تمهيد:
أصل البركة في اللغة العربية: "الثبوت واللزوم" فكل شيء ثبت وأقام فقد برك١ وتطلق البركة على النماء والزيادة، والتبريك هو الدعاء للإنسان بالبركة، والتبرك بالشيء طلب البركة بواسطته، والبركة في القرآن والسنة هو ثبوت الخير ودوامه أو كثرة الخير وزيادته أو اجتماعهما معا٢.
والبركة في الاصطلاح هو "ثبوت الخير الإلهي في الشيء"٣، والتبرك هو: طلب حصول الخير بمقاربة ذلك الشيء وملابسته٤.
ولا شك أن التبرك بالشيء له تعلق بالشرع فينقسم إلى قسمين:
أ- تبرك مشروع وهو الذي أذن به الشرع أو أمر به.
ب- وتبرك ممنوع وهو عكس الأول.
وفيما يلي الآثار المروية عن عمر بن عبد العزيز ﵀ في التبرك:
_________________
(١) ١ انظر معجم مقاييس اللغة ١/٢٢٧- ٢٢٨، ولسان العرب ١/٣٩٦. ٢ انظر التبرك أنواعه وأحكامه ص٣٩. ٣ المفردات ص٤٤ للراغب الأصفهاني. ٤ انظر التبرك أنواعه وأحكامه ص٣٩.
[ ١ / ٢٤٩ ]
٣٨/١- روى البخاري عن أبي حازم عن سهل بن سعد ﵁ قال: أقبل النبي ﷺ حتى جلس في سقيفة بني ساعدة وأصحابه ثم قال: "اسقنا ياسهل". فأخرجت لهم هذا القدح فأسقيتهم فيه. قال: فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا منه، قال: ثم استوهبه عمر بن عبد العزيز فوهبه له"١.
٣٩/٢- الذهبي قال: قال مروان بن محمد، حدثنا محمد بن مهاجر، حدثني أخي عمرو أن عمر بن عبد العزيز كان يلبس برد رسول الله ﷺ ويأخذ قضيبه في يده يوم العيد٢.
٤٠/٣- ابن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا محمد بن مسلم بن جماز عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله قال: أوصى عمر بن عبد العزيز عند الموت فدعا بشعر من شعر النبي ﷺ وأظفار من أظفاره وقال: إذا مت فخذوا الشعر والأظفار ثم اجعلوه في كفني ففعلوا ذلك٣.
٤١/٤- عبد الله بن الإمام أحمد قال: حدثني أبي، حدثنا هشام بن سعيد، حدثنا محمد بن مهاجر، حدثني أخي عمرو بن مهاجر، قال: كان لعمر بن عبد العزيز بيت يخلو فيه، في ذلك البيت ما ترك رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١٠/٩٨- ٩٩، رقم ٥٦٣٧. ٢ سير أعلام النبلاء ٥/١٣٥. ٣ ابن سعد الطبقات ٥/٤٠٦، فالأثر ضعيف لوجود محمد بن عمر لكن ورد عن أنس بن مالك مثل فعل عمر. انظر البخاري مع الفتح ١١/٧٠.
[ ١ / ٢٥٠ ]
فإذا سرير مرمول١ بشريط وقعب٢ يشرب فيه الماء، وجرة٣ مكسورة الرأس يجعل فيها الشيء، ووسادة من أدم محشوة ليف وقطيفة غبراء كأنها من هذه القطف الجرمقانية فيها من وسخ شعر رسول الله ﷺ ثم يقول: "يا قريش هذا تراث من أكرمكم الله ﷿ به وأعزكم يخرج من الدنيا على ما ترون"٤.
_________________
(١) ١ مرمول: منسوج: والمراد أنه سرير قد نسج وجهة بالصوف ولم يكن عليه وطاء سوى الحصير. انظر النهاية ٢/٢٦٥. ٢ القدح الضحم الذي يروى الرجل. انظر القاموس المحيط ص١٦٢. ٣ الجرة: إناء من خزف المعجم الوسيط ص١١٦. ٤ الإمام أحمد بن حنبل الزهد مع زوائد ابنه عبد الله ص١٩، وهشام بن سعيد هو: أبو أحمد الطالقاني، روى عن محمد بن مهاجر الأنصاري، روى عنه أحمد بن حنبل، ثقة. انظر الجرح والتعديل ٩/٦٢- ٦٣. ومحمد بن مهاجر الأنصاري الشامي أخو عمرو، ثقة من السابعة. مات سنة سبعين. بخ م١٤. انظر تقريب التهذيب ص٥٠٩. وعمرو بن المهاجر بن أبي مسلم الأنصاري أبو عبيد الدمشقي ثقة، من الخامسة مات سنة تسع وثلاثين وله أربع - أو خمس- وسبعون سنة. ي د ق. انظر تقريب التهذيب ص٤٢٧. وقد خرج الأثر أبو نعيم في الحلية ٥/٣٢٦- ٣٢٧، وأبو حفص الملاء ٢/٤٥٩- ٤٦٠.
