١٩٢/١- ابن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الحميد بن عمران، عن عون بن عبد الله بن عتبة، قال: بعثني عمر بن عبد العزيز في خلافته إلى الخوارج الذين خرجوا عليه فكلمتهم فقلت: ما الذي تنقمون عليه؟ قالوا: ما ننقم عليه إلا أنه لا يلعن من كان قبله من أهل بيته فهذه مداهنة منه "١.
١٩٣/٢- ابن عبد البر قال: أخبرنا أحمد بن محمد، ثنا محمد بن عيسى، ثنا بكر بن سهل، ثنا نعيم بن حماد، ثنا عثمان بن سعيد بن كثير ابن دينار، قال: نا هشام بن يحيى بن يحيى الغساني، عن أبيه، قال: خرجت علي الحرورية بالموصل٢ فكتبت إلى عمر بن عبد العزيز بمخرجهم فكتب إلي عمر يأمرني بالكف عنهم وأن أدعو رجالا منهم فأجعلهم على
_________________
(١) ١ ابن سعد في الطبقات ٥/٣٥٨، ومحمد بن عمر هو الواقدي متروك مع سعة علمه. تقريب ص٤٩٨. وعبد الله بن عمران أبو الجويرية الأصفر كوفي نزل المدينة، روى عن حماد بن أبي سليمان، وروى عنه معن بن عيسى وحماد بن خالد الخياط ولم يذكر بجرح ولا تعديل. انظر الجرح والتعديل ٦/١٦. ٢ الموصل: بالفتح وكسر الصاد، المدينة المشهورة وهي مدينة قديمة الأس على طرف دجلة ومقابلها من الجانب الشرقي. انظر معجم البلدان ص٢٢٣.
[ ١ / ٥٦٦ ]
مراكب البريد حتى يقدموا على عمر فيجادلهم فلما قدموا على عمر أمر بنزولهم ثم أدخلهم عليه فجادلهم حتى إذا لم يجد لهم حجة رجعت طائفة منهم ونزعوا عن رأيهم، وأجابوا عمر. وقالت طائفة منهم لسنا نجيبك حتى تكفر أهل بيتك وتلعنهم وتبرأ منهم. فقال عمر: إنه لا يسعكم فيما خرجتم له إلا الصدق، أعلموني هل تبرأتم من فرعون أو لعنتموه أو ذكرتموه في شيء من أموركم؟ قالوا: لا. قال: فكيف وسعكم تركه ولم يصف الله ﷿ عبدا بأخبث من صفته إياه ولا يسعني ترك أهل بيتي ومنهم المحسن والمسيء والمصيب والمخطئ "١.
١٩٤/٣- وروى أيضا وقال: أخبرنا أحمد قال: نا محمد بن عيسى، ثنا بكