المبحث الخامس: الآثار عن عمر في الأمر بالتمسك بما تدل عليه الفطرة.
٢٢٥/١- ابن سعد: قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة، قال: أخبرنا سفيان، عن جعفر بن برقان، قال: جاء رجل إلى عمر بن عبد العزيز فسأله عن شيء من الأهواء فقال: الزم دين الصبي في الكُتّاب والأعرابي، والْهَ عما سوى ذلك١.
التعليق:
إن هذا الأثر الوارد عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يُلْمَحُ منه أنه يرى أن العباد مخلوقون على الدين القويم، وأن الانحراف عنه طارئ وحادث، وهذا ما دل عليه القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّم﴾ ٢.
_________________
(١) ١ ابن سعد في الطبقات ٥/٣٧٤. والدارمي في السنن ١/٧٠٣، وابن بطة في الإبانة ١/٣٤٣، واللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة برقم ٢٥٠، وابن الجوزي سيرة عمر ص٨٦، وأبو حفص الملاء ١/٣٥، الفريابي في القدر ص٢١٨، وقد صحح إسناد هذا الأثر النووي، في تهذيب الأسماء واللغات ٢/٢٢. ٢ الآية ٣٠ من سورة الروم.
[ ٢ / ٦١٩ ]
ودلت عليه السنة الصحيحة، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة جمعاء١ هل تحسون فيها من جدعاء"٢ ثم يقول أبو هريرة ﵁ -: فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم٣.
فالفطرة السليمة تقر بخالقها وتحبه وتتذلل له وتخلص له الدين وفيها قوة موجبة لذلك، وكذلك تقر بشرعه وتؤثر هذا الشرع على غيره. فهي تعرف هذا الشرع وتشعر به مجملا ومفصلا بعض التفصيل، فجاءت
_________________
(١) ١ جمعاء: أي سليمة من العيوب مجتمعة الأعضاء كاملتها فلا جدع ولا كي. النهاية في غريب الحديث، والأثر ١/٢٩٦ طبعة دار الفكر تحقيق طه أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناسي. ٢ جدعاء: أي مقطوعة الأطراف أو واحدها. ومعنى الحديث أن المولود يولد في نوع من الجبلة وهي فطرة الله تعالى وكونه متهيئا لقبول الحق طبعا وطوعا لو خلته شياطين الإنس والجن وما يختار لم يختر غيرها فضرب لذلك بالجمعاء والجدعاء مثلا. يعني إن البهيمة تولد مجتمعة الخلق سوية الأطراف سليمة من الجدع لولا تعرض الناس إليها لبقيت كما ولدت سليمة. النهاية في غريب الحديث والأثر ١/٢٤٧. ٣ البخاري مع الفتح٣/٢١٩، رقم (١٣٥٨)، ومسلم ٦/١٥٧-١٥٨رقم (٢٦٥٨)
[ ٢ / ٦٢٠ ]
الرسل تذكرها بذلك وتنبهها عليه وتفصله لها وتبينه، وتعرفها الأسباب المعارضة لموجب الفطرة المانعة من اقتضائها أثرها١.
ولا شك أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يُلَمِّح بقوله: الزم دين الصبي الذي في الكُتّاب والأعرابي والْهَ عمّا سوى ذلك تلك الفطرة السليمة التي لم تدنسها الأهواء ويؤيد ذلك ما مثل به رحمه الله تعالى من دين الصبي الذي بدأ يتعلم في الكتاب وهو بلا شك على فطرته السليمة، فلو سئل مثلا عن علو الله ﵎ لأجاب بالإثبات، وكذلك الأعرابي السليم الفطرة، فلو سئل عن ربه لأجاب بأنه تعالى عال على خلقه، فأمر رحمه الله تعالى من سأله عن الأهواء بأن يلتزم الفطرة، وأن لا يتدخل في متاهات أهل الأهواء الذين استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.
والذي نَلْمَحُهُ عن أثر عمر هنا هو أرجح الأقوال في معنى الفطرة المقصودة في قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ فقد اختلف العلماء في المراد بالفطرة في هذه الآية إلى عدة أقوال٢، ذكرها الإمام ابن
_________________
(١) ١ انظر شفاء العليل ص٦٢٩- ٦٣٠. ٢ انظر هذه الأقوال بتوسع في عقيدة الإمام ابن عبد البر في التوحيد والإيمان عرضا ونقدا تأليف سليمان صالح الغصن ط. دار العاصمة. ص٤٢٦- ٤٤٨.
[ ٢ / ٦٢١ ]
عبد البر في التمهيد١، كما ناقشها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وتلميذه ابن القيم٢، ثم رجح شيخ الإسلام وابن القيم القول بأن الفطرة هي الدين الذي ولد عليه الإنسان وهو دين الإسلام الحنيف، ولا يعني هذا أن الطفل يولد وهو عارف بالدين وإنما المقصود أن الطفل يولد على نوع من الجبلة ويكون متهيئا لقبول الحق طبعا وطوعا لو خلته شياطين الإنس والجن وما يختار لم يختر غير الإسلام، وهذا ما يلمح عن أثر عمر رحمه الله تعالى بقوله" الزم دين الصبي الذي في الكُّتاب والأعرابي". لأن الصبي والأعرابي بعيدان عن تنطع أهل الأهواء متمسكان بما ولدا عليه من الفطرة السليمة. وقد بدأ الصبي يتعلم، وهو أمر ينمي فطرته ويرشدها.
