سنة ١٧٤هـ. انظر ميزان الاعتدال ٢/٤٧٥- ٤٨٢، وسير أعلام النبلاء ٨/١١-١٤. ٢ بكر بن مضر بن محمد بن حكيم المصري أبو محمد أو أبو عبد الملك، ثقة ثبت، مات سنة ثلاث أو أربع وسبعين وله نيف وسبعون سنة. انظر تقريب التهذيب ص١٢٧. ٣ سليمان بن يزيد الكعبي أبو المثنى الكعبي الخزاعي روى عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن وعباد بن إسحاق وروى عنه ابن وهب، قال عنه أبو حاتم: منكر الحديث، ليس بقوي، وقال الحافظ: ضعيف. انظر الجرح والتعديل ٤/١٤٩، وتقريب التهذيب ص٦٧٠. ٤ عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري الفقيه، ثقة حافظ، عابد، مات سنة ٩٧هـ وله اثنتان وسبعون سنة. تقريب التهذيب ص٣٢٨. ٥ عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي - بضم المهملة وفتح المثناة بعدها قاف- أبو عبد الله المصري الفقيه، صاحب مالك ثقة من كبار العاشرة، مات سنة ١٩١هـ. انظر تقريب التهذيب ص٤٣٨.
[ ١ / ٢٠٤ ]
ابن صالح١ وغيرهم ممن لم أسم بجميع ما في هذا الكتاب من أمر عمر ابن عبد العزيز على ما سميت ورسمت، وفسرت، وكل واحد منهم قد أخبرني بطائفة فجمعت ذلك كله٢.
_________________
(١) ١ موسى بن صالح الهمداني الكوفي روى عن ابن أبي ليلى قال ابن أبي حاتم: منكر الحديث. انظر الجرح والتعديل ٨/١٤٧، وميزان الاعتدال ٤/٢٠٧. والسند عند ابن عبد الحكم في ص٢٣ ط. دار عالم الكتب تحقيق أحمد عبيد عام ١٤٠٤هـ الطبعة السادسة. ٢ يرى الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى جواز رواية الحديث عن جماعة ملفقا مجملا فقد قال في حديث الإفك عند ذكر فوائده: "وفي هذا الحديث من الفوائد جواز رواية الحديث عن جماعة ملفقا مجملًا". انظر البخاري مع الفتح ٨/٤٧٩. قلت: إذا جاز ذلك في الحديث الذي يبنى الأحكام عليه فلأن يجوز في الآثار التي يستأنس بها من باب أولى. وعبد الله بن عبد الحكم وثقه أبو زرعة، وغيره ولم يتكلم في حفظه، فمثله يقبل منه في جمع الشيوخ. لكن من المهم الإشارة أن غالب الذين ذكرهم المصنف في هذا السند لم يلتقوا بعمر بن عبد العزيز فكيف رووا عنه؟ فيحتمل أن بعض الآثار عن عمر كانت وجادة وجدوها في كتبه التي كان يرسل بها إلى عماله، وبعض الآثار كانت مشافهة مع الذين التقوا به لكن لشهرتها بين الناس في زمنهم ولعدم بناء حكم مستقل منها أهملوا جانب السند بدليل أن بعض هذه الآثار الموجودة في هذا الكتاب قد جاءت مسندة عنه بطريق متصل صحيح كما سيأتي، وقلما ينفرد ابن عبد الحكم بخبر إلا وجد من تابعه فيه. وسأكتفي بذكر السند هنا فكل أثر أذكر فيه ابن عبد الحكم فقصدي أن سنده قد ذكر في هذه الصفحة في جميع أبواب وفصول، ومباحث هذه الرسالة. وحيث توبع فسأذكر من تابعه أو ما يشهد لأثره إن شاء الله.
[ ١ / ٢٠٥ ]
ومن ذلك: أن عمر بن عبد العزيز كان يدعو بهذا الدعاء.
"اللهم رضني بقضائك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت، وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما برح بي هذا الدعاء حتى لقد أصبحت ومالي في شيء من الأمور هوى إلا في مواضع القضاء١.
٥- ابن الجوزي قال: حدثني الزبير بن بكار، قال: قال عمر بن عبد العزيز: "اللهم إني أطعتك في أحب الأشياء إليك وهو التوحيد، ولم أعصك في أبغض الأشياء إليك وهو الكفر فاغفر لي ما بينهما"٢.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٩٧، وابن الجوزي سيرة عمر ص٢٤٢، عن مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن عبد العزيز كان يقول: والبيهقي في القضاء والقدر والرد على من يحتج بالقدر ص٩، تحقيق عبد العزيز الأثري الطبعة الأولى عام ١٤١٦هـ مكتبة السنة مصر، وابن أبي الدنيا في كتاب الرضى عن الله بقضائه والتسليم بأمره ص٥٢، تحقيق ودراسة مصطفي عبد القادر عطا طبعة مؤسسة الكتب الثقافية بيروت لبنان عام ١٤١٣هـ - ١٩٩٣م. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص٢٤٢، والزبير بن بكار هو ابن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير الأسدي أبو عبد الله بن أبي بكر قاضي المدينة ثقة أخطأ السليماني في تضعيفه من صغار العاشرة، مات ٥٦هـ. تقريب التهذيب ص٢١٤، وأخرج الأثر أيضا أبو حفص الملاَّء ١/٣٤٣.
[ ١ / ٢٠٦ ]
٦- ابن أبي الدنيا قال: قال داود بن رشيد: نا الوليد بن مسلم عن ابن جابر قال: حدثني عبد الله بن عمر بن عبد العزيز قال: ما قلب عمر بن عبد العزيز نظره إلى نعمة أنعم الله ﷿ بها عليه إلا قال: "اللهم إني أعوذ بك أن أبدل نعمة الله كفرا أو أكفرها بعد معرفتها أو أنساها فلا أثني عليك بها"١.
٧- ابن عبد الحكم قال: وكان عمر يقول: "يا رب خلقتني وأمرتني ونهيتني، ورغبتني في ثواب ما أمرتني به، ورهبتني عقاب ما نهيتني عنه، وسلطت علي عدوا فأسكنته صدري وأسكنته مجرى دمي، إن أهم بفاحشة شجعني، وإن أهم بطاعة ثبطني لا يغفل إن غفلت ولا ينسى إن نسيت ينصب لي الشهوات، ويتعرض لي في الشبهات، وإلا تصرف عني
_________________
(١) ١ ابن أبي الدنيا الشكر لله ﷿ ص٣٢ تحقيق محمد السعيد بسيوني زغلول طبعة مؤسسة الكتب الثقافية الطبعة الأولى بيروت لبنان عام ١٤١٣هـ - ١٩٩٣م. وابن الجوزي سيرة عمر ص٢٤٢ وانظر كذلك أبو حفص الملاَّء ١/٣٤٣،وابن عساكر ٤٥/٢٢٨.
[ ١ / ٢٠٧ ]
كيده يستزلني، اللهم فاقهر سلطانه علي بسلطانك عليه حتى تخسئه بكثرة ذكري لك فأفوز مع المعصومين بك ولا حول ولا قوة إلا بك"١.
٨- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز في الزلزلة:
أما بعد: فإن هذا الرجف شيء يعاتب الله به العباد، وقد كتبت إلى أهل الأمصار أن يخرجوا يوم كذا من شهر كذا، فمن كان عنده شيء فليصدق٢. قال الله ﷿: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ ٣، وقولوا كما قال أبوكم آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٤، وقولوا كما قال نوح ﵇: ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٩٨، وابن الجوزي سيرة عمر ص٢٤١- ٢٤٢، وله غيرها من الأدعية فانظر ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٩٧- ٩٨. ٢ في الحلية " يتصدق" بدل فليصدق. ٣ الآية ١٤ -١٥ من سورة الأعلى. ٤ الآية ١٣ من سورة الأعراف.
[ ١ / ٢٠٨ ]
وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١، وقولوا كما قال يونس ﵇: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢"٣.
