٢٥/١- الذهبي قال: قال معاوية بن يحيى: حدثنا أرطأة، قال: قيل لعمر بن عبد العزيز لو جعلت على طعامك أمينا لا تغتال، وحرسيا إذا صليت، وتنح عن الطاعون، قال: اللهم إن كنت تعلم أني أخاف يوما دون القيامة فلا تؤمن خوفي١.
٢٦/٢- الذهبي أيضا قال: خالد بن مرداس حدثنا الحكم بن عمر، قال: كان لعمر بن عبد العزيز ثلاثمائة حرسيّ وثلاثمائة شرطي فشهدته يقول لحرسه: إن لي عنكم بالقدر حاجزا، وبالأجل حارسا من أقام منكم فله عشرة دنانير ومن شاء فليلحق بأهله٢.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء ٥/١٣٩، ومعاوية بن يحيى أبو مطيع الأطرابلسي الشامي روى عن ارطأة بن المنذر. قال أبو حاتم: صدوق، وقال أبو زرعة: ثقة. الجرح والتعديل ٨/٣٨٤. وأرطأة بن المنذر الحمصي، ثقة من السادسة. تقريب ص٩٧. وأخرج الأثر ابن سعد في الطبقات ٥/٣٩٨، وابن عساكر ٤٥/٢٤٩.وهذا الدعاء إن صح عنه فهو محل نظر لأنه لا يجوز للمسلم أن يدعو على نفسه والله أعلم. ٢ سير أعلام النبلاء ٥/١٣٦، وابن عساكر ٤٥ /٢٢٠ وأخرج الأثر أيضا أبو حفص الملاء ٢/٤٤٠، وابن الجوزي سيرة عمر ص١١٨- ١١٩. وخالد بن مرداس أبو الهيثم السراج روى عن الحكم بن عمرو، وكان ثقة. انظر تاريخ بغداد ٨/٣٠٧، والجرح والتعديل ٣/٣٥٢، والحكم بن عمرو الرعيني روى عن عمر بن عبد العزيز، وقيل ابن عمر قال يحيى ليس بشيء لا يكتب حديثه، وقال النسائي ضعيف. انظر الجرح والتعديل ٣/١١٩- ١٢٣، وميزان الاعتدال١/٥٧٨.
[ ١ / ٢٣٤ ]
٢٧/٣- ابن عبد الحكم في قصة مناظره عمر الخوارج وفيه قال عمر لأصحابه: "ابحثوهما أن لا يكون معهما حديدة"١.
٢٨/٤- ابن عبد الحكم قال: ولما خرج عمر بن عبد العزيز من المدينة نظر مولاه مزاحم إلى القمر فإذا القمر في الدبران٢ قال: فكرهت أن أقول ذلك له فقلت: ألا تنظر إلى القمر ما أحسن استواءه في هذه الليلة! فنظر عمر فإذا هو بالدبران فقال كأنك أردت أن تعلمني أن القمر بالدبران يامزاحم، إنا لا نخرج بشمس ولا بقمر ولكنا نخرج بالله الواحد القهار٣.
٢٩/٥- الفسوي قال: حدثنا عبد الله بن عثمان أخبرنا عبد الله٤، قال: عمر بن عبد العزيز لمزاحم مولاه - وكان فاضلا - قال: إن هؤلاء القوم - يعني أهله- أقطعوني ما لم يكن لي أن آخُذه، ولا لهم أن يعطوني، وإني هممت بردها على أربابها، قال: فقال: مزاحم فكيف تصنع بولدك؟
_________________
(١) ١ يقصد بذلك الخارجيين اللذين أمر بإدخالهما عليه ليناظراه. ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١١٣. ٢ الدبران: سيأتي التعريف بها في مطلب النهي عن التطير. ٣ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٣٢، وأبو حفص الملاء ٢/٣٣٦،وابن القيم في مفتاح دار السعادة ص٢٣٥. وسيأتي برقم ٤٢، ورقم ٥٨. ٤ هو ابن المبارك.
[ ١ / ٢٣٥ ]
قال: فخرت دموعه على وجنتيه، قال: فجعل يمسحها بإصبعه الوسطى ويقول: "أكلهم إلى الله "١.
٣٠/٦- ابن عبد الحكم قال: وعهد عمر برسالة مع منصور بن غالب حين بعثه على قتال أهل الحرب وفيها: "وأمره أن يكون عيونه من العرب، وممن يطمئن إلى نصيحته وصدقه من أهل الأرض، فإن الكذوب لا ينفع خبره، وإن صدق في بعضه، وإن الغاش عين عليك وليس بعين لك والسلام٢.
التعليق:
تتضح من الآثار المنقولة عن عمر بن عبد العزيز في هذا المبحث حرصه على التوكل مع الأخذ بالأسباب المشروعة.
والتوكل هو الاعتماد على الله، مع الأخذ بالأسباب٣، وهو أصل من أصول التوحيد. قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ٤، وقال ﷿: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ الفسوى المعرفة والتاريخ ١/٥٨٦، وأبو حفص الملاء ١/٢٠٩. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٧٨، وأبو حفص الملاَّء ١/١٩٦، وأبو نعيم في الحلية ٥/٣٠٣. ٣ انظر: ابن الأثير النهاية في غريب الحديث والأثر ٥/٢٢١. ٤ الآية ١٢٣من سورة هود. ٥ الآية ٥٨ من سورة الفرقان.
[ ١ / ٢٣٦ ]
وفي سنن الترمذي عن أنس ﵁ قال: قال رجل يارسول الله - في أمر ناقته- أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ فقال ﷺ: "إعقلها وتوكل"١.
كما تتضمن المنع من التعلق بالأوهام التي لا حقيقة لها كالتطير، كما نجد في بعض هذه الآثار عدم التفاته إلى الأسباب الظاهرة، ومعلوم أنه قد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ مدح المتوكلين على الله تعالى، وبين مزاياهم ودرجاتهم عند الله وأنهم يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب٢ وقد بيّن ذلك ﷺ عمليا فكان - وهو سيد المتوكلين - يلبس لأمة الحرب،٣ ويمشي في الأسواق للاكتساب حتى قال الكافرون: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاق﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سنن الترمذي - كتاب صفة القيامة - باب٦١رقم٢٥١٧، وحسنه الألباني، انظر صحيح سنن الترمذي ٢/٣٠٩، وصحيح الجامع الصغير برقم ١٠٦٨. ٢ الحديث في صحيح مسلم ١/٤٤٧-٤٤٨-٤٤٩، رقم (٣٧١) . وموضع الشاهد من الحديث قوله "وعلى ربهم يتوكلون". ٣ انظر البخاري مع الفتح ٦ ص ٩٩الحديث رقم٢٩١٥ ٤ الآية ٧ من سورة الفرقان، وانظر شرح العقيدة الطحاوية ٢/٣٥٢.
[ ١ / ٢٣٧ ]
ومما يجدر توضيحه هنا أن الأسباب تنقسم إلى قسمين:
أ- أسباب مأمور بها كالأكل والشرب، والنكاح، وركوب السفينة لمن احتاج إلى عبور البحر وغير ذلك.
ب- أسباب مباحة مثل كسب ما يتصدق به.
فترك الأسباب المأمور بها قادح في التوكل، وقد تولى الحق إيصال العبد بها وأما ترك الأسباب المباحة فإن تركها لما هو أرجح منها مصلحةً فممدوح، وإلا فهو مذموم١.
والتوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب، ويدفع بها المكروه، فمن أنكر الأسباب لم يستقم منه التوكل ولكن من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب وقطع علاقة القلب بها، فيكون حال قلبه قيامه بالله لا بها وحال بدنه قيامه بها٢.
وقد كان عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى - متوكلا على الله كما أنه أحيانا لا يركن إلى الأسباب لتمام توكله فمع كونه يبين لحراسه: "أن لي عنكم بالقدر حاجزا، وبالأجل حارسا"، نجده لا يطردهم ولا يترك
_________________
(١) ١ انظر مدارج السالكين ٢/١٢١- ١٢٢. ٢ المصدر السابق ٢/١٢٥.
[ ١ / ٢٣٨ ]
الأسباب كليا، فيوجه إليهم الخطاب موضحا تعامله مع الأسباب "من أقام منكم فله عشرة دنانير ومن شاء فليحلق بأهله".
هذه هي طريقة السلف الصالح، أهل السنة والجماعة، توكل على الله حق توكله واعتماد على الأسباب المباحة، والمأمور بها في كل حين ووقت. بخلاف غيرهم ممن يدّعى التوكل وهو متواكل يترك الأسباب ويستجدي الناس ظانا بجهله أن هذا هو التوكل. ولفشو الجهل وسيطرة هؤلاء المغفلين على كثير من المجتمعات المسلمة ظن بعض من لا علم له بأصول العقيدة الإسلامية أن الإسلام هو السبب في كثرة هؤلاء المتطفلين، والإسلام منهم براء، ولا شك أنه لو قدم إلى هؤلاء العقيدة الصحيحة لتقبلوها بقبول حسن.
[ ١ / ٢٣٩ ]