١٦٠/١- قال أبو داود١: حدثنا محمد بن كثير، قال: حدثنا سفيان، قال كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر. ح.
وثنا الربيع بن سليمان المؤذن قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا حماد ابن دليل، قال: سمعت سفيان الثوري يحدث عن النضر. ح.
وثنا هناد بن السري عن قبيصة، قال: ثنا أبو رجاء، عن أبي الصلت - وهذا لفظ ابن كثير ومعناهم، قال كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر فكتب أما بعد:
كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر فعلى الخبير بإذن الله وقعت، ما أعلم ما أحدث الناس من محدثة ولا ابتدعوا من بدعة هي أبين أثرا ولا أثبت أمرا من الإقرار بالقدر. لقد كان ذكره في الجاهلية الجهلاء يتكلمون به في كلامهم وفي شعرهم يعزون به أنفسهم على ما فاتهم، ثم لم يزده الإسلام بعد إلا شدة. ولقد ذكره رسول الله ﷺ في غير حديث ولا حديثين. وقد سمعه منه المسلمون فتكلموا به في حياته، وبعد وفاته يقينا، وتسليما، لربهم وتضعيفا لأنفسهم أن يكون شيء لم يحط به علمه ولم
_________________
(١) ١ الأثر مكرر انظر رقم ١٥٨/١.والسبب في تكراره دلالته على تقرير الإيمان بالقدر وبيان مراتبه وتصحيح الأئمة لسنده.
[ ١ / ٥٠٩ ]
يحصه كتابه ولم يمض فيه قدره وإنه مع ذلك لفي محكم كتابه: منه اقتبسوه ومنه تعلموه ولئن قلتم لم أنزل الله آية كذا ولم قال كذا، لقد قرأوا منه ما قرأتم وعلموا من تأويله ما جهلتم، وقالوا بعد ذلك كله بكتاب وقدر وكتب الشقاوة وما يقدر يكن وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. ولا نملك لأنفسنا ضرا ولا نفعا ثم رغبوا بعد ذلك ورهبوا١.
١٦١/٢- وذكر الآجرى قال: أخبرنا الفريابي قال: حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا الهيثم بن عمران، قال سمعت عمرو بن مهاجر قال: أقبل غيلان وهو مولى لآل عثمان، وصالح بن سويد إلى عمر بن عبد العزيز فبلغه أنهما ينطقان بالقدر فدعاهما، فقال: أعلم الله نافذ في عباده أم منتقض؟ قالا: بل نافذ ياأمير المؤمنين. قال: ففيم الكلام، فخرجا فلما كان عند مرضه بلغه أنهما قد أسرفا فأرسل إليهما وهو مغضب فقال: ألم يك في سابق علمه حين أمر إبليس بالسجود: أنه لا يسجد؟ قال عمرو فأشرت إليهما برأسي قولا: نعم. فقالا: نعم. فأمر بإخراجهما
_________________
(١) ١ سنن أبي داود ٤/٢٠٢-٢٠٣، والإبانة لابن بطة ٢/٢٣١-٢٣٢-٢٣٣ من الكتاب الثاني والآجري في الشريعة ١/٤٤٤-٤٤٥، وأبو نعيم في الحلية ٥/٣٣٨-٣٣٩، ذكر ﵀ أول الرسالة ولم يذكر آخرها.
[ ١ / ٥١٠ ]
وبالكتاب إلى الأجناد بخلاف ما قالا فمات عمر ﵁ قبل أن ينفذ تلك الكتب١.
١٦٢/٣- الآجري أيضا قال: حدثنا أبو شعيب عبد الله بن حسن الحراني: حدثنا إبراهيم بن عبد الله الهروي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي الوليد قال: خرج عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة فخطب كما كان يخطب ثم قال: أيها الناس من عمل منكم خيرا فليحمد الله تعالى، ومن أساء فليستغفر الله ثم إن عاد فليستغفر الله، فإنه لا بد لأقوام أن يعملوا أعمالا وضعها الله في رقابهم وكتبها عليهم٢.
