١٦٩/١- الآجري قال: أخبرنا الفريابي قال: حدثنا أبو كامل الجحدري، قال: حدثنا بشر بن المفضل، قال: حدثنا التيمي قال: سئل عمر بن عبد العزيز عن القدر؟ فقال: ما جرى ذباب بين اثنين إلا بقدر ثم قال للسائل: لا تعودن تسألني عن مثل هذا١.
١٧٠/٢- وروى أبو داود وغيره بسنده عن عمر أنه كتب إلى عامله كتبت تسألني عن القدر فعلى الخبير بإذن الله سقطت، ما أحدث المسلمون محدثة ولا ابتدعوا بدعة هي أبين أثرا ولا أثبت أمرا من أمر القدر، ولقد كان ذكره في الجاهلية الجهلاء يتكلمون به في كلامهم ويقولون به في أشعارهم يعزون به أنفسهم عن مصائبهم، ثم جاء الإسلام فلم يزده إلا شدة وقوة. ثم ذكره رسول الله ﷺ في غير حديث ولا حديثين ولا ثلاثة فسمعه المسلمون من رسول الله ﷺ فتكلموا فيه حياة
_________________
(١) ١ الآجرى في الشريعة ١/٤٤٢، والفريابى في القدر ورقة ب ٥٦، وأبو كامل الجحدري هو فضيل بن حسن ثقة حافظ. تقريب التهذيب ص٤٤٧، وبشر بن المفضل بن لاحق الرقاشي ثقة ثبت عابد. تقريب التهذيب ص١٢٤. والأثر صححه محقق كتاب الشريعة ١/٤٤٢، والتيمي هو سليمان بن طرخان التيمي أبو المعتمر البصري ثقة عابد. تقريب ص٢٥٢.
[ ١ / ٥٢٨ ]
رسول الله ﷺ وبعد وفاته يقينا وتصديقا وتسليما لربهم، وتضعيفا لأنفسهم: إن يكون شيء لم يحط به علمه ولم يحصه كتابه ولم ينفذ فيه قدره. فلئن قلتم: قد قال الله ﷿ في كتابه كذا وكذا ولم أنزل الله ﷿ آية كذا وكذا؟ لقد قرأوا منه ما قرأتم وعلموا من تأويله ما جهلتم ثم قالوا بعد ذلك كله كتاب وقدر، وكتب الشقوة، وما يقدر يكن وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ولا نملك لأنفسنا نفعا ولا ضرا. ثم رغبوا بعد ذلك ورهبوا١.
١٧١/٣- الفريابي: حدثنا جعفر نا هشام بن عمار، ثنا معاوية بن يحيى، ثنا عمرو بن مهاجر، قال: استأذن غيلان على عمر بن عبد العزيز فأذن له فقال ويحك ياغيلان ما الذي بلغني عنك أنك تقول. قال إنما أقول بقول الله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ إلى قوله: ﴿ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ ٢، فقال عمر: أتم السورة ويحك أما تسمع الله يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ٣،أما تعلم أن الله قال: ﴿إِنِّي
_________________
(١) ١ الآجرى في الشريعة ص٢١١، واللفظ له وسنن أبي داود ٤/٢٠٢- ٢٠٣. ٢ الآية ١-٣ من سورة الإنسان. ٣ الآية ٣٠ من سورة الإنسان.
[ ١ / ٥٢٩ ]
جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ إلى ﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ١، فقال غيلان ياأمير المؤمنين لقد جئتك جاهلا فعلمتني، وأعمى فبصرتني، وضالا فهديتني، فقال اخرج فلا يبلغني أنك تتكلم في شيء من هذا ٢.
١٧٢/٣- عبد الله بن الإمام أحمد قال: قال عمر بن عبد العزيز: ويلهم - يعني القدرية- أما يقرأون هذه الآيات ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ ٣، ويلهم أما يقرأون وقرأ حتى بلغ ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ٤٥.
_________________
(١) ١ الآية ٣٠ -٣٣ من سورة البقرة. ٢ الفريابى في القدر ورقة ب ٥٦، والآجري في الشريعة ١/٤٣٨ بمعناه وقد حسن إسناده محقق كتاب الشريعة. ٣ الآية ١٦٢-١٦٣ الصافات. ٤ الآية ١٧١ - ١٧٣ من سورة الصافات. ٥ عبد الله بن الإمام أحمد في السنة ٢/٤١٤.
[ ١ / ٥٣٠ ]
١٧٣/٥- ابن سعد قال: حدثنا قبيصة حدثنا سفيان، عن جعفر بن برقان، قال: سأل رجل عمر بن عبد العزيز عن شيء من الأهواء فقال: الزم دين الصبي الذي في الكتاب والأعرابي واله عما سوى ذلك١.
١٧٤/٦- الفريابي قال: حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، قال: نا بشر بن المفضل، قال: نا التيمي، قال: سئل عمر بن عبد العزيز ﵀ عن القدر؟ فقال: ما طار ذباب بين السماء والأرض إلا بقدر. ثم قال: للرجل لا تعد تسأل عن القدر"٢.
١٧٥/٧- الآجري قال: وأخبرنا الفريابي، قال: نا عبيد الله بن معاذ، قال: نا أبي قال نا محمد بن عمرو الليثي أن الزهري حدثه، قال: دعا عمر ابن عبد العزيز رحمه الله تعالى غيلان فقال: ياغيلان بلغني أنك تتكلم في القدر. فقال ياأمير المؤمنين إنهم يكذبون علي؟ فقال: يا غيلان اقرأ أول يس فقرأ ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ حتى أتى ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ فقال غيلان: والله يا أمير المؤمنين لكأني لم أقرأها قط قبل اليوم
_________________
(١) ١ ابن سعد في الطبقات ٥/٣٧٤ وصحح إسناد الأثر النووي في تهذيب الأسماء واللغات ٢/١٩.وسيأتي برقم ٢٢٥، ٢٣٥، و٣٢٢. ٢ انظر الفريابي في القدر ص١٩٦-١٩٧، والآجري في الشريعة ١/٤٤٢، واللالكائي في السنة برقم ١٢٤٧، وقال محقق كتاب الشريعة الأثر صحيح.
[ ١ / ٥٣١ ]
أشهدك ياأمير المؤمنين أني تائب مما كنت أقول. فقال عمر: اللهم إن كان صادقا فثبته وإن كان كاذبا فاجعله آية للمؤمنين"١.
التعليق:
إن الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في هذا المبحث الذي نحن بصدد التعليق عليه تنهي عن الخوض في القدر. وقد وجه العلماء رحمهم الله تعالى الأحاديث الواردة في النهي عن الخوض في القدر مثل حديث: "إذا ذكر أصحابي فأمسكوا وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا وإذا ذكر القدر فأمسكوا"٢. وحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال للصحابة لما تنازعوا في القدر: "عزمت عليكم أن لا تنازعوا فيه" ٣. بأن المنهي عنه إنما هو الخوض فيها بالباطل وعلى وجه التنازع والاعتراض على الله تعالى لأن التنازع مظنة الاختلاف وهو سبب من أسباب القول فيه بغير الحق. ولا
_________________
(١) ١ الآجري في الشريعة ١/٤٣٨- ٤٣٩، قال محقق الكتاب: إسناده حسن، وعبد الله ابن الإمام في السنة ٢/٤٢٩ مع بعض الاختلاف في اللفظ، وسيأتي برقم ٢٩٢. ٢ رواه الطبراني في المعجم الكبير ٢/٩٣، تحقيق حمدي عبد المجيد ط. الأولى عام ١٩٨٠م وقال الهيثمي "وفيه يزيد بن ربيعة وهو ضعيف" مجمع الزوائد ٧/٢٠٢، وانظر البخاري مع الفتح ١١/٤٧٧. ٣ رواه الترمذي ٤/٤٤٣، وابن ماجة ١/٣٣، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم ١٧٣٢.
[ ١ / ٥٣٢ ]
شك أن ذلك منهي عنه، أما معرفة تفاصيل هذا الركن كما جاء في الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح حتى يتحقق الإيمان ويثمر ثماره المرجوة فلا يدخل في هذا النهي وقد بحث علماء السلف مسألة القدر وبينوا للناس الحق والصواب فيه حتى لا يضلوا، وحتى يكونوا على بصيرة من أمر دينهم.
ويظهر لنا جليا من الآثار السابقة عن عمر أنه إنما منع الخوض في القدر إذا كان ذلك بالباطل كما يفعل غيلان ومن شايعه من القدرية، والمعتزلة. أو كان ذلك في الجانب الخفي من القدر وهو كونه ﷾ أضل وهدى وأمات وأحيا ومنع وأعطى، فمحاولة معرفة سر الله في ذلك لا تجوز لأن الله حجب علمها حتى عن أقرب المقربين فمحاولة معرفته عن طريق العقل القاصر منهي عنه لأنه من القول على الله بغير علم. قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ ١،٢.
قال النووي: قال أبو المظفر السمعاني: سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة دون محض القياس ومجرد العقول. فمن عدل عن
_________________
(١) ١ الآية ٣٦ من سورة الإسراء. ٢ انظر القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة ومذاهب الناس فيه ص١٨- ١٩.
[ ١ / ٥٣٣ ]
التوقيف فيه ضل وتاه في بحار الحيرة ولم يبلغ شفاء النفس، ولا يصل إلى ما يطمئن به القلب لأن القدر سر من أسرار الله تعالى التي ضربت من دونه الأستار اختص الله به، وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من الحكمة وواجبنا أن نقف حيث حد لنا ولا نتجاوزه. وقد طوى الله تعالى علم القدر على العالم فلم يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب١.
_________________
(١) ١ شرح النووي على صحيح مسلم ٦/١٥٠، وانظر البخاري مع الفتح ١١/٤٧٧.
[ ١ / ٥٣٤ ]