المبحث الأول: الآثار عن عمر في الإيمان بنبينا محمد ﷺ وذكر بعض خصائصه.
١٠٨/١- ابن عبد الحكم قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى العمال رسالة وفيها وأما الإسلام فإن الله بعث محمدًا ﷺ إلى الناس كافة فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ١، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ٢،٣.
١٠٩/٢- ابن عبد الحكم أيضا أن عمر بن عبد العزيز خطب فقال: أيها الناس إنه ليس بعد نبيكم نبي وليس بعد الكتاب الذي أنزل عليكم كتاب فما أحل الله على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة "٤.
_________________
(١) ١ الآية ٢٨ من سورة سبأ. ٢ الآية ١٥٨ من سورة الأعراف. ٣ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٨٣، وأبو حفص الملاء ١/١٩٧. ٤ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٤٠، والفسوي المعرفة والتاريخ ١/٥٧٤- ٥٧٥، والآجري في سيرة أبي حفص عمر بن عبد العزيز ص٦٣، وابن الجوزي سيرة عمر ص٤٥، وأبو نعيم في الحلية ٥/٢٩٥-٢٩٦، وأبو حفص الملاء ٢/٤٤٦.
[ ١ / ٣٩١ ]
١١٠/٣- ابن عبد الحكم أن عمر كتب رسالة في شأن المسلمين وفيها حتى أراد الله إكرامهم بكتابه ونبيه بعث إليهم محمدا عبد الله ورسوله بالحق بشيرا بالخير الذي لا خير مثله، وينذر الشر الذي لا شر مثله. وأخره الله لذلك في القرون وسماه على لسان من شاء من أنبيائه الذين سبقوا وأخذ عليهم ميثاق جماعتهم قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ١، فأخر الله ذلك لمحمد ﷺ حين بعثه رحمة للعالمين "٢.
التعليق:
إن مما دلت عليه الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى من الإيمان بنبينا محمد ﷺ وبيان بعض خصائصه ﷺ من كونه بعث إلى الناس كافة وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين وأن الرسل كانوا مؤمنين به قبل
_________________
(١) ١ الآية ٨١ من سورة آل عمران. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص ٦٦، وأبو حفص الملآء ١/٢٨٤- ٢٨٥.
[ ١ / ٣٩٢ ]
خروجه لهو الحق الذي لا مرية فيه. وقد استدل عمر رحمه الله تعالى على ذلك بآيات الكتاب التي تنص على هذه المسائل. ونضيف إلى بيانه واستدلاله بعض الأدلة من الأحاديث الدالة على ما أثر عنه.
فمن الأحاديث الدالة على أنه ﷺ مبعوث إلى الناس كافة ما رواه البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله -﵄- أن النبي ﷺ قال: "أعطيت خمسًا مما لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة"١.
وروى مسلم أن النبي ﷺ قال: "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافة"٢.
قال الحافظ ابن حجر في الجمع بين الحديثين السابقين: وطريق الجمع أن يقال: لعله اطلع أولا على بعض ما اختص به ثم اطلع على الباقي. ومن لا يرى مفهوم العدد حجة يرفع هذا الإشكال من أوله، وظاهر الحديث يقتضي أن كل واحدة من الخمس المذكورات لم تكن لأحد قبله،
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح١/٤٣٥ -٤٣٦،برقم (٣٣٥)، ومسلم برقم (٥٢١)،٢/١٧٨. ٢ مسلم بشرح النووي برقم ٥٢٣، ٢/١٧٩.
[ ١ / ٣٩٣ ]
وهو كذلك ولا يعترض بأن نوحا ﵇ كان مبعوثا إلى أهل الأرض بعد الطوفان لأنه لم يبق إلا من كان مؤمنا معه وقد كان مرسلا إليهم، ولأن هذا العموم لم يكن في أصل بعثته، وإنما اتفق بالحادث الذي وقع وهو انحصار الخلق في الموجودين بعد هلاك سائر الناس، وأما نبينا ﷺ فعموم رسالته من أصل البعثة فثبت اختصاصه بذلك، وأما قول أهل الموقف لنوح كما صح في حديث الشفاعة: أنت أول رسول إلى أهل الأرض، فليس المراد به عموم بعثته بل إثبات أولية رسالته، وعلى تقدير أن يكون مرادا فهو مخصوص بتفصيله ﷾ في عدة آيات على إرسال نوح إلى قومه ولم يذكر أنه أرسل إلى غيرهم. واستدل بعضهم بعموم بعثته بكونه دعا على جميع من في الأرض فأهلكوا بالغرق إلا أهل السفينة ولو لم يكن مبعوثا إليهم لما أهلكوا لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ١، وقد ثبت أنه أول الرسل وأجيب بجواز أن يكون غيره أرسل إليهم في أثناء مدة نوح وعلم نوح بأنهم لم يؤمنوا فدعا على من لم يؤمن من قومه ومن غيرهم فأجيب، وهذا جواب حسن لكن لم ينقل أنه نُبِّئَ في زمن نوح غيره. ويحتمل أن يكون الخصوصية لنبينا ﷺ في ذلك بقاء شيء من شريعته إلى يوم القيامة ونوح وغيره بصدد أن يبعث نبي في
_________________
(١) ١ الآية ١٥ من سورة الإسراء.