١٦٣/٤- الآجري قال: أخبرنا الفريابي، قال: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن عمرو بن ذر، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: "لو أراد الله ﷿ أن لا يعصى ما
_________________
(١) ١ الآجري في الشريعة ١/٤٤٣، والفريابى في القدر ورقة ب/٥٦. وقال محقق كتاب الشريعة رجاله ثقات غير الهيثم بن عمران الدمشقي: ترجم له ابن أبي حاتم برواية ثلاثة من الثقات ولم يذكر فيها جرحا ولا تعديلا. الجرح والتعديل ٩/٨٢، وقد وثقه ابن حبان في الثقات ٧/٥٧٧. وسيأتي برقم ٢٩٧. ٢ الآجري في الشريعة ١/٤٤١، وأبو نعيم في الحلية ٥/٢٩٦، وابن بطة في الإبانة ٢/٢٣٧، وقال محقق كتاب الشريعة إسناده محتمل للتقوية وقد رواه ابن أبي شيبة في المصنف ٨/٢٤٠ وفيه عمر بن أبي الوليد بدل عبد الله بن الوليد، وابن عساكر ١/٣٢، وأبو حفص الملاء ٢/٤٤٦، وسيأتي رقم ٣٠٦.
[ ١ / ٥١١ ]
خلق إبليس، وقد فسر ذلك في آية من كتاب الله ﷿ عقلها من عقلها، وجهلها من جهلها: ثم قرأ: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ ١،٢. وزاد في الإبانة لابن بطة: بمضلين إلا من قدر عليه أن يصلى الجحيم"٣.
١٦٤/٦-الفريابي قال: حدثنا جعفر، ثنا عبد الله عمر القواريري، ثنا بشر بن المفضل، عن سليمان التيمي، قال: سئل عمر بن عبد العزيز عن القدر فقال: ما طار ذباب بين السماء والأرض إلا بقدر، قال: ثم قال للرجل لا تعد تسأل عن القدر٤.
_________________
(١) ١ الآية ١٦١-١٦٢ من سورة الصافات. ٢ الآجري في الشريعة ١/٤٢١، والفريابى في القدر ورقة ب/٥٤، وابن بطة في الإبانة ١/٢٧٢، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/٥٥٣، والبغوي في شرح السنة ١/١٤٤، وقال محقق كتاب الشريعة: الأثر صحيح. الشريعة ١/٤٤٣، وسيأتي برقم ٢٨٨، ٢٨٩. ٣ ابن بطة في الإبانة ٢/٦٦. ٤ الفريابى في القدر ورقة ب/٥٦، والآجرى في الشريعة ١/٤٤٢، ٤٤٣، بلفظ مقارب وقال محقق كتاب الشريعة: أثر التيمي عن عمر بن عبد العزيز صحيح رجاله ثقات، ورواه اللالكائي بمعناه رقم (١٢٤٧) وقال الشيخ مقبل هذا الأثر صحيح ١/٤٤٢، وسيأتي برقم ١٦٩.
[ ١ / ٥١٢ ]
١٦٥/٧- الفريابي أيضا: قال حدثنا جعفر، نا هشام بن عمار، ثنا معاوية بن يحيى، ثنا عمرو بن مهاجر، قال استأذن غيلان على عمر بن عبد العزيز فأذن له فقال ويحك يا غيلان ما الذي بلغني عنك أنك تقول، قال: إنما أقول بقول الله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾ إلى قوله: ﴿ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ ١، فقال عمر: أتم السورة ويحك أما تسمع الله يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ٢، أما تعلم أن الله قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ٣، فقال غيلان: ياأمير المؤمنين لقد جئتك جاهلا فعلمتني وأعمى فبصرتني، وضالا فهديتني، فقال: اخرج فلا يبلغني أنك تتكلم في شيء من هذا٤.
_________________
(١) ١ الآية ١-٣ من سورة الإنسان. ٢ الآية ٣٠ من سورة الإنسان. ٣ الآية ٣٠ -٣٣ من سورة البقرة. ٤ الفريابى في القدر ورقة ب/٥٦، الجامعة الإسلامية مخطوطة رقم ٢٥٧٠، وفي التنبيه والرد للملطى زيادة تفسير لهذا الأثر فبعد ما انتهى غيلان من قراءة ما يستدل به قال له عمر: ويحك من ها هنا تأخذ الأمر وتدع به خلق آدم ﵇ ثم قرأ عليه الآيات ٣-٣٣ من سورة البقرة. انظر التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص١٧٨. وسيأتي برقم ١٧١، ١٧٤، ٢٩٣،.
[ ١ / ٥١٣ ]
١٦٦/٨- عبد الرزاق قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة أما بعد: فإن استعمالك سعد بن مسعود على عمان كان من الخطايا التي قدر الله عليك وقدر أن تبتلى بها١.