ولا شك أن الأدلة السابقة من الكتاب والسنة وهذا الأثر الوارد عن عمر ﵀ كل ذلك يعتبر ردًا على المتكلمين ومن انتحل مذهبهم في معرفة الله وأن أول واجب على المسلم هو النظر، قال الإيجي: " النظر في معرفة الله تعالى واجب إجماعا"٣، أو أن أول ما أوجب الله على المسلم
_________________
(١) ١ انظر التمهيد ١٨/٩٤. ٢ انظر درء تعارض العقل والنقل ٨/٣٦٧، وشفاء العليل من ص٥٥٩- ٦٠٠. ٣ المواقف في علم الكلام لعضد الدين القاضي عبد الرحمن بن أحمد الإيجي ص٢٨ طبعة عالم الكتب بيروت.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
هو: النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى"١، أو القصد إلى النظر الصحيح٢، أو أن أول الواجبات هو الشك لأن النظر بعده"٣، إلى ما هنالك من سفسطة أهل الكلام، ولا يعني هذا أن السلف الصالح يحرمون النظر مطلقًا وإنما يجيزون النظر في الشيء الذي لا يحصل العلم به إلا بالنظر. فيجب النظر في مسائل النزاع التي لا يعلم الحق فيها إلا بالنظر فإذا أراد معرفة الحق فيها وجب عليه النظر. فالنظر يجب في حال دون حال وفي شخص دون شخص. فوجوبه من العوارض التي تجب على بعض الناس في بعض الأحوال لا من اللوازم العامة٤. فالعلم بمعرفة الله ضروري، ولو كان نظريا لكان على الرسل أول ما يدعون إلى النظر،
_________________
(١) ١ انظر شرح الأصول الخمسة ص٣٩ لعبد الجبار الهمداني تعليق أحمد بن الحسين بن أبي هاشم تحقيق وتقديم الدكتور عبد الكريم عثمان طبعة مكتبة وهبة ط. الثانية ١٤٠٨هـ. ٢ انظر الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد لإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك الجويني ص٢٥ تحقيق أسعد تميم طبعة مؤسسة الكتب الثقافية الطبعة الأولى عام ١٤٠٥هـ بيروت لبنان. ٣ انظر شرح المقاصد لمسعود بن عمر بن عبد الله الشهير بسعد الدين التفتازاني ص٢٧٠ تحقيق وتعليق الدكتور عبد الرحمن عميرة طبعة عالم الكتب الطبعة الأولى عام ١٤٠٩هـ. ٤ انظر مجموعة الرسائل الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية ٢/٣٤٧- ٣٤٩.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
وهذا مما علم فساده من دين الإسلام فإن كل كافر إذا أراد الدخول في دين الإسلام أول ما يؤمن بالشهادة فلو قال: أنا أقر بالخالق لم يكن بذلك مسلما، ولو قال: أنا أعرف الله أنه رب العالمين ورازقهم ومدبرهم لم يصر بذلك مسلما، فمعرفة الله فطرية حاصلة لجمهور الخلق١.
والمقصود أن معرفة الله تعالى فطرية بدليل قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ حيث فسرت الفطرة بالدين في الآية وكذلك في الحديث حيث قال ﵊: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه" ولم يقل عليه الصلاة يمسلمانه لأن الطفل مولود على الإسلام، والمتكلمون أو جبوا النظر والاستدلال بطريق خاص وضعوه ومنعوا حصول المعرفة للخالق ﷾ قبل النظر في الآيات الكونية والنفسية، ومن باب أولى لا يكون فيها ميل إلى عبادة الله ﷿ أو محبته أو تعظيمه. فالقلوب ليست مفطورة على المعرفة وإنما المعرفة تنشأ بالاستدلال، وهذا الخلط والبعد عن الصواب ناتج عن عدم إدراكهم أن المعرفة ثابتة في القلوب، وأنها مما فطر عليها الخلق وأن البحث عنها إنما هو من باب تحصيل الحاصل وأن الأنبياء إنماجاءوا بدعوة الناس إلى العبادة، ولم يدعوهم إلى المعرفة ولا إلى وسائلها
_________________
(١) ١ مجموعة الرسائل الكبرى ٢/٣٤٨.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
أو مقدماتها، وأن ما كان من ذلك فإنما لزيادة المعرفة، وتوضيحها لا إلى تحصيلها وتأسيسها. والسلف الصالح مجمعون على أن العباد مفطورون على معرفة خالقهم وأن إتمام معرفتهم أو تصحيحها لا يحتاج إلى غير طرق الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وهو ما جاءوا بتقريره وتأكيده١.
_________________
(١) ١ انظر: فطرية المعرفة وموقف المتكلمين منها للدكتور أحمد سعد حمدان الغامدي ص٢٠٢-٢٠٣ الطبعة الأولى عام ١٤١٥هـ طبعة دار طيبة الرياض
[ ٢ / ٦٢٥ ]