[ ١ / ٣٩٤ ]
زمانه أو بعده فينسخ بعض شريعته. ويحتمل أن يكون دعاؤه قومه إلى التوحيد بلغ بقية الناس فتمادوا على الشرك فاستحقوا العقاب، وإلى هذا نحا ابن عطية في تفسير سورة هود١ قال: وغير ممكن أن تكون نبوته لم تبلغ القريب والبعيد لطول مدته. ووجهه ابن دقيق العيد بأن توحيد الله تعالى يجوز أن يكون عاما في حق بعض الأنبياء، وإن كان التزام فروع شريعته ليس عاما. لأن منهم من قاتل غير قومه على الشرك، ولو لم يكن التوحيد لازما لهم لم يقاتلهم، ويحتمل أنه لم يكن في الأرض عند إرسال نوح إلا قوم نوح فبعثته خاصة لكونها إلى قومه فقط وهي عامة في الصورة لعدم وجود غيرهم لكن لو اتفق وجود غيرهم لم يكن مبعوثا إليهم٢، لكن نبينا ﷺ بعث إلى الناس كافة. قال ﷺ: "لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار"٣.
قال الطحاوي: وكونه ﷺ مبعوثا إلى الناس كافة معلوم من دين الإسلام بالضرورة٤، ورسالته ﷺ رحمة للعالمين. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ
_________________
(١) ١ انظر المحرر الوجيز ٣/١٦٨- ١٦٩ طبعة دار الكتب العلمية بيروت تحقيق عبد السلام عبد الشافي عام ١٤١٣هـ. ٢ انظر البخاري مع الفتح ١/٤٣٦- ٤٣٧. ٣ مسلم برقم (١٥٣)، من حديث أبي هريرة ١/٣٤١. ٤ شرح العقيدة الطحاوية ١/١٧٠.
[ ١ / ٣٩٥ ]
إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ١، من خصائصه ﷺ كذلك أنه خاتم الأنبياء والمرسلين. وهذا هو المأثور عن عمر كما سبق بيانه في الأثر الثاني وهو الذي يدل عليه نصوص الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّين ﴾ ٢، وقال ﷺ: "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة. قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين"٣.
وقد أكد ﷺ هذه الخصيصة وبينها ووضحها لأهميتها.
فعن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: " وإنه سيكون من أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي"٤.
_________________
(١) ١ الآية ١٠٧ من سورة الأنبياء. ٢ الآية ٤٠ من سورة الأحزاب. ٣ البخاري مع الفتح ٦/٥٥٨، برقم (٣٥٣٤)، وصحيح مسلم بشرح النووي ٥/٤٥٠- ٤٥١، برقم (٢٢٨٦) . ٤ أبو داود برقم ٤٢٥٢، وأحمد ٥/٢٧٨، وصحح سنده محققا العقيدة الطحاوية انظر شرح العقيدة الطحاوية ١/١٥٧.
[ ١ / ٣٩٦ ]
وحديث فضلت على النبيين بست وفيه: " وختم بي النبيون"١.
وقال ﷺ: "إن لي أسماء: أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب، والعاقب الذي ليس بعده نبي"٢.
فصرح ﷺ بأنه خاتم الأنبياء في غير ما حديث كما سبق سطره وضرب لذلك الأمثال وحذر من المتنبئين بعده وقد وقع ذلك فأطفأ الله باطلهم وبقي نور الحق ساطعا وبشر أمته ببقاء طائفة منها إلى قيام الساعة وأسماؤه ﷺ دالة على خاتميته فمنها العاقب، والحاشر، والمقفى، كما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم تأكيد ختم النبوة به ﷺ مثل إجماعهم على قتال المتنبئين وروايتهم لأحاديث الختم وتصريحهم بختم نبوته في أقوالهم وتهكمهم بالمتنبئين وأجمعت الأمة كلها ولله الحمد على التمسك بكونه ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين٣. ونبينا ﷺ وإن كان آخر الأنبياء والمرسلين لكنه اختص بأن جميع الرسل والأنبياء السابقين مقرون بنبوته ورسالته وكلهم قد أخذ عليهم الميثاق على ذلك. قال عمر: "وسماه على
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٦/٥٥٤، برقم (٣٥٣٢) . ٢ مسلم بشرح النووي ٢/١٧٩، برقم (٥٢٣) . ٣ انظر عقيدة ختم النبوة بالنبوة المحمدية للدكتور أحمد سعد حمدان الغامدي ص٣٠ - ٥٧ طبعة دار طيبة الرياض.
[ ١ / ٣٩٧ ]
لسان من شاء من أنبيائه الذين سبقوا وأخذ عليهم ميثاق جماعتهم" قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ١.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره هذه الآية "يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم ﵇ إلى عيسي ﵇ لمهما آتي الله أحدهم من كتاب وحكمة وبلغ أي مبلغ ثم جاء رسول من بعده ليؤمنن به ولينصرنه ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده ونصرته قال ابن عباس وابن عمه علي بن أبي طالب -﵄-: ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث الله محمدًا وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه فالرسول ﷺ خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين وهو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر لكان هو الواجب الطاعة
_________________
(١) ١ الآية ٨١ من سورة آل عمران.
[ ١ / ٣٩٨ ]
المقدم على الأنبياء كلهم١. وله ﷺ خصائص كثيرة اقتصرنا على الوارد منها عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى تاركين من يريد الاستزادة الرجوع إلى كتب الخصائص والشمائل كما توجد رسائل علمية تحدثت عن خصائصه عليه الصلاة والسلام٢.
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم ١/٣٧٧- ٣٧٨. ٢ مثل كتاب الشفا للقاضي عياض والشمائل المحمدية لابن كثير وغيره، ودلائل النبوة للبيهقي وغيره، ورسالة حقوق النبي ﷺ على أمته لشيخنا الأستاذ الدكتور محمد بن خليفة التميمي، ورسالة خصائص المصطفى ﷺ بين الغلو الجفاء للصادق محمد إبراهيم وغير ذلك.
[ ١ / ٣٩٩ ]