٩- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى أمراء الأجناد أما بعد: فإن الناس ما اتبعوا كتاب الله نفعهم في دينهم ومعايشهم في الدنيا ومرجعهم إلى الله فيما بعد الموت، وإن الله أمر في كتابه بالصلاة على النبي ﷺ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٤، صلوات الله على محمد رسول الله والسلام عليه ورحمة الله وبركاته. ثم قال لنبيه محمد ﷺ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ ٥، فقد جمع الله ﵎ في
_________________
(١) ١ الآية ٤٧ من سورة هود. ٢ الآية ٨٧ من سورة الأنبياء. ٣ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص ٦٤، وابن الجوزي سيرة عمر ص ١٢٨- ١٢٩، وابن أبي الدنيا كتاب العقوبات ص٣٢، وأبو حفص الملاَّء ١/٢٥٤، وأبو نعيم في الحلية ٥/٣٠٤-٣٠٥. ٤ الآية ٥٦ من سورة الأحزاب. ٥ الآية ١٩ من سورة محمد.
[ ١ / ٢٠٩ ]
كتابه أن أمر بالصلاة على النبي ﷺ وعلى المؤمنين والمؤمنات، وأن رجالا من القصاص قد أحدثوا صلاة على خلفائهم، وأمرائهم عدل ما يصلون على النبي وعلى المؤمنين فإذا أتاك كتابي هذا فمر قصاصكم فليصلوا على النبي ﷺ وليكن فيه إطناب دعائهم وصلاتهم ثم ليصلوا على المؤمنين والمؤمنات، ولينتصروا الله ولتكن مسألتهم عامة للمسلمين وليدعوا ما سوى ذلك ١.
١٠- ابن أبي شيبة قال: حدثنا حسين بن علي٢، عن جعفر بن برقان قال: كتب عمر بن عبد العزيز، أما بعد: فإن أناسا من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الآخرة، وإن أناسا من القصاص قد أحدثوا من الصلاة على خلفائهم، وأمرائهم عدل صلاتهم على النبي ﷺ فإذا أتاك
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٨٠-٨١، وأبو حفص الملاَّء ٢/٤٨٨، وأبو نعيم في الحلية ٥/٣٣٩. ٢ الحسن بن علي أبو عبد الله الجعفي الكوفي مولاهم روى عنه ابن أبي شيبة، ثقة. انظر الجرح والتعديل ٣/٥٥- ٥٦، وجعفر بن برقان روى عن عكرمة وميمون بن مهران، والزهري، ثقة. قال أبو حاتم: محله الصدق، أحاديثه عن الزهري مضطربة. انظر الجرح والتعديل ٢/٤٧٤- ٤٧٥.
[ ١ / ٢١٠ ]
كتابي هذا فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين، ودعاؤهم للمسلمين عامة ويدعون ما سوى ذلك١.
١١- ابن عبد الحكم قال: ولما مرض عمر بن عبد العزيز مرضه الذي مات منه، وقد مات أعوانه، سهل أخوه، وعبد الملك ابنه ومزاحم مولاه، قام حبْوا٢ إلى شن٣ معلق فتوضأ منه فأحسن الوضوء ثم أتى مسجده فصلى ركعتين، ثم قال: اللهم إنك قد قبضت سهلا، وعبد الملك، ومزاحما، - وكانوا أعواني على ما قد علمت - فلم أزدد لك إلا حبًا، ولا فيما عندك إلا رغبة فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط. فما قام من مرضه ذلك حتى قبضه الله تعالى فرحمه الله٤.
_________________
(١) ١ ابن أبي شيبة في المصنف ٨/٢٤١، وعنه ابن الجوزي في سيرة عمر لكنه بدأ السند بجعفر بن برقان. انظر ابن الجوزى سيرة عمر ص٢٩٠- ٢٩١، والأثر أخرجه الحافظ ابن حجر في الفتح بمعناه ٨/٥٣٤، وحسن إسناده عند إسماعيل بن إسحاق في أحكام القرآن له، وقد أخرج الأثر أيضا أبو حفص الملاَّء ٢/٤٨٨، وصححه الألباني في فضل الصلاة على النبي ﷺ للإمام إسماعيل بن إسحاق الجهضمي ص٦٨ ط. المكتب الإسلامي ط. الثالثة ١٣٩٧هـ. ٢ حبوا: حبا الصبي حبوا زحف، والبعير برك وزحف انظر المعجم الوسيط ١/١٥٣. ٣ الشن: القربة الخَلَقُ الصغيرة يكون الماء فيها أبرد من غيرها. المعجم الوسيط١/٤٩٧. ٤ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١٠٠- ١٠١، وانظر الفسوى المعرفة والتاريخ ١/٦٠١،وانظر ابن رشد الجد البيان والتحصيل ١٧/٤١٣ طبعة دار الغرب الإسلامي.