١٦٧/٩- اللالكائي قال: أخبرنا الحسن بن عثمان قال: أخبرنا أحمد ابن حمدان، قال: ثنا بشر بن موسى، قال: ثنا معاوية، قال: ثنا أبو إسحاق، عن الأوزاعي، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى ابن له كتابا فكان فيما كتب فيه: إني أسأل الله الذي بيده القلوب يصنع ما شاء من هدى أو ضلالة٢.
_________________
(١) ١ عبد الرزاق في المصنف ١١/١٢٢ وابن بطة في الإبانة ٢/٢٣٧، واللالكائي ٢/٧٥٣، وعبد الرزاق هوا بن همام بن نافع الحميري مولاهم أبو بكر الصنعاني ثقة حافظ مصنف شهير. انظر تقريب التهذيب ص٣٥٤. ومعمر بن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري نزيل اليمن ثقة ثبت فاضل مات سنة ٥٤. تقريب التهذيب ص٥٤١، وسيأتي برقم ٣٠٥. ٢ اللا لكائى شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/٧٥٢. والفريابى في القدر ورقة ب/٦٦، والمطبوع ص٢٢٧. قال محقق الكتاب: تابعه اللالكائي برقم ١٢٤٦.
[ ١ / ٥١٤ ]
١٦٨/١٠- الدارمي قال: حدثنا نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، عن زيد بن رفيع الجزري، عن عمر بن عبد العزيز قال: من أقر بالعلم فقد خصم١.
التعليق:
الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى تدل بمجموعها على الإيمان بالقدر، كما تدل على الإيمان بمراتب القدر الأربعة التي اتفق السلف الصالح رحمهم الله تعالى ومن سار على نهجهم على أنه لا يتم الإيمان بالقدر، إلا بالإيمان بها كلها. وهي: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. وكانت القدرية الموجودون في زمن عمر بن عبد العزيز ينكرون العلم والكتابة، وهؤلاء هم الذين تبرأ منهم ابن عمر بقوله: " إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم براء مني" وكانوا يقولون: إن الله أمر العباد ونهاهم وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه، ولا من يدخل الجنة ممن يدخل النار، حتى فعلوا ذلك. فعلمه بعدما فعلوه، ولهذا قالوا: الأمر أنف أي مستأنف٢، وكلام عمر في هذه الآثار التي في هذا المبحث
_________________
(١) ١ الدارمي الرد على الجهمية ص١١٩. وفي الأثر زيد بن رفيع، فيه ضعف. انظر لسان الميزان لابن حجر ٢/٥٠٦. ٢ انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٥٥٣، والقدر للفريابي لوحة ٥٤والإبانة لابن بطة ١/٢٧٢، والشريعة للآجري ١/٤٤٣.
[ ١ / ٥١٥ ]
واضح كل الوضوح في الرد على هؤلاء القدرية وجلي في إثبات المراتب التي يبنى عليها الإيمان بالقدر.
فأول المراتب هو:
١- مرتبة العلم: والمقصود أن الله ﵎ قد علم ما العباد عاملون وإلى ما هم صائرون قبل أن يخلقهم، بعلمه القديم الذي هو صفة من صفات ذاته، وأنه يعلم أهل الجنة، وأهل النار١. وهذا هو القول الذي دل عليه الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ٢.
وقال ﷿: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ انظر الإيمان لابن تيمية ص٣٦٤، وانظر رسالة عمر في الحلية ٥/٣٤٦-٣٥٣ فقد ذكر ذلك بالحرف الواحد. ٢ الآية ٥ من سورة الطلاق. ٣ الآية ٢٢ من سور الحشر. ٤ الآية ٩٨ من سورة طه.
[ ١ / ٥١٦ ]
قال مجيبا الملائكة بعد إخبارهم أنه جاعل في الأرض خليفة واستفهامهم قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ١، ومن السنة قوله ﷺ لرجل سأله بقوله يارسول الله أعلِمَ أهل الجنة من أهل النار؟ قال ﷺ: "نعم"، قال: ففيم يعمل العاملون؟ قال: "كل ميسر لما خلق له"٢.
ن ابن عباس ﵄ قال: سئل النبي ﷺ عن أولاد المشركين فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين"٣.
