١٨٦/١- ابن حزم الظاهري قال: عن يحيى بن أبي كثير أن غلاما لعمر بن عبد العزيز أخذ ساحرة فألقاها في الماء فطفت فكتب إليه عمر ابن عبد العزيز أن الله لم يأمرك أن تلقيها في الماء فإن اعترفت فاقتلها١.
١٨٧/٢- ابن قتيبة قال: حدثني زيد بن أخزم الطائي قال: نا عبد الصمد، قال: نا همام، عن يحيى بن أبي كثير، أن عامل عمان كتب لعمر ابن عبد العزيز ﵁، أنا أتينا بساحرة فألقيناها في الماء فطفت فكتب إليه عمر بن عبد العزيز لسنا من الماء في شيء إن قامت البينة، وإلا فخل سبيلها٢.
١٨٨/٣- وعن ربيعة بن عطاء أن رجلا عبدا سحر جارية عربية. وكانت تتبعه فرفع إلى عروة بن محمد، وكان عامل عمر بن عبد العزيز فكتب إليه عمر بن عبد العزيز أن يبيعه بغير أرضها وأرضه ثم ادفع ثمنه إليها٣.
١٨٩/٤- ابن الجوزي قال: حدثنا الصعق بن حزن قال: شهدت قراءة كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة وأهل البصرة.
_________________
(١) ١ ابن حزم: المحلى بالآثار ١١/٣٩٥. ٢ ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث ص١٢٥. وسيأتي الأثر برقم ٢٠٤. ٣ ابن حزم: المحلى بالآثار ١١/٣٩٥.
[ ١ / ٥٥٧ ]
أما بعد: فإنه قد كان في الناس من هذا الشراب أمر ساءت فيه رعيتهم وغشوا فيه أمورا انتهكوها عند ذهاب عقولهم، وسفه أحلامهم بلغت بهم الدم الحرام والفرج الحرام والمال الحرام. وقد أصبح جل من يصيب من ذلك الشراب يقول: شربنا شرابا لا بأس به. ولعمري أن ما حمل على هذه الأمور وضاع الحرام لبأس شديد وقد جعل الله عنه مندوحة وسعة من أشربة كثيرة طيبة ليس في الأنفس منها جائحة: الماء العذب الفرات، واللبن، والعسل، والسويق، فمن انتبذ نبيذا فلا ينبذه إلا في أسقية الأدم التي لا زفت فيها. وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ نهى عن نبيذ الجر والدباء والظروف المزفتة. وكان يقال: كل مسكر حرام فاستغنوا بما أحل الله عما حرم فإنا من وجدناه يشرب شيئا من هذه بعد ما تقدمنا إليه أوجعناه عقوبة شديدة، ومن استخفى فالله أشد عقوبة وأشد تنكيلا.
وقد أردت بكتابي هذا اتخاذ الحجة عليكم اليوم وفيما بعد اليوم أسأل الله أن يزيد المهتدي منا ومنكم هدى، وأن يراجع بالمسيء منا ومنكم التوبة في يسر وعافية. والسلام١.
_________________
(١) ١ ابن الجوزي سيرة عمر ص١٢٦- ١٢٧،وابن كثير البداية والنهاية ٥ /٢٤٤ والصعق بن حزن -بفتح المهلمة وسكون الزاي - ابن قيس البكري البصري أبو عبد الله صدوق يهم وكان زاهدا، من السابعة. بخ م مدس. تقريب ص٢٧٦.
[ ١ / ٥٥٨ ]
١٩٠/٥- أبو زرعة الدمشقي قال: حدثني آدم حدثنا ابن أبي ذئب عن الزهري قال: قال رجل لعمر بن عبد العزيز طلقت امرأتي وأنا سكران. قال الزهري فكان رأي عمر بن عبد العزيز أن يجلده ويفرق بينه وبين امرأته حتى حدثه أبان بن عثمان بن عفان: ليس على المجنون والسكران طلاق. فقال عمر: تأمروني وهذا يحدثني عن عثمان بن عفان؟ فجلده ورد إليه امرأته١.