[ ١ / ٢١١ ]
١٢- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز:" اللهم إني قد مللتهم وملوني فأرحني منهم، وأرحهم مني، قال: فما عاد إلى المنبر ثانية حتى قبضه الله عز وجل١.
١٣- ابن عبد الحكم قال: بعث عمر بن عبد العزيز إلى عبد الله بن أبي زكريا، وكان من صلحاء أهل الشام فقال له ادع الله أن يميتني " فدعا له٢.
١٤- الفسوي قال: حدثنا "عبد الله بن عثمان" قال: قال عبد الله ٣ قال عمر بن عبد العزيز: إني فكّرت في أمري وأمر الناس فلم أر شيئا خيرا من الموت، قال عبد الله - يعني لفساد الناس وما دخلهم - فقال لقاصه "محمد بن قيس": ادع لي بالموت فأبيت وأبي علي قال: فدعوت له وعمر رافع يديه يؤمن على دعائي وهو يبكي "٤.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٩٩. ٢ المصدر السابق ص٩٩، وعند ابن عساكر رواية أخرى نحوها، انظر تاريخ دمشق ٤٥/٢٤٨. ٣ يعني ابن المبارك، لأنه صرح باسمه في ١/٤٩٠ من المعرفة والتاريخ. ٤ الفسوي المعرفة والتاريخ ١/٥٩١، وعنه ذكره ابن الجوزي في سيرة عمر ص٢٤٠، وفيه زيادة، وذكره أيضا أبو حفص الملاء ٢/٦٤٣.
[ ١ / ٢١٢ ]
١٥- أبو زرعة قال: أخبرني الحارث بن مسكين عن ابن وهب قال: سمعت مالك بن أنس يحدث أن عمر بن عبد العزيز قال لبعض من يخلو معه: ادع الله لي بالموت١.
١٦- ابن عبد ربه قال: قال ميمون بن مهران: كنت عند عمر بن عبد العزيز، فكثر بكاؤه ومسألته ربه الموت، فقلت: لم تسأل الموت! وقد صنع الله على يديك خيرا كثيرا، أحيا بك سننا، وأمات بك بدعا، قال: أفلا أكون مثل العبد الصالح حين أقر الله عينه وجمع له أمره قال: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ٢،٣.
_________________
(١) ١ أبوزرعة في التاريخ ص٦٤، طبعة دار عالم الكتب بيروت. وضع حواشيه خليل المنصور الطبعة الأولى عام ١٤١٧هـ، ومن طريقه ابن عساكر ٤٥/٢٤٨. والحارث بن مسكين بن محمد بن يوسف مولى بني أمية أبو عمرو المصري قاضيها ثقة فقيه. تقريب التهذيب ص١٤٨. ٢ الآية ١٠١ من سورة يوسف. ٣ ابن عبد ربه العقد الفريد ٤/٣٩٦.
[ ١ / ٢١٣ ]
التعليق:
يتبين من الآثار التي تقدم ذكرها عدة مسائل تتعلق بالدعاء وقبل بيان هذه المسائل وإيضاح ما تدل عليه يحسن تعريف الدعاء أولا:
فالدعاء لغة: الطلب والابتهال: يقال: دعوت الله أدعوه دعاء: ابتهلت إليه بالسؤال ورغبت فيما عنده من الخير، ودعا الله: طلب منه الخير ورجاه منه، ودعا لفلان: طلب الخير له، ودعا على فلان: طلب الشر له١.