فنصوص الكتاب العزيز والسنة الصحيحة متضافرة على إثبات علم الله تعالى المحيط بكل شيء ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ٤، وقد كانت القدرية الأولى الذين ظهروا في أواخر عهد الصحابة وامتد بقاؤهم إلى زمن خلافة عمر بن عبد العزيز ينكرون هذه المرتبة كما مر في محاورة عمر لغيلان عن العلم. وكان السلف يكفرون من ينكر هذه المرتبة إذا
_________________
(١) ١ الآية ٣٠ من سورة البقرة. ٢ مسلم برقم ٢٦٤٩، ٦/١٥١، والبخاري بلفظ: أيعرف أهل الجنة من أهل النار؟ انظر البخاري مع الفتح ١١/٤٩١، برقم (٦٥٩٦) . ٣ متفق عليه، البخاري مع الفتح ١١/٤٩٣، برقم (٦٥٩٧) ومسلم ٦/١٦٠-١٦١برقم (٢٦٥٩) ٤ الآية ١٤ من سورة الملك.
[ ١ / ٥١٧ ]
أقيمت عليه الحجة. وقد انقرضت هذه الجماعة التي تنكر علم الله السابق كما ذكر ذلك النووي رحمه الله تعالى ١ ثم تبنت المعتزلة آراء القدرية ولكنهم لم ينكروا ما كان ينكره متقدموهم في رد علم الله السابق بأفعال خلقه حتى تكون منهم. ومع ذلك وافقوهم واعتقدوا أن العباد خالقون لأفعالهم، والآثار المروية عن عمر هنا ترد على القدرية الأولى وعلى المعتزلة. وذلك بإثبات ما جاء في القرآن والسنة من أن العباد لهم مشيئة وإرادة وأن الله خالقهم وخالق أفعالهم وعالم بهم لا تخفى عليه منهم خافية.
والمرتبة الثانية هي:
٢- مرتبة الكتابة: وهي الإيمان بأن الله كتب في اللوح المحفوظ كل شيء وقد بين عمر ذلك في رسائله وخطبه ففي رسالته إلى عامله يقول: وقد سمعه منه المسلمون فتكلموا به في حياته وبعد وفاته يقينا وتسليما لربهم وتضعيفا لأنفسهم أن يكون شيء لم يحط به علمه. ولم يحصه كتابه ٢.
_________________
(١) ١ انظر صحيح مسلم بشرح النووي ١/١٢٩. ٢ انظر سنن أبي داود ٤/٢٠٢-٢٠٣.
[ ١ / ٥١٨ ]
وخطب في يوم جمعة فقال: أيها الناس من عمل منكم خيرا فليحمد الله تعالى ومن أساء فليستغفر الله. ثم إن عاد فليستغفر الله فإنه لا بد لأقوام أن يعملوا أعمالا وضعها الله في رقابهم وكتبها عليهم١. وخطب يوما فقال في خطبته: إن الدنيا ليست بدار قرار، دار كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها منها الظعن٢. وهذا المأثور عن عمر من كتابة الله مقادير الخلائق قبل خلقهم وإحصائه كل ذلك وعلمه جزئيات كل شيء هو ما دل عليه الكتاب والسنة. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ ٣، وقال ﷿: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ ٤، وقال رب العزة والجلال: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ ٥.
_________________
(١) ١ انظر الشريعة ص٢١٢- ٢١٣. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص٢٤٤. ٣ الآية ١٢ من سورة يس. ٤ الآية ٢٢ من سورة الحديد. ٥ الآية ٥٨ من سورة الإسراء.
[ ١ / ٥١٩ ]
وقد أجمع أهل السنة من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم أن كل كائن إلى يوم القيامة فهو مكتوب في أم الكتاب كما دلت على ذلك هذه الآيات فأفعاله تعالى وأقواله مكتوبة في اللوح المحفوظ. والآيات فيها رد على القدرية النفاة فإن الله قد علم الأشياء قبل كونها وكتبها في اللوح المحفوظ قبل إيجادها ثم أوجدها على طبق ما كتب.
ومن السنة: قوله ﷺ: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء"١.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قلت يارسول الله: إني رجل شاب وأنا أخاف على نفسي العنت ولا أجد ما أتزوج به النساء فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك فقال النبي ﷺ: "يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق فاختص على ذلك أو ذر"٢.
وقوله ﷺ: "ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار وقد كتبت شقية أو سعيدة "٣.
