٨٩/٢٢- ابن عبد الحكم قال: كان عمر بن عبد العزيز يدعو ويقول: اللهم لا تعطني عطاء يبعدني من رحمتك في الآخرة ١.
٩٠/٢٣- ابن عبد الحكم قال: كان عمر يدعو بهذا الدعاء ويقول: واكفني كل هول دون الجنة حتى تبلغنيها برحمتك يا أرحم الراحمين٢.
التعليق:
إثبات صفة الرحمة لله تعالى هو مذهب أهل السنة والجماعة وهذا ما ثبت عن عمر بن عبد العزيز ﵀ كما تقدم سطره في الأثرين اللذين ذكرناهما آنفا، وهو أيضا ما دل عليه الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٣، وقوله ﷿: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٤،
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٩٨، وأبو حفص الملاء ٢/٤٧٧. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٩٨، وأبو حفص الملاء ٢/٤٧٦. ٣ الآية ٥ من سورة طه. ٤ الآية ١٥٦ من سورة الأعراف.
[ ١ / ٣٥٦ ]
ومن السنة ما رواه البخاري عن أسامة قال: كان ابن لبعض بنات النبي ﷺ يقضي فأرسلت إليه أن يأتيها فأرسل: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل إلى أجل مسمى فلتصبر، ولتحتسب، فأرسلت إليه فأقسمت عليه فقام رسول الله ﷺ وقمت معه، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وعبادة بن الصامت، فلما دخلنا ناولوا رسول الله ﷺ الصبي ونفسه تقلقل في صدره حسبته قال كأنها شَنّة فبكى رسول الله ﷺ فقال سعد بن عبادة أتبكي فقال: "إنما يرحم الله من عباده الرحماء"١.
وحديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ليصيبن أقواما سفع٢ من النار بذنوب أصابوها عقوبة ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته تعالى يقال لهم الجهنميون" ٣.
وفي هذه النصوص ونحوها كثير أبلغ دليل على ثبوت صفة الرحمة لله تعالى وبذلك يتبين بطلان قول أهل التأويل في هذه الصفة الكريمة من صفات ربنا ﵎ - وقولهم أن الرحمة رقة في القلب وهي تدل
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١٣/٤٣٤، برقم (٧٤٤٨) . ٢ البخاري مع الفتح ١٣/٤٣٤، والسفع: علامة تغير ألوانهم أي يريد أثرًا من النار. انظر النهاية ٢/٣٧٤. ٣ البخاري مع الفتح ١٣/٤٣٤، برقم (٧٤٥٠) .
[ ١ / ٣٥٧ ]
على الضعف والخور في طبيعة الراحم وتألمه على المرحوم ١ هذا قول باطل بالنسبة إلى صفة الله تعالى وبيان ذلك من وجوه:
الأول: أن هذا وصف رحمة بعض المخلوقين من النساء ونحوهن، وقد علم التفاوت العظيم بين الخالق تعالى والمخلوقين بالشرع، والعقل، والإجماع، وقد تقرر أن الصفة تتبع الموصوف في الكمال وضده.
الثاني: أن الضعف والخور مذموم وهو نقص وأما الرحمة فممدوحة كما قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ ٢، مع نهيه - تعالى عباده عن الوهن والحزن، قال تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ ٣، وحثهم على الرحمة كما في بعض الأحاديث كقوله ﷺ: "من لا يرحم لا يرحم"٤، وقوله: "لا تنزع الرحمة إلا من شقي" ٥، وقوله: "الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"٦
_________________
(١) ١ انظر: الإنصاف للباقلاني ٦٢-٦٣ وشرح أسماء الله الحسنى للرازي ٣٤١-٣٤٢ ٢ الآية ١٧ من سورة البلد. ٣ الآية ١٣٩ من سورة آل عمران. ٤ البخاري مع الفتح ١٠/٤٢٦، برقم (٥٩٩٧) . ٥ الحديث رواه الترمذي ٤/٢٥٨، وقال: حسن، والإمام أحمد ٢/٣٠١. ٦ الحديث رواه الترمذي ٤/٢٨٥، وقال حسن صحيح.
[ ١ / ٣٥٨ ]
ومستحيل أن يقول: "لا ينزع الضعف والخور إلا من شقي ولما كانت الرحمة في حق كثير من الناس تقارن الضعف والخور ظن من غلط في ذلك أنها كذلك مطلقا.
الثالث: أن أسماء الله تعالى حسنى لا يلحقها نقص بوجه من الوجوه، وصفاته عليا عن النقص أيضا والله تعالى قد تمدح بهذه الأسماء والصفات لأنها تدل على الكمال، فمن المحال أن يلحقها ما يلحق رحمة المخلوق١.
وفي ختام هذا المبحث في موقف عمر بن عبد العزيز من إثبات الصفات أود التنبيه إلى أن التوسع في دراسة تلك الصفات له أماكنه الخاصة به وقد كتبت فيها مؤلفات عديدة ورسائل علمية كثيرة ولم يكن غرضي استقصاء دراسة كل صفة لعدم تعلق موضوعي به. فإن مجال بحثي هو في متابعة ما يقوله عمر فيها وكان موقف عمر منها هو الإثبات، ولم أر له مجادلات ومناظرات مع المخالفين فاكتفيت بإثبات معتقده في الصفة وإثبات الصفة أيضا من كتاب الله وسنة نبيه وفهم السلف.
_________________
(١) ١ انظر شرح كتاب التوحيد للشيخ عبد الله الغنيمان ١/٢٦٢.
[ ١ / ٣٥٩ ]