[ ١ / ٢٥١ ]
التعليق:
إن الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى- في هذا المبحث أثار تبين تبركه -﵀ - بآثار الرسول ﷺ الباقية في عهده. والتبرك بآثاره ﷺ مما اتفق عليه أهل العلم قاطبة لأنه ﷺ مبارك الأعيان والصفات، وبعد التحاقه بالرفيق الأعلى بقيت بعض الأشياء التي كان يستعملها، كبعض لباسه، ومقتنياته الشخصية، وبقية أظفاره وشعره، والقدح الذي شرب منه، وغير ذلك، فحرص عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- على اقتناء بعض هذه الأشياء تبركا بها، وهذا تبرك مشروع، مع العلم بأننا الآن لا يمكن أن نثبت على وجه الجزم واليقين وجود هذه المقتنيات الخاصة به ﷺ، وقد تبرك عمر بن عبد العزيز بالقدح الذي شرب منه النبي ﷺ وهو تبرك مشروع، فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يشربون من القدح الذي شرب منه النبي ﷺ، فأخرج البخاري في صحيحه عن عاصم الأحول قال: رأيت قدح النبي ﷺ عند أنس بن مالك ﵁ وكان قد انصدع فسلسله بفضة قال أنس: "لقد سقيت في هذا القدح أكثر من كذا وكذا"١.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ٦/٢٥٢.
[ ١ / ٢٥٢ ]
والمقصود أن الصحابة كانوا يتبركون بالشرب في القدح الذي شرب منه النبي ﷺ.
وكذلك اقتناء عمر - رحمه الله تعالى- البردة والقضيب وتبركه بهما من التبرك المشروع لما ورد في الصحيح عن أبي بردة قال: أخرجت إلينا عائشة - ﵂ - كساء ملبدا١ وقالت "في هذا نزع روح النبي ﷺ ٢".
وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ أنها أخرجت جبة طيالسة وقالت: هذه كانت عند عائشة حتى قبضت، فلما قبضت قبضتها، وكان النبي ﷺ يلبسها فنحن نغسلها للمرضى يستشفي بها٣.
فهذه الأحاديث الصحيحة وغيرها كثير تدل على أن رسول الله ﷺ ذاته وما انفصل من جسده من شعر وعرق، ولباس، وما استعمله من
_________________
(١) ١ ملبدا: أي مرقعا، وقيل: الملبد الذي ثخن وسطه وصفق حتى صار يشبه اللبدة. انظر النهاية ٤/٢٢٤. ٢ صحيح مسلم ٥/٢٤٥- ٢٤٦،رقم (٢٠٨٠)، والبخاري مع الفتح ٦/٢١٢، (٣١٠٨) . ٣ صحيح مسلم بشرح النووي٥/٢٣٧/برقم٢٠٦٩.
[ ١ / ٢٥٣ ]
الأواني وغيرها قد جعل الله فيه من البركة ما يستشفي به ويرجى بسببه الفائدة في الدنيا والآخرة١.
ووصية عمر - رحمه الله تعالى - بأن يجعل في كفنه بعض أشعار رسول الله ﷺ له في ذلك سلف صدق من الصحابة، ففي صحيح البخاري أنه لما حضر بأنس بن مالك الوفاة أوصى بأن يجعل في حنوطة سك٢ كان فيه شعر رسول الله ﷺ وكانت أم سليم قد جمعته وفيه عرقه وشعره صلى الله عليه وسلم٣.
ومن المهم الإشارة إلى أنه قد ذهب بعض الخلف٤ إلى جواز قياس غير النبي ﷺ على النبي ﷺ فيستحب التبرك بآثار الصالحين مثل التمسح بهم أو بثيابهم، وحمل المولود إلى أحد منهم ليحنكه بتمرة حتى يكون أول ما يدخل جوفه ريق الصالحين، والتبرك بعرقهم ونحو ذلك، وهذا خطأ صريح لأن الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك مع غيره ﷺ لا في حياته ولا
_________________
(١) ١ انظر التبرك المشروع والتبرك الممنوع ص٢٩ لعلي نفيع العلياني. ٢ السك: طيب مركب يضاف إلى غيره. انظر الفتح ١١/٧٢. ٣ انظر البخاري مع الفتح ١١/٧٠، وسير أعلام النبلاء ٢/٣٠٧ ٤ انظر: البخاري مع الفتح ٣/١٣٠، ومسلم بشرح النووي ٥/٣٠٣، فقد ذهب الإمامان ابن حجر، والنووي إلى جواز التبرك بآثار الصالحين ولا شك أن ذلك زلة منهما يغفر الله لهما والقاعدة عند أهل السنة (أن كل واحد منا يؤخذ من قوله ويرد إلا الرسول صلى الله عليه ويسلم) .
[ ١ / ٢٥٤ ]
بعد وفاته ولو كان خيرا لسبقوا إليه فدل على أن ذلك مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم١.
ومما يؤكد اختصاص النبي ﷺ بهذا التبرك أن التابعين رحمهم الله تعالى ومنهم كما سبق عمر بن عبد العزيز قد ساروا على نهج الصحابة رضوان الله عليهم في هذا الباب فلم ينقل عنهم وقوع التبرك بالصحابة وغيرهم ولا فعله التابعون مع فضلائهم وقادتهم في العلم والدين٢ بل إنهم منعوا ذلك سدا للذريعة كما يرى الشاطبي ﵀ فقد قال في بيان هذه العلة "إن العامة لا تقتصر في ذلك على حد بل تتجاوز فيه الحدود وتبالغ بجهلها في التماس البركة، حتى يداخلها للمتبرك به تعظيم يخرج به عن الحد فربما اعتقد في المتبرك به ما ليس فيه "٣.
فالاقتصار على ما جاء به النص هو سبيل المؤمنين الذين أنعم الله عليهم من الصديقين والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
_________________
(١) ١ انظر تيسير العزيز الحميد ص١٨٦. ٢ انظر فتح المجيد ص١٠٦ وكتاب الدين الخالص لمحمد صديق حسن ٢/٢٥٠. ٣ الاعتصام للشاطبي ص٧٧ ط. دار الكتب العلمية ط. الثانية ١٤١١هـ بيروت.
[ ١ / ٢٥٥ ]