تمهيد:
الجهمية: نسبة إلى الجهم بن صفوان، لأنه هو الذي أظهر هذا المذهب ودعا إليه وجادل من أجله، وتوسع في مسائله، وأصلُه، من مدينة بلخ ثم انتقل منها إلى سمرقند وترمذ، ثم انتقل إلى الكوفة، ثم رجع إلى خراسان، وفي الكوفة التقى بشيخه الجعد بن درهم، وقد خرج على بني أمية فأسر ثم قتل، وهو من كبار المعطلة.
وملخص ما كان يدعو إليه: أنه كان ينكر أسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة ولا يسمى الله باسم من الأسماء التي يسمى بها خلقه وكان يقول: لا أقول إن الله شيء لأن ذلك تشبيه له بالأشياء١.
ويسمى الله تعالى باسم المحيي والمميت، والموجد، والفاعل، والخالق، لأن هذه الصفات لا تطلق على العبيد.
ويسميه القادر لأن العبد عنده ليس بقادر، ولا فاعل بناءً على مذهبه في أفعال العباد، إذ كان رأس الجهمية الجبرية٢.
أما الصفات فينفيها جميعا لأن إثباتها يقتضي التشبيه بزعمه.
_________________
(١) ١ الأشعري: مقالات الإسلاميين ص٢٥٩. ٢ انظر: الملل والنحل ص٨٦، ودرء التعارض ١/٢٧٦.
[ ٢ / ٨١٨ ]
والإيمان عنده: المعرفة بالله فقط. والكفر هو: الجهل فقط١، وزعم أن الجنة والنار تفنيان وهذه الأقاويل كلها ظاهرة البطلان.
هذا وما يأتي من الآثار عن عمر تعتبر ردودا عامة على الجهمية وقد أوردها علماء السلف ضمن ردودهم عليهم كالإمام أحمد، والدارمي، وغيرهما من علماء السلف وهي كما يلي:
٣٢٢/١- الفريابي قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا معاوية بن هشام، ثنا سفيان عن جعفر بن برقان، قال: جاء رجل إلى عمر بن عبد العزيز فسأله عن بعض الأهواء فقال: انظر دين الأعرابي والغلام في الكتاب فاتبعه واله عما سوى ذلك٢.
٣٢٣/٢- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها اعتصام بكتاب الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر في أمر خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن
_________________
(١) ١ مقالات الإسلاميين ص٣٣٨. ٢ الفريابي في القدر لوحة أ ٦٣. ومعاوية بن هشام القصار أبو الحسن الكوفي، ويقال معاوية بن أبي العباس صدوق له أوهام. تقريب التهذيب ص٥٣٨،وقد تقدم الأثر في باب التمسك بما تدل عليه الفطرة.
[ ٢ / ٨١٩ ]
تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.
قال عبد الله بن عبد الحكم فسمعت مالكا يقول: وأعجبني عزم عمر في ذلك١.
٣٢٤/٣- ابن أبي الدنيا قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا حماد ابن زيد، عن يحيى بن سعيد، قال: قال عمر بن عبد العزيز ﵀: من جعل دينه غرضا٢ للخصومات أكثر التنقل٣،٤.
٣٢٥/٤- اللالكائي قال: وذكر عبد الرحمن، قال: ثنا محمد بن أحمد ابن عمرو بن عيسى قال: ثنا عيسى بن عمرو البصري، قال: ثنا سليمان ابن عيسى الشجري، قال: ثنا سهل الحنفي، عن مقاتل بن حيان، قال:
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٤٠، وقد تقدم تخريجه برقم ١١٥. ٢ الغرض: الهدف الذي يرمى إليه. انظر المعجم الوسيط ص٩٧٧. ٣ عند الفريابي "أكثر الشك" وعند اللالكائي: "يكثر التحول". ٤ ابن أبى الدنيا: كتاب الصمت ص١١٦، وقال المحقق رجاله ثقات، وأخرجه أحمد في الزهد ص٤٢٣، وابن سعد في الطبقات ٥/٣٧١، واللالكائي ١/١٤٤، والفريابي في القدر لوحة أ ٦٣، والآجري في الشريعة ١/١٨٩، وابن بطة في الإبانة ٢/٥٠٣-٥٠٤، والدارمي في السنن ١/٩١، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله رقم "١٧٧٠" وذكره الإمام أحمد في الرد على الجهمية ص٦٩. وقد تقدم في فصل النهي عن الخصومات في الدين.