١٩١/٦- الذهبي قال: قال أبو زرعة عبد الأحد بن أبي زرارة القتباني سمعت مالكا يقول: أتى فتيان إلى عمر بن عبد العزيز وقالوا: إن أبانا توفي وترك مالا عند عمنا حميد الأمجي فأحضره عمر فلما دخل قال أنت القائل:
حميد الذي أمج داره
أتاه المشيب على شربها أخو الخمر ذو الشيبة الأصلع.
وكان كريما فلم ينزع.
قال نعم ما أراني إلا سوف أحدك إنك أقررت بشرب الخمر وأنك لم تنزع عنها "٢.
_________________
(١) ١ أبو زرعة: تاريخ أبي زرعة ١/٥٠٩، وانظر مصنف ابن أبي شيبة ٤/٣١، والبخاري مع الفتح ٩/٣٩١. ٢ سير أعلام النبلاء ٥/١١٨، وابن عبد البر أنس المجالس١ /١٠٧ وابن عساكر ٤٥/ ١٤٢- ١٤٣.
[ ١ / ٥٥٩ ]
التعليق:
يتبين من الآثار السابقة عن عمر أن منهج أهل الحق في مرتكب الكبيرة وسط لا إفراط فيه ولا تفريط فلا يسلبون الفاسق الملي أصل الإيمان ولا يطلقون عليه أنه مؤمن كامل الإيمان، وإنما سيماهم التوسط وهو اتباع الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح فيطلقون عليه اسم المؤمن بإيمانه الفاسق بكبيرته وقد اختلف السلف في حد الكبيرة.
ومن أجمع التعاريف لها "أنها كل معصية فيها حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة أو ورد فيها وعيد بنفي إيمان أو لعن ونحوهما"١.
وموقف عمر بن عبد العزيز ﵀ من مرتكب الكبيرة خلال هذه الآثار المتقدمة هو موقف أهل السنة والجماعة حيث اتسم ﵀ بالحرص على تطبيق النصوص الشرعية فحين كتب إليه عامله في شأن الساحرة والسحر كبيرة من الكبائر لم يأمر بقتلها لأنها ارتكبت هذه الموبقة وإنما أمر عامله أن يتأكد من سحرها، فإذا ثبت أنها ساحرة فما عليه إلا أن يقتلها.
وأما إذا كان سحرها مما لا يوجب القتل فعليه أن يتركها وأن يستعمل معها الوسائل المشروعة لا أن يلقيها في الماء لأن هذا لم يأمر الله
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى ١١/٦٥٠، ولوامع الأنوار البهية ١/٣٦٥.
[ ١ / ٥٦٠ ]
﵎ به. كما أمر عامله أن يبيع العبد الساحر للجارية بغير أرضه وأرضها لأنه رحمه الله تعالى ربما رأى أن ما قام به هذا العبد لا يتجاوز التأديب، والتعزير وهو التفريق بين هذا العبد والجارية. وهذا الموقف يبرز موقفه من مرتكب الكبائر حيث لم يكفر هذا العبد ولم يأمر بقتله مع العلم بأن السحر كبيرة وكما أن السحر من الكبائر فكذلك شرب الخمر. والنبيذ المسكر فمنع شرب النبيذ وعلل ذلك بأنه يسكر وكل ما يسكر فهو خمر وكل خمر حرام. ثم بين أن من شرب المسكر يعاقب بالحد الذي أمر الله به، إذا اطلع عليه ولا يكفر بشربه وإنما يعاقب في العلانية. ومن استخفى فالله أشد عقوبة إن شاء وأشد تنكيلا. ولم يفرق بين الرجل الذي طلق زوجته وبين زوجته. وقد كان عازما على ذلك وإنما اكتفى بحده كما عزم على أن يحد الشاعر الذي ذكر في شعره أنه لم ينزع عن شرب الخمر وقد كان يمنع الخلفاء الذين كانوا قبله من قتل الحرورية وكان يقول: ضمنهم الحبس حتى يحدثوا توبة١. ونهى عن تكفير أهل القبلة فروى أبو نعيم بسنده عن عمر في رسالته في الرد على القدرية وفيها أهل التوحيد لا تكفروهم ولا تشهدوا عليهم بشرك "٢.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٢٧-٢٨، وابن الجوزي سيرة عمر ص٥٤. ٢ أبو نعيم في الحلية ٥/٣٥٣.
