١٧/١- ابن عبد الحكم قال: وكتب إلى عمر عدي بن أرطأة١ أنه قد أصاب الناس من الخير خير حتى لقد خشيت أن يبطروا. قال فكتب إليه عمر: إن الله ﵎ حين أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النارِ النار رضي من أهل الجنة بأن ﴿َقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ ٢، فمر من قبلك أن يحمدوا الله٣.
١٨/٢- ابن أبي شيبة قال: حدثنا أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد قال: بلغني أن عمر بن عبد العزيز قال: ذكر النعم شكرها٤.
_________________
(١) ١ عدي بن أرطأة الفزاري عامل عمر مقبول. انظر تقريب التهذيب ص٣٨٨. ٢ الآية ٧٤ من سورة الزمر. ٣ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٦٤، وانظر: ابن سعد في الطبقات ٥/٣٨٣، وأبو حفص الملاء ٢/٤٨٩، وابن الجوزي سيرة عمر ص٢٧٤، وأبو نعيم في الحلية ٥/٢٩٣. ٤ ابن أبى شيبة في المصنف ٨/٢٤٠، وانظر: ابن أبى الدنيا الشكر لله ﷿ ص٣٠، عن يحيى بن سعيد: "ذكر النعم شكر" وأبو خالد هو سليمان بن حيان الأزدي صدوق يخطئ، ت ٩٠هـ، تقريب التهذيب ص٢٥٠. وأخرج الأثر ابن عساكر ٤٥/٢٢٨،وابن الجوزي سيرة عمر ص ٢٤٧، وهناد السرى في الزهد ٢/٤٠٠.
[ ١ / ٢٢٦ ]
١٩/٣- ابن أبي الدنيا قال: حدثكم أحمد بن سلمان نا عبد الله، نا محمد بن صدران الأزدي، نا عبد الله بن خراش، نا يزيد بن يزيد، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: قيدوا نعم الله ﷿ بالشكر لله تعالى١.
٢٠/٤- ابن أبى الدنيا أيضا قال: قال داود ابن رشيد، نا الوليد بن مسلم عن ابن جابر قال: حدثني عبد الله بن عمر بن عبد العزيز قال: ما قلب عمر بن عبد العزيز بصره إلى نعمة أنعم الله ﷿ بها عليه إلا قال: "اللهم إني أعوذ بك أن أبدل نعمتك كفرا، أو أكفرها بعد معرفتها أو أنساها فلا أثني بها"٢.
_________________
(١) ١ ابن أبي الدنيا كتاب الشكر لله تعالى ص١٩، وابن الجوزي سيرة عمر ص٢٤٧. وفي الأثر عبد الله بن خراش - بالخاء المعجمة - ابن خوشب الشيباني أبو جعفر الكوفي، ضعيف، وأطلق عليه ابن عمار الكذب. انظر تقريب التهذيب ص٣٠١. ٢ المصدر السابق ص٣٢،وقدتقدم الأثر برقم (٦) وداود بن رشيد أبو الفضل البغدادي صدوق. الجرح والتعديل ٣/٤١٢، والوليد بن مسلم هو الدمشقي أبو العباس مولى لبني أمية روى عن الأوزاعي، وابن جابر، ثقة كثير التدليس والتسوية، انظر تقريب التهذيب ص٥٨٤، والجرح والتعديل ٩/٢١٦. وابن جابر هو: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي روى عنه الوليد بن مسلم ثقة. الجرح والتعديل٥/٢٩٩- ٣٠٠.
[ ١ / ٢٢٧ ]
٢١/٥- ابن أبي الدنيا أيضا قال: حدثني الحسن بن محبوب أخبرنا أبو توبة الربيع ابن نافع، حدثنا أبو ربيعة عن أبيه عن جده قال: كتب عمر ابن عبد العزيز إلى بعض عماله أما بعد: أوصيك بتقوى الله وأحثك على الشكر فيما عندك من نعمته وآتاك من كرامته فإن نعمه يمدها شكره ويقطعها كفره "١.
٢٢/٦- هناد السرى في الزهد قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: ذكر النعمة شكرها٢.
٢٣/٧- ابن الجوزي قال: حدثنا مرثد بن يزيد، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: قيدوا نعمة الله بالشكر لله عز وجل٣.
_________________
(١) ١ ابن أبي الدنيا ذم الدنيا ص٨١ والحسن بن محبوب بن الحسن القرشي قال عنه أبو حاتم لا بأس به. الجرح والتعديل ٣/٣٨، والربيع بن نافع أبو توبة الحلبي ثقة حجة عابد. تقريب ص٢٠٧، وأبو ربيعة وأبوه وجد هـ لم أجدهم. وذكر هذا الأثر ابن الجوزي سيرة عمر ص ٢٥٤-٢٥٥، وأبو حفص الملاء ٢/٤٦٠-٤٦١. ٢ هناد السرى في الزهد ٢ /٤٠٠ وأبو بكر بن عياش الأسدي الكوفي صدوق ربما غلط ذكره ابن حبان في الثقات، وانظر تهذيب الكمال ٣٣/١٢٩- ١٣٧، ويحيى ابن سعيد ثقة ثبت. تقريب ص٥٩١. ٣ ابن الجوزي سيرة عمر ص٢٤٧، وانظر ابن أبي الدنيا كتاب الشكر لله ص١٩، ومرثد بن يزيد لم أجده. وأخرج الأثر أبو حفص الملاء ٢/٤٩١.
[ ١ / ٢٢٨ ]
٢٤/٨- ابن الجوزي قال: وعن عبد الله بن مروان الشامي أن عمر ابن عبد العزيز أتى بعض أهله فقرب إليه طعاما كثيرا فقال عمر: ويحك يا فلان دون هذا ما يسد الجوعة ويذهب سورة النفس، وتقدم فضل ذلك ليوم فقرك وفاقتك. فقال يا أمير المؤمنين إن الله أوسع وأحسن. فقال عمر بن عبد العزيز: فعند ذلك فقد وجب عليك الشكر ثم نهض١.
التعليق:
إن الآثار الواردة عن عمر في هذا المبحث تبين أنَّ شكر الخالق ﵎ على نعمه الكثيرة وآلائه الجسيمة مأمور به، وهذا ما دل عليه الكتاب والسنة:
قال تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ٢، وقال ﷿: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ ابن الجوزي سيرة عمر ص٢٥٩، وأبو حفص الملاء ٢/٤٦٩. وعبد الله بن مروان لم أجده. ٢ الآية ١٧٢ من سورة البقرة. ٣ الآية ١٥٢ من سورة البقرة.
[ ١ / ٢٢٩ ]
والشكر يستلزم المزيد قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ ١.
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قام حتى تورمت قدماه، فقيل له تفعل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: "أفلا أكون عبدا شكورا؟ "٢، وأمر ﷺ معاذا بأن يقول دبر كل صلاة: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" ٣.
وما أثر عن عمر - رحمه الله تعالى- في هذا الجانب يبين منهج السلف في التعامل مع النعم التي ينعمها الخالق على عباده، ولا ريب أن شكر النعم رباط لبقائها والاستزادة منها، فكانوا دائما يلهجون بالشكر إلى الله في كل حين لأنهم يعلمون أن شكر النعمة يؤدي إلى رضى الله ﷿، وأن عدم الشكر يؤدي إلى سخطه. كما بينت الآية التي ذكرناها آنفا، فمن وفقه الله إلى شكر النعم، فقد اعترف لله بفضله وبنعمته وقدرته
_________________
(١) ١ الآية ٧من سورة إبراهيم. ٢ البخاري مع الفتح ٣/١٤، رقم (١١٣٠) ومسلم بشرح النووي ٦/٢٩٦- ٢٩٧رقم (٢٨١٩) . ٣ أخرجه أبو داود ٢/٨٦،والنسائي ٣/٥٣، قال الحافظ ابن حجر وصححه ابن حبان، والحاكم. انظر البخاري مع الفتح ١١/١٣٣.
[ ١ / ٢٣٠ ]
فاستحق بذلك المدح والثناء، ومن غفل عن ذلك فقد استحق اللوم والعقاب.
والشكر مبني على خمس قواعد: قال ابن القيم - مبينا هذه الخمس - وهي: خضوع الشاكر للمشكور، وحبه له، واعترافه بنعمته وثناؤه عليه بها، وأن لا يستعملها فيما يكره١.
ويظهر من الآثار السابقة وغيرها أن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى- قد استوفي هذه الشروط وهذه القواعد، فخضوعه لخالقه واضح في أمره لعماله بشكر الخالق ﵎، وأما حبه لخالقه فواضح من قوله في مرض موته اللهم إنك قبضت سهلا، وعبد الملك، ومزاحما، وكانوا أعواني على الحق فلم ازدد لك إلا حبا "٢.
وأما اعترافه بنعم ربه فقد أثر عنه في ذلك عدة أثار منها قوله: "ذكر النعم شكرها" وأما ثناؤه لربه فواضح من دعائه حين قال: "أو أنساها فلا أثني عليك بها" وأما عدم استعمال النعم فيما يغضب الله تعالى من المعاصي والآثام فسيرته العطرة مكتظة بالأمثلة الدالة على ذلك، وقد سبق ذكر بعضها.
_________________
(١) ١ مدارج السالكين ٢/٢٥٤. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص ١٠٠-١٠١.
[ ١ / ٢٣١ ]
وتوجد فروق بين الحمد والشكر، فالحمد يتضمن المدح والثناء على المحمود بذكر محاسنه سواء كان الإحسان إلى الحامد أولم يكن، وأما الشكر فلا يكون إلا على إحسان المشكور إلى الشاكر، فمن هذا الوجه فالحمد أعم من الشكر فإنه يكون على المحاسن والإحسان وأما الشكر فإنه لا يكون إلا على الإنعام، فهو أخص من الحمد من هذا الوجه لكنه يكون بالقلب واليد، واللسان، كما قيل:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة
يدي ولساني والضمير المحجبا.
ولهذا قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ ١.
والحمد إنما يكون بالقلب واللسان فمن هذا الوجه الشكر أعم من جهة أنواعه والحمد أعم من جهة أسبابه٢.
هذا وإذا كان الحمد لا يقع إلا على نعمة فقد ثبت أنه رأس الشكر فهو أول الشكر.
والحمد وإن كان على نعمته وعلى حكمته فالشكر بالأعمال هو على نعمته. وهو عبادة له لإلهتيه التي تتضمن حكمته فقد صار مجموع الأمور داخلا في الشكر.
_________________
(١) ١ الآية ١٣من سورة سبأ. ٢ انظر مجموع الفتاوى ١١/١٣٣- ١٣٤.
[ ١ / ٢٣٢ ]
ولهذا عظم القرآن أمر الشكر ولم يعظم أمر الحمد مجردا إذ كان نوعا من الشكر، وشرع الحمد الذي هو الشكر المقول أمام كل خطاب مع التوحيد ففي الفاتحة: الشكر، والتوحيد، والخطب الشرعية لابد من الشكر والتوحيد١
_________________
(١) ١ انظر مجموع الفتاوى ١٤/٣١٠- ٣١١.
[ ١ / ٢٣٣ ]