[ ٢ / ٨٢٠ ]
دخلت على عمر بن عبد العزيز فقال لي: من أين أنت؟ فقلت: من أهل بلخ١، فقال: كم بينك وبين النهر؟ قلت: كذا وكذا فرسخا. فقال: هل ظهر من وراء النهر رجل يقال له جهم؟ قلت: لا. قال: سيظهر من وراء النهر رجل يقال له جهم يهلك خلقا من هذه الأمة، يدخلهم الله وإياه النار مع الداخلين٢.
التعليق:
الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في هذا المبحث آثار عامة أوردها علماء السلف في ردهم على الجهمية، ولاشك أنها تعتبر ردا على جميع المبتدعة، وذلك في أمره ﵀ بالتمسك بما تدل عليه الفطرة من إثبات ما للخالق من صفات الكمال ونعوت الجلال، كإثبات الفوقية والعلو، وغير ذلك مما تدل عليه الفطرة السليمة. وكذلك أمره بالنهي عن
_________________
(١) ١ بلخ: - بفتح الباء وسكون اللام- مدينة مشهورة بخراسان. انظر معجم البلدان ١/٤٧٩. ٢ اللالكائى شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٤٢٥، وقال محقق الكتاب: ويبدو على ظاهر الرواية الوضع لأن عمر توفي قبل خروج الجهم بحوالي ثلاثين سنة تقريبا والغيب لا يعلمه إلا الله، وقد تقدم الأثر في مبحث الحكم على المعين بالجنة أو النار. وعبد الرحمن هو عبد الرحمن بن أبي حاتم.
[ ٢ / ٨٢١ ]
الخصومات في الدين بغير علم، ولم يقع جهم فيما وقع فيه إلا بسبب الخصومات فيما لا علم له به، فضل وأضل.
وقد تقدم شيء من ذلك في بيان سمات أهل البدع، وقد كان السلف الصالح يستدلون بما أثر عن عمر بن عبد العزيز في الأخذ بسنن رسول الله ﷺ، وسنن الخلفاء الراشدين من بعده في ردهم على الجهمية مثلما فعله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الفتوى الحموية حيث ذكر أن أبا القاسم الأزجي روى بإسناده عن مطرف بن عبد الله، قال: سمعت مالك بن أنس إذا ذكر عنده من يدفع١ أحاديث الصفات يقول: قال عمر بن عبد العزيز ويذكر الأثر الثاني من المبحث السابق: "سن رسول الله وولاة الأمر من بعده " وقال الشاطبي ﵀ متحدثا عن هذا الأثر: "إنه كلام مختصر جمع أصولا حسنة من السنة منها قطع مادة الابتداع جملة. ومنها المدح لمتبع السنة وذم لمن خالفها ومنها أن سنة ولاة الأمر وعملهم تفسير لكتاب الله وسنة رسوله فقد جمع كلام عمر أصولا حسنة وفوا ئد مهمة٢.
وقد أورد الإمام أحمد في كتابه "الرد على الجهمية" أثر عمر بن عبد العزيز "من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل"٣.
_________________
(١) ١ الفتوى الحموية ص٢٤ ط. السلفية. ٢ انظر: الاعتصام ٦٨-٦٩. ٣ الرد على الجهمية للإمام أحمد ص٦٩.
[ ٢ / ٨٢٢ ]
وأما الأثر الأخير وهو ما ذكره اللالكائي من سؤال عمر بن عبد العزيز عن خروج جهم بن صفوان فإن محقق كتاب السنة للالكائي قد بين ضعفه١، والأثر على ضعفه لا يتفق أيضا مع عقيدة أهل السنة والجماعة حيث ذكر فيها الإخبار بالمغيبات، والحكم على المعين بالنار، وقد سبق بيان موقف أهل السنة والجماعة في مسألة الحكم على المعين بالجنة أو النار، حيث تبين أن الصواب في ذلك هو إيكال علم الخلق إلى الخالق.
ومذهب الجهمية يعرف قبحه كل من سلمت فطرته، ولا يحتاج إلى حشد الأدلة الضعيفة ومنها تلك الرواية.
ومن المهم الإشارة إلى أن علماء السلف رحمهم الله تعالى أطلقوا على كل من ينكر أسماء الله تعالى وصفاته لقب الجهمية سواء أنكرها كلها أو أنكر بعضها أو أنكر الصفات وأثبت الأسماء كالمعتزلة، فالسلف رحمهم الله تعالى أطلقوا هذا الاسم على هؤلاء لخروجهم عما دل عليه الكتاب والسنة وفهمه السلف الصالح منهما.
_________________
(١) ١ انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٤٢٥ حيث قال حفظه الله يبدو على ظاهر الرواية الوضع لأن عمر توفي قبل خروج الجهم بحوالي ثلاثين سنة والغيب لا يعلمه إلا الله، وقد تقدم.
[ ٢ / ٨٢٣ ]