١٤٨/١- ابن أبي الدنيا قال: حدثني أبو سعيد المديني عبد الله بن المسيب، حدثني محمد بن عمر بن سعيد العطار، حدثني زكريا بن منظور، عن عمه، عن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أخ له: يا أخي إنك قد قطعت عظيم السفر وبقي أقله، فاذكر يا أخي المصادر والموارد، فقد أوحي إلى نبيك ﷺ في القرآن أنك من أهل الورود ولم يخبر أنك من أهل الصدور والخروج، وإياك أن تغرك الدنيا فإن الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له "١.
لتعليق:
إن هذا الأثر الوارد عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يدل على الإيمان بالصراط، وذلك أنه بعد الخروج من عرصات القيامة في اليوم
_________________
(١) ١ ابن أبي الدنيا ذم الدنيا ص٦١، وابن الجوزي سيرة عمر ص٢٥٧، وأبو حفص الملاء ٢/٤٥٧. وأبو سعيد المديني عبد الله المسيب القرشي مولاهم مقبول ص٣٢٣ تقريب. ومحمد ابن عمر بن أبي حفص العطار روى عن السدي روى عنه أبو نعيم الفضل بن دكين ولم يذكره ابن أبي حاتم بجرح ولا تعديل. انظر الجرح والتعديل ٨/١٩. وزكريا بن منظور بن ثعلبة القرظي أبو يحيى ضعيف. انظر تقريب التهذيب ص٢١٦.
[ ١ / ٤٦٧ ]
العصيب يمر الناس على الصراط، وهو جسر ممدود على متن جهنم، أدق من الشعرة وأحد من السيف، يرده الأولون والآخرون من أتباع الرسل الموحدون وفيهم أهل الذنوب والمعاصي، وفيهم أهل النفاق، فتلقى عليهم الظلمة قبل الصراط. وفي هذا الموضع يفترق المنافقون عن المؤمنين ويتخلفون عنهم ويسبقهم المؤمنون ويُحال بينهم بسور يمنعهم من الوصول إليهم، ويعطي كل مؤمن نوره بقدر عمله يضيء له الطريق فيمرون على الصراط، فمنهم من يمر كالبرق الخاطف، وكالريح، ومنهم من يرمل رملا حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه تَخِرّ يدٌ وتعلق يد، وتخر رجل وتصيب جوانبه النار١.
وقد دل الكتاب والسنة على المرور على الصراط. قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ﴾ ٢. قال شارح الطحاوية: واختلف المفسرون في المراد بالورود في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ ما هو؟ والأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط. قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ ٣، وفي الصحيح أنه
_________________
(١) ١ انظر: شرح الطحاوية ص٤٧٠. ٢ الآية ٧٢ من سورة مريم. ٣ سورة مريم الآية ٧٢.
[ ١ / ٤٦٨ ]
ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة"، قالت حفصة: فقلت: يارسول الله أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾، فقال: ألم تسمعيه قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ " ١ أشار إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها، وأن النجاة من الشر لا تستلزم حصوله. فالمؤمنون يمرون فوق النار على الصراط ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا، فبين ﷺ أن الورود هو الورود على الصراط٢.
والحق أن الورود على النار ورودان: ورود الكفار أهل النار، فهذا ورود دخول لا شك في ذلك، كما قال تعالى في شأن فرعون ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ ٣، أي بئس المدخل المدخول.
والورود الثاني: ورود الموحدين وهو مرورهم٤ على الصراط كما سبق وهو ما عناه عمر بن عبد العزيز ﵀ بقوله: "يا أخي إنك قد قطعت عظيم السفر وبقي أقله فاذكر يا أخي المصادر والموارد، فقد أوحي
_________________
(١) ١ مسلم برقم٢٤٩٦/ ٦ / ٤٧. ٢ شر ح الطحاوية ص٤٧١، والحديث رواه مسلم٦ /٤٧٠ برقم٢٤٩٦. ٣ سورة هود ٩٨. ٤ القيامة الكبرى للأشقر ص٢٧٨.
[ ١ / ٤٦٩ ]
إلى نبيك ﷺ في القرآن أنك من أهل الورود ولم يخبر أنك من أهل الصدور والخروج " ١.
فعمر في هذا الأثر يذكر أخاه بالمرور على الصراط وهو خاص بالمؤمنين والموحدين من أتباع الرسل وفيهم بعض المنافقين الذين يحبسون ويسقطون في النار، فالورود هنا كما بينه عمر هو المرور على الصراط، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين في النار جثيا، أعاذنا الله ونجانا من هذا المكان برحمته ولطفه.
_________________
(١) ١ انظر: القيامة الكبرى للأشقر ص٢٧٨.
[ ١ / ٤٧٠ ]