هذه الكتابة في الجملة وإذا خلق الجنين في بطن أمه ونفخ الروح فيه بعث إليه ملكا فيؤمر بأربع كلمات فيقال له: اكتب رزقه، وأجله،
_________________
(١) ١ رواه مسلم ٦/١٥٥، برقم (٢٦٥٣) . ٢ رواه البخاري، البخاري مع الفتح ٩/١١٧، برقم (٥٠٧٦) . ٣ البخاري مع الفتح ٣/٢٢٥، برقم (١٣٦٢)، ومسلم ٦/١٤٩، برقم (٢٦٤٧) .
[ ١ / ٥٢٠ ]
وعمله، وشقي أم سعيد. وقد أشار عمر ﵀ إلى هذا التفصيل في رسالته إلى عامله حيث قال فيها: وكتب الشقاوة ومايقدر يكن وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ١. وهذا الذي أشار إليه عمر هو مضمون حديث رسول الله ﷺ فقد روى البخاري عن ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق- قال: "إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع: برزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح. فوالله إن أحدكم أو الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع أو ذراعين فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها"٢.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: وحكى ابن التين أن عمر بن عبد العزيز لما سمع هذا الحديث أنكره وقال: كيف يصح أن يعمل العبد عمره الطاعة ثم لا يدخل الجنة انتهى. ثم قال: وتوقف شيخنا ابن الملقن في صحة ذلك عن عمر. وظهر لي أنه إن ثبت عنه حمل على أن راويه حذف منه
_________________
(١) ١ سنن أبي داود ٤/٢٠٢- ٢٠٣. ٢ البخاري مع الفتح ١١/٤٧٧، رقم (٦٥٩٤)، ومسلم بشرح النووي ٦/١٤٥، برقم (٢٦٤٣) .
[ ١ / ٥٢١ ]
قوله في آخره"فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها "١. أو أكمل الراوي ولكن استبعد عمر وقوعه وإن كان جائزا ويكون إيراده على سبيل التخويف من سوء الخاتمة٢.
وابن التين والحافظ ابن حجر لم يبينا السند عن عمر حتى نحكم عليه بصحة أو ضعف ولم أجد في كلام عمر ﵀ ما يدل على ذلك بعد البحث الطويل، بل المروي عنه رحمه الله تعالى يخالف ذلك، فقد ثبت عنه رحمه الله تعالى قوله: وكتب الشقاوة وما يقدر يكن وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن ولا نملك لأنفسنا ضرا ولا نفعا"٣. فالقائل بأن الشقاوة مكتوبة على العبد لا يعقل أن ينكر أن الشقي قد يعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب بشقاوته فيعمل بعمل أهل النار كما أن عمر رحمه الله تعالى كان ينهى نهيا شديدا عن معارضة السنن برأي أو تأويل باطل فقد قال في رسالته ولئن قلتم لم أنزل الله آية كذا ولم قال كذا؟ ثم أجاب: لقد قرأوا منه ما قرأتم وعلموا من تأويله ما جهلتم " وأجاب من سأله عن الأهواء عليك بدين الصبي الذي في الكتاب والأعرابي واله عما سوى ذلك" وبين في رسالته التي
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١١/٤٧٧، ومسلم بشرح النووي ٦/١٤٥. ٢ البخاري مع الفتح ١١/٤٩١. ٣ سنن أبي داود ٤/٢٠٢-٢٠٣.
[ ١ / ٥٢٢ ]
كتبها إلى الذين كتبوا إليه بالتكذيب بالقدر أن الهداية والضلالة والخير الشر، بيد الله يهدي من يشاء ويذر من يشاء، فقال: هل أمضى لقوم يونس مشيئتهم حين أبوا أن يؤمنوا حتى أظلهم العذاب فآمنوا وقبل منهم، ورد على غيرهم الإيمان فلم يقبل منهم. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ - أي علم الله الذي قد خلا في خلقه - وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ ١،وذلك كان موقعه عندهم أن يهلكوا بغير قبول، بل الهدى والضلالة والكفر والإيمان، والخير، والشر، بيد الله يهدي من يشاء ويذر من يشاء في طغيانهم يعمهون"٢.
المرتبة الثالثة من مراتب الإيمان بالقدر.
٣- المشيئة: والمقصود بها: أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه لا حركة ولا سكون في السموات ولا في الأرض إلا بمشيئته ﷾ فلا يكون في ملكه إلا ما يريد، وقد حرص عمر رحمه الله تعالى
_________________
(١) ١ الآية ٨٤-٨٥ من سورة غافر. ٢ أبو نعيم في الحلية ٥/٣٥٢.
[ ١ / ٥٢٣ ]
على توضيح هذه المرتبة والرد على من أنكرها كما سيأتي إن شاء الله تعالى - ففي رسالته إلى عامله يقول: وما يقدر يكن وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن " وكان يقول: لو أراد الله أن لا يعصى ما خلق إبليس" وناظر غيلان وأفحمه حين بين له خطأه في الاحتجاج بأوائل الآيات من سورة الإنسان فطلب منه أن يقرأ آخر السورة وقال له: ويحك أما تسمع الله يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ .
وكتب إلى ابنه كتابا فكان مما كتب فيه: إني أسأل الله الذي بيده القلوب يصنع ما شاء من هدي أو ضلالة" وهذا الذي أثر عن عمر رحمه الله تعالى هو الحق الذي يدل عليه الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ١.
وقال ﷿: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢، وقال ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ
_________________
(١) ١ الآية ٨٢ من سورة يس. ٢ الآية ٣٩ من سورة الأنعام.
[ ١ / ٥٢٤ ]
كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ١، فهذه الآيات تدل على مشيئة الله النافذة فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن كما تدل على قدرته التامة، الشاملة بكل شيء.
ومن السنة قوله ﷺ: "قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفها كيف يشاء" ثم قال ﷺ: "يامصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك"٢.
وقال في شأن الجنين: "فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك"٣.
وفي قصة نومهم في الوادي قال ﷺ: "إن الله قبض أرواحكم حين شاء وردها حين شاء"٤.
المرتبة الرابعة من مراتب الإيمان بالقدر:
٤- الخلق: والمقصود بها: أن الله تعالى هو خالق الخلق وخالق كل شيء فهو الذي خلق الكون وأوجده فهو الخالق وما سواه مربوب مخلوق، ولعمر بن عبد العزيز في تقرير هذه المرتبة أبلغ البيان فقد كتب
_________________
(١) ١ الآية ١١١ من سورة الأنعام. ٢ رواه مسلم ٦/١٥٥. برقم (٢٦٥٤) . ٣ رواه مسلم ٦/١٤٨ برقم ٢٦٤٥. ٤ البخاري مع الفتح. برقم (٥٩٥) ٢/٦٦.
[ ١ / ٥٢٥ ]
في قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّك﴾ ١، قال: الذين لا يختلفون خلقهم الله ﷿ للرحمة٢. فهذه الآية تتضمن خلق العباد وأعمالهم.
وكتب إلى عدى بن أرطأة أما بعد: فإن استعمالك سعد بن مسعود على عمان من الخطايا التي قدر الله عليك وقدر أن تبتلى بها٣ وهذا الذي قرره عمر رحمه الله تعالى هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة وإجماع العقلاء كلهم. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٤، وقال ﷿: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٥.
وقال ﷺ مجيبا من سأله: أرأيت ما يعمل الناس فيه ويكدحون أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر سابق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به
_________________
(١) ١ الآية ١١٨- ١١٩ من سورة هود. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٧٤، والفريابى في القدر ورقة أ ١٥. ٣ عبد الرزاق في المصنف ١١/١٢٢. ٤ الآية ٦٢ من سورة الزمر. ٥ الآية ٩٦ من سورة الصافات.
[ ١ / ٥٢٦ ]
نبيهم؟ قال: بل شيء قضي عليهم ومضى. قال ففيم العمل؟ قال: "من خلقه الله لإحدى المنزلتين استعمله بعمل أهلها"١.
قال ابن القيم ﵀ في تقرير هذه المرتبة: وهذا أمر متفق عليه بين الرسل ﵈، وعليه اتفقت الكتب الإلهية والفطر والعقول والاعتبار، وخالف في ذلك مجوس الأمة فأخرجت طاعات ملائكته وأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين - وهي أشرف ما في العالم - عن ربوبيته وتكوينه ومشيئته بل جعلوهم الخالقين لها ولا تعلق لها بمشيئته ولا تدخل تحت قدرته. وكذلك قالوا في جميع أفعال الحيوانات الاختيارية فعندهم أنه سبحانه لا يقدر أن يهدي ضالا ولا يضل مهتديا ولا يقدر أن يجعل المسلم مسلما والكافر كافرا، والمصلي مصليا وإنما ذلك بجعلهم أنفسهم كذلك لا يجعله تعالى٢.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١١/٤٧٧. ٢ انظر شفاء العليل ص١٠٩.
[ ١ / ٥٢٧ ]