١٤٣/١- ابن أبي الدنيا قال: حدثنا أبو عبد الله الأزدي عن الحسن ابن محمد الخزاعي عن رجل من ولد عثمان بن عفان ﵁ أن عمر بن عبد العزيز قال في بعض خطبه:
إن لكل سفر زادا لا محالة، أعوذ بالله أن آمركم بما أنهى عنه نفسي فتخسر صفقتي وتظهر عولتي وتبدو مسكنتي في يوم يبدو فيه الغنى والفقر، والموازين فيه منصوبة١.
١٤٤/٢- ابن الجوزي قال: حدثنا شعيب بن صفوان عن الفيض بن عبد الحميد قال: قال عمر بن عبد العزيز: "أوما رأيتم حالات الميت؟ وجهه مفقود، وذكره منسي، وبابه مهجور، كأن لم يخالط إخوان الحفاظ ولم يعمر الديار" واتقوا يوما لا يخفى فيه مثقال ذرة في الموازين٢.
_________________
(١) ١ ابن أبي الدنيا قصر الأمل ص٥٠-٥١، وأبو نعيم في الحلية ٥/٢٩١، وابن الجوزي سيرة عمر ص٢٣٤-٢٤٤، وأبو حفص الملاء ٢/٤٤٥، وأبو عبد الله الأزدي، والحسن بن محمد الخزاعي لم أجدهما. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص٢٥٥، وأبو حفص الملاء ٢/٤٥٦. وشعيب بن صفوان أبو يحيى الثقفي قال عنه أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به. انظر الجرح والتعديل ٤/٣٤٨. والفيض بن عبد الحميد لم أجده.
[ ١ / ٤٥٦ ]
١٤٥/٣- ابن الجوزي قال: حدثني بحدل الشامي عن أبيه وكان صاحبا لعمر بن عبد العزيز قال: رأيت عمر بن عبد العزيز يتلو على المنبر هذه الآية ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ١. حتى ختمها فمال على أحد شقيه يريد أن يقع٢.
التعليق:
إن هذه الآثار الواردة عن عمر ﵀ تدل على أن بعد القيام من الأجداث والذهاب إلى المحشر، ونزول الرب ﵎ لفصل القضاء، ينصب الميزان، وهو ميزان حقيقي، توزن به أعمال العباد، وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة. قال ابن حجر: قال أبو إسحاق الزجاج: أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان وأن أعمال العباد توزن به يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكِفَّتان ويميل بالأعمال. وأنكرت المعتزلة الميزان وغيرهم. وقالوا: هو عبارة عن العدل، فخالفوا الكتاب والسنة، لأن الله أخبر أنه
_________________
(١) ١ الآية ٤٧ من سورة الأنبياء. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص٢٤٨، وأبو حفص الملاء ٢/٤٥٢، عن علي بن زيد بن جدعان قال شهدت عمر بن عبد العزيز وأبو نعيم في الحلية ٥/٢٩٧، أما بحدل الشامي وأبوه فلم أجدهما.
[ ١ / ٤٥٧ ]
يضع الموازين لوزن الأعمال ليري العباد أعمالهم ممثلة ليكونوا على أنفسهم شاهدين١.
وهذا الميزان دقيق لا يزيد ولا ينقص قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ ٢.
والميزان غير العدل، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُه﴾ ٤.
وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم"٥.
وقد اختلف العلماء في الميزان هل هو واحد أم أن الموازين متعددة؟ فذهب بعضهم إلى أنه ميزان واحد، وذهب آخرون إلى أنها موازين متعددة، ولكلا الفريقين ما يستدل به على ما يذهب إليه، وقد أشار إلى
_________________
(١) ١ انظر البخاري مع الفتح ١٣/٥٣٨. ٢ سورة الأنبياء الآية ٤٧. ٣ سورة المؤمنون الآية ١٠٢. ٤ سورة المؤمنون الآية ١٠٣. ٥ البخاري مع الفتح ١٣/٥٣٧، برقم (٧٥٦٣) .
[ ١ / ٤٥٨ ]
هذا العلامة السفاريني فقال: اختلف في الميزان هل هو واحد أو أكثر؟ فالأشهر أنه ميزان واحد لجميع الأمم ولجميع الأعمال، كفتاه كأطباق السموات والأرض.
وقيل: إنه لكل أمة ميزان، وقال الحسن البصري: لكل واحد من المكلفين ميزان١، لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ ٢.
وأجيب بأن جمع الموازين في الآية والأحاديث لكثرة من توزن أعمالهم، أو أن ذلك للتفخيم، أو تعدد الأعمال. ويدل على تعدد الأعمال قوله تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُه﴾ ٣، فالميزان واحد وإنما جمع باعتبار الموزون. ولكن بماذا نجيب عن ما ورد عن عمر في جمع الموازين؟
يجاب بأن الميزان واحد في تلك الآثار وإنما جمعها عمر رحمه الله تعالى في تلك الآثار لتفخيمها٤،لأنه كان شديد التأثر بالآيات التي فيها ذكر أمور الآخرة.
_________________
(١) ١ لوامع الأنوار البهية ٣/١٨٦. ٢ سورة الأنبياء ٤٧. ٣ سورة المؤمنون الآية ١٠٢- ١٠٣. ٤ انظر البخاري مع الفتح ١٣/٥٣٨.
[ ١ / ٤٥٩ ]
وأما الذين ذهبوا إلى أنها موازين متعددة فيظهر أنهم أخذوا بظواهر النصوص التي تدل على تعدد الموازين، وأيًا كان فإن هذه قضية غيبية الأهم فيها الإيمان بوقوع وزن الأعمال والعامل وصحف الأعمال فكل ذلك ممكن في قدرة الله.
هذا وقد اختلف في الموزون ما هو؟ ولم يرد عن عمر رحمه الله تعالى شيء في ذكر الخلاف في الموزون، وإنما ورد عنه مطلق الإيمان بالميزان وكونه يعلق فيوزن فيه الأعمال دقيقها وجليلها وقد وفّى الموضوع حقه العلامة السفاريني في لوامع الأنوار البهية١، وكذلك القرطبي في التذكرة٢، والعلامة مرعي الحنبلي المقدسي٣، رحمهم الله تعالى.
وبعد وزن الأعمال وظهور بعض الفرج للمؤمنين يمر الناس ويشربون من حوض النبي ﷺ، وقد ثبت أن لكل نبي حوضًا، واختلف في مكان الحوض، فالقرطبي يرى أنه في عرصات القيامة٤، بينما استظهر ابن حجر
_________________
(١) ١ لوامع الأنوار البهية ص١٨٦. ٢ التذكرة للقرطبي ص٣٧٧. ٣ تحقيق البرهان في إثبات حقيقة الميزان لمرعي الحنبلي المقدسي ص٥٨، تحقيق د/سليمان صالح الخزى. ٤ التذكرة ص٣٦٢.
[ ١ / ٤٦٠ ]
من صنيع البخاري أن الحوض بعد الميزان١، ويمكن الجمع بين القولين بأن ذلك يحمل على تعدد الشرب، كما يحتمل الجمع بأن الشرب من الحوض لقوم قبل الصراط وآخرين بعده بحسب ما عليهم من الذنوب والأوزار حتى يهذبوا منها على الصراط٢.
والإيمان بالحوض هو معتقد أهل السنة والجماعة، لصحة النصوص الواردة في الإيمان به، والإيمان به كذلك هو المأثور عن عمر كما سيأتي.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١١/٤٦٦. ٢ لوامع الأنوار البهية ٣/١٩٦.
[ ١ / ٤٦١ ]