والدعاء في الاصطلاح هو: "استدعاء العبد ربه ﷿ العناية واستمداده إياه المعونة"٢.
وقد صح في النصوص أن الدعاء هو العبادة٣، وقد اتفق جميع العقلاء على أن الدعاء نفعه محسوس، وكل إنسان محتاج إليه، لكن أورد بعض الضلال الجهلة سؤالا مفاده: "أن المدعو به إن كان قد قدر لم يكن بد من وقوعه دعا به العبد أو لم يدع. وإن لم يكن قد قدر لم يقع سواء سأله
_________________
(١) ١ الفيومي المصباح المنير ص٧٤، والمعجم الوسيط ١/٢٨٦. ٢ انظر: الخطابي شأن الدعاء ص٤. ط. دار الثقافة العربية دمشق وبيروت ط. الثالثة عام ١٤١٢هـ. ٣ سنن ابن ماجة ٢/١٢٥٨، ونص الحديث "أن الدعاء هو العبادة ثم قرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ " والترمذي ٥/٤٢٦، وقال حديث حسن صحيح.
[ ١ / ٢١٤ ]
العبد أو لم يسأله. فوهموا واعتقدوا صحة هذا السؤال فتركوا الدعاء، وقالوا لا فائدة فيه. وهؤلاء مع فرط جهلهم وضلالهم متناقضون، فلو اطرد مذهبهم لوجب تعطيل جميع الأسباب، فيقال لأحدهم: إن كان الشبع، والري قد قدرا لك فلا بد من وقوعهما أكلت أو لم تأكل، وإن كان الولد قد قدر لك فلا بد منه وطئت الزوجة أو الأمة أو لم تطأهما، وإن لم يقدر لم يكن، فلا حاجة إلى التزوج والتسرى، وهلم جرا، فهل يقول هذا عاقل أو آدمي؟! بل الحيوان البهيم مفطور على مباشرة الأسباب التي بها قوامه وحياته فالحيوانات أعقل، وأفهم من هؤلاء الذين هم كالأنعام يل هم أضل سبيلا١ وعلى هذا فالمسألة الأولى التي تدل عليها الآثار السابقة هي: أن كون الدعاء سبب من أسباب وقوع المقدور به والمدعو به هو المأثور عن عمر بن عبد العزيز فقد قال للرجل الذي دعا له بقوله أبقاك الله بأن هذا قد فرغ منه وقضى قضاء مبرما، لكنه طلب من الرجل أن يدعو له بالصلاح، وهذا دليل على أنه يرى أن الدعاء سبب من أسباب وقوع المدعو به كما يتأكد ذلك بقوله لمحمد بن
_________________
(١) ١ انظر: ابن القيم الجواب الكافي ص ١٥. ط. دار الفكر بيروت. وانظر الدعاء ومنزلته من العقيدة لجيلان بن خضر العروسي ١/٣٨١، ط. مكتبة الرشد الرياض عام ١٤١٤هـ.
[ ١ / ٢١٥ ]
المنكدر: "أفتح لك فيه الدعاء؟ " قال ذلك حين رآه مهموما لديْن كان عليه فقال محمد نعم. فقال عمر فقد بارك الله لك فيه.
وهذا المأثور عن عمر بن عبد العزيز هو الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة والذي دل عليه الكتاب والسنة وأقوال السلف.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ١، فإذا لم يكن الدعاء سببا من أسباب وقوع المدعو به لم يكن للأمر بالدعاء في الآية فائدة وهو بلا شك منتف.
وقال ﷺ: "من لم يسأل الله يغضب عليه"٢، وهذا يدل على أن رضاه في سؤاله وطاعته فلولم يكن للدعاء فائدة لاستوى الداعي وغيره وهذا خلاف ما دل عليه نص الحديث الشريف.
ومن أقوال السلف الصالح المؤيدة لما أثر عن عمر ما قاله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: "إني لا أحمل هم الإجابة ولكن أحمل هم الدعاء فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه"٣،
_________________
(١) ١ الآية ٦٠ من سورة غافر. ٢ رواه الترمذي ٥/٤٥٦، وابن ماجه ٢/١٢٥٨، وأحمد ٢/٤٤٢، وحسن إسناده الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/١٣٨. ٣ ابن القيم: الفوائد ص ١١٠ ط دار الكتب العلمية، والجواب الكافي ص١٦.
[ ١ / ٢١٦ ]
وقول الطحاوي: "والله تعالى يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات"، قال شارحه: "والذي عليه أكثر الخلق من المسلمين وسائر أهل الملل وغيرهم أن الدعاء من أقوى الأسباب في جلب المنافع ودفع المضار"١.
وقال ابن القيم: "والدعاء من أنفع الأدوية وهو عدو البلاء يدافعه ويعالجه ويمنع نزوله ويرفعه أو يخففه إذا نزل وهو سلاح المؤمن".
وقال: "وله مع البلاء ثلاث مقامات:
أحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه.
الثاني: أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء، فيصاب العبد ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفا.
الثالث: أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه"٢.
والمسألة الثانية هي: أن من شروط الدعاء الإخلاص وحضور القلب. وهذا ما بينه عمر حين نبه الرجل الذي يدعو وهو يلعب بحصاة ويقول: اللهم زوجني من الحور العين فقام إليه وقال بئس الخاطب أنت ألا ألقيت الحصاة، وأخلصت إلى الله في الدعاء.
_________________
(١) ١ انظر شرح العقيدة الطحاوية ٢/٦٧٦. ٢ الجواب الكافي ص ١٦.
[ ١ / ٢١٧ ]
وهذا الذي أثر عن عمر هو الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين ﴾ ١، وقال ﷿: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٢.
وقال ﷺ: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه"٣.
وقد أمر الله تعالى بحضور القلب والخشوع في الذكر، والدعاء فقال سبحانه ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ٤.
وأما المسألة الثالثة فهي: أن المشروع في التوسل هو التوسل بالأعمال الصالحة، كما فعل عمر بن عبد العزيز حيث توسل بالتوحيد والطاعة، وطلب الغفران من الله تعالى حين قال: اللهم إني أطعتك في أحب الأشياء
_________________
(١) ١ الآية ١٤ من سورة غافر. ٢ الآية ٥ من سورة البينة. ٣ سنن الترمذي ٥/٤٨٣، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم ٢٧٦٦. ٤ الآية ٢٠٥ من سورة الأعراف.
[ ١ / ٢١٨ ]
إليك وهو التوحيد، ولم أعصك في أبغض الأشياء إليك وهو الكفر، فاغفر لي ما بينهما.
ولا شك أن التوسل بالأعمال الصالحة مشروع، كحديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار١، فإنهم توسلوا بأعمالهم الصالحة ليجيب الله دعاءهم ويفرج كربتهم وقد توسل المؤمنون بأعمالهم الصالحة من الإيمان وقدموه قبل الدعاء. قال تعالى: ﴿ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار﴾ ٢، فإنهم قدموا الإيمان قبل الدعاء وأمثال ذلك كثير٣.
ومما يقدم قبل الدعاء الثناء على الله تعالى بتعداد النعم التي أنعمها عليه، والتعوذ، وطلب العصمة من الله تعالى من شر الشيطان الرجيم، فبين عمر أن التوفيق والهداية من الله تعالى. ثم طلب من الله ﵎ أن يعصمه من شر الشيطان. وهذا له أمثلة كثيرة في القرآن الكريم، وفي الأدعية الصحيحة عن النبي ﷺ فلا نطيل بذكرها.
_________________
(١) ١ انظر: قصتهم في صحيح مسلم بشرح النووي ٦/٢١٤-٢١٦ رقم ٢٧٤٣. ٢ الآية ١٩٣ من سورة آل عمران. ٣ انظر الفتاوى ١/٣٠٩ بتصرف.
[ ١ / ٢١٩ ]
والمسألة الرابعة: أمره ﵀ الرعية بالالتجاء إلى الله تعالى، والتصدق والاستغفار، والخروج إلى المصلى عند ما حصلت الزلزلة بالشام. وذلك تأسيا بالرسول الله ﷺ فقد روى البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ صلى في الكسوف وبعد الصلاة خطب الناس وقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فادعوا لله وكبروا وصلوا وتصدقوا "١.
والمقصود أن مما يشرع له الصلاة والدعاء والتضرع (عند عمر بن عبد العزيز) حدوث بعض الآيات وقد بين ﷺ في أحاديث أخرى أن الزلازل من أمارات الساعة٢ ولا شك أن حدوث الزلزلة مما يوجب التخوف المفضي إلى الخشوع والإنابة، وقد بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال رحمه الله تعالى: والزلازل من الآيات التي يخوف الله بها عباده كما يخوفهم بالكسوف وغيره من الآيات، والحوادث لها أسباب وحكم، فكونها آية يخوف الله بها عباده هي من حكمة ذلك "٣.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٢/٥٢٩، رقم ١٠٤٤. ٢ انظر البخاري مع الفتح ٢/٥٢١، رقم ١٠٣٦. ٣ الفتاوى ٢٤/٢٦٤، وانظر كذلك ٣٦/١٦٩.
[ ١ / ٢٢٠ ]
ولعل عمر لاحظ في هذا عموم الأدلة الدالة على التضرع والإنابة، وما يشرع في حالة الخسوف والكسوف.
والمسألة الخامسة: نهيه رحمه الله تعالى عن الابتداع في الدعاء، ويتضح ذلك بنهيه عن الصلاة على غير الأنبياء ﵈، وقد بيّن أن الصلاة خاص بالنبي ﷺ وغيره من الأنبياء، أما من عداهم فيدعى لهم فقط، لأنهم من ضمن المؤمنين والله تعالى يقول: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ ١.
قال ابن القيم روي عن عبد الله ابن عباس ﵄ أنه قال: "لا تصلح الصلاة على أحد إلا على النبي ﷺ ولكن يدعى للمسلمين والمسلمات بالاستغفار "٢.
وقال النووي: أجمعوا على الصلاة على نبينا محمد ﷺ، وكذلك أجمع من يعتد به على جوازها واستحبابها على سائر الأنبياء والملائكة استقلالا. وأما غير الأنبياء فالجمهور على أنه لا يصلى عليهم ابتداء فلا يقال أبو
_________________
(١) ١ الآية ١٩ من سورة محمد. ٢ انظر جلاء الأفهام لابن القيم ص٢٦٠، ومصنف ابن أبي شيبة ٢/٤٠١ عن ابن عباس ﵄. وفضل الصلاة على النبي صلى الله عليه ويسلم ص٦٧، وقال الألباني إسناده صحيح.
[ ١ / ٢٢١ ]
بكر ﷺ واختلفوا في هذا المنع. فقال بعض أصحابنا: هو حرام، وقال أكثرهم: مكروه كراهة تنزيه، وذهب كثير منهم إلى أنه خلاف الأولى، وليس مكروها. والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه مكروه كراهة تنزيه لأنه شعار أهل البدع، وقد نهينا عن شعارهم، والمكروه هو ما ورد فيه نهي مقصود. قال أصحابنا والمعتمد في ذلك أن الصلاة صارت مخصوصة في لسان السلف بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم كما أن قولنا ﷿ مخصوص بالله ﷾. فكما لا يقال محمد ﷿ وإن كان عزيزا جليلًا لا يقال: أبو بكر وعمر ﷺ وإن كان معناه صحيحا "١.
والصواب في الصلاة على غير النبي ﷺ التفصيل في ذلك.
فإذا لم يكن على وجه الغلو، ولم يجعل ذلك شعارا لغير الرسول ﷺ، فهذا نوع من الدعاء، وليس في الكتاب والسنة ما يمنع منه وقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ ٢، وقال النبي ﷺ: "إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث" ٣، وفي
_________________
(١) ١ الأذكار للنووي ص١٠٨، وانظر صحيح مسلم بشرح النووي ٢/١٥٠- ١٥١. ٢ الآية ٤٣ من سورة الأحزاب. ٣ البخاري مع الفتح ١/٥٣٨،رقم ٤٤٥،ومسلم بشرح النووي ٢/٢٩٦، رقم ٦٦١.
[ ١ / ٢٢٢ ]
حديث قبض الروح: "صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه"١، وهذا هو المنصوص عن أحمد واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وأما إن جعل الصلاة على غير النبي ﷺ على وجه الغلو كما كانت تفعله الشيعة وصارت تظهر الصلاة على علي دون غيره فهذا مكروه منهي عنه وهذا هو السبب في قول ابن عباس لا أعلم الصلاة تنبغي من أحد على أحد إلا على الرسول صلى الله عليه وسلم٢.
المسألة السادسة: ما أثر عن عمر من الدعاء على نفسه بالموت، فإن حمل ذلك على الدعاء بحسن الخاتمة فلا إشكال، وأما إن حمل على الدعاء بالموت ففيه إشكال لأنه قد ورد في الصحيحين عن الرسول ﷺ أنه نهى عن تمني الموت لضر نزل بالإنسان ونهى عن الدعاء به كما في صحيح البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه فإن كان لابد فاعلا فليقل: اللهم أحيني ما
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي ٦/٣٢٧، رقم ٢٨٧٢. ٢ انظر مجموع الفتاوى ٢٢/٤٧٢- ٤٧٣- ٤٧٤، وانظر جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام لابن القيم ص٢٧١ طبعة دار الكتب العلمية الطبعة الأولى عام ١٤٠٥هـ.
[ ١ / ٢٢٣ ]
كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي" ١، وحديث أنس أيضا: "لولا أني سمعت النبي ﷺ يقول: "لا تمنوا الموت" لتمنيت" ٢، وحديث خباب: "لولا أن رسول الله ﷺ نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به"٣ وإذا تبين هذا فما أثر عن عمر يمكن حمله على إحدى الحالات الآتية:
الحال الأولى: أن يكون عمر بن عبد العزيز طلب الدعاء له بالموت على الإيمان ودعا به اقتداء بالصالحين قال تعالى مبينا دعاء المؤمنين: ﴿ وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ ٤ وقال ﷿ عن نبيه يوسف ﵇: ﴿ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ٥ فهذا الدعاء من سنن المرسلين وهو من شعار الصالحين، وأيضا د عي به - ﵀ - خوفا من الفتنة في الدين لاسيما عند وفاة أعوانه ابنه عبد الملك ومولاه مزاحم، وأخيه سهل، كما صرح به في دعائه.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١٠/١٢٧، رقم ٥٦٧١، ومسلم بشرح النووي ٦/١٧٩، رقم ٢٦٨٠. ٢ صحيح مسلم ٢/١٧٩، رقم ٢٦٨٠. ٣ البخاري مع الفتح ١٣/٢٢٠/٧٢٣٤. ٤ الآية ١٩٣ آل عمران، ومعنى الآية: اجعلنا ممن توفيتهم طائعين لك. ٥ الآية١٠١ يوسف، ومعنى الآية: إذا جاء أجلى توفني مسلما.
[ ١ / ٢٢٤ ]
الحال الثانية: أن تكون الأحاديث المشعرة بالنهي عن الدعاء بالموت لم تبلغه، وقد كان ﵀ راضيا بقضاء الله وقدره وهو القائل لقد أصبحت ومالي في الأمور هوى إلا في مواضع القضاء.
الحال الثالثة: أن يكون لما علم بسقيه السم، وتيقن ذلك، دعا لنفسه بالموت على الإيمان حتى لا يكون ممن كره لقاء الله تعالى. وخوفا من سوء الخاتمة.
ولا شك أن الدعاء بالموت مطلقا ليست فيه مصلحة ظاهرة لأنها طلب إزالة نعمة الحياة وما يترتب عليها من الفوائد لاسيما لمن يكون مؤمنا فإن استمرار الإيمان من أفضل الأعمال١، لكن إذا نزل هذا وحضر وتيقن المرء بدنو أجله فيستحب له أن لا يكره الموت إذا حضر لئلا يدخل فيمن كره لقاء الله تعالى والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١٣/٢٢١ بتصرف يسير.
[ ١ / ٢٢٥ ]