[ ١ / ٥٦١ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية واصفا موقف أهل السنة من هذه المسألة: "وهم لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، كما يفعله الخوارج بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي كما قال ﷾ في آية القصاص ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوف﴾ ١، وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ٢.
ولا يسلبون الفاسق الملي اسم الإيمان بالكلية ولا يخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان في مثل قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ٣، وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ
_________________
(١) ١ الآية ١٧٨ من سورة البقرة. ٢ الآيتان ٩-١٠ من سورة الحجرات. ٣ الآية ٩٢ من سورة النساء.
[ ١ / ٥٦٢ ]
زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ ١. وقوله ﷺ: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن"٢.
ويقولون: هو مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم٣.
وأدلة الكتاب والسنة دالة على ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من ثبوت مطلق الإيمان مع المعصية قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ٤، فناداهم باسم الإيمان مع وجود المعصية وهي موالاة الكفار٥.
_________________
(١) ١ الآية ٢ من سورة الأنفال. ٢ البخاري مع الفتح ٥/١١٩، برقم (٢٤٧٥) ومسلم ١/٢٣٢، برقم (١٠٠) . ٣ الفتاوى ٣/١٥١- ١٥٢، والعقيدة الواسطية للفوزان ص١٦٢- ١٦٥. ٤ انظر شرح العقيدة الواسطية ص١٦٤. والآية ١ من سورة الممتحنة. ٥ انظر شرح العقيدة الواسطية ص١٦٤.
[ ١ / ٥٦٣ ]
وقوله ﷺ: "يخرج من النار من كان في قلبه ذرة من إيمان" ١، ولم يخص أمته بذلك بل ذكر الإيمان مطلقا٢.
ومذهب أهل السنة والجماعة وسط بين نفاة الوعيد من المرجئة وموجبيه من القدرية. فمن مات على كبيرة عندهم فأمره مفوض إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣، وإذا عاقبه بذنبه فإنه لا يخلد خلود الكفار بل يخرج من النار ويدخل الجنة٤.
وأما المرجئة فمرتكب الكبيرة عندهم مؤمن كامل الإيمان ولا يستحق الوعيد. وأما الخوارج والمعتزلة فمرتكب الكبيرة كافر حلال الدم والمال عند الخوارج في الدنيا خالد مخلد في النار في الآخرة. وأما عند المعتزلة فحكمه في الدنيا في منزلة بين المنزلتين وأما في الآخرة فهو خالد في النار ولا شك٥ أن ما ذهب إليه المرجئة والمعتزلة والخوارج باطل للأدلة
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١/١٠٣، برقم (٤٤) . ٢ شرح العقيدة الطحاوية ٢/٥٢٤- ٥٢٥. ٣ الآية ١١٧ من سورة النساء. ٤ شرح العقيدة الطحاوية ٢/٥٢٤-٥٢٥. ٥ انظر شرح العقيدة الواسطية ص١٣٠- ١٣١.
[ ١ / ٥٦٤ ]
الصحيحة التي تقدمت فيما سبق، هذا وأهل البدع من الخوارج ومن يرى رأيهم يوجبون لعن أهل الذنوب، وتكفيرهم. وقد كان لعمر بن عبد العزيز مناظرات ومجادلات مع الخوارج في هذه المسألة سيتبين ذلك من خلال الآثار المنقولة عنه فيما يأتي.
[ ١ / ٥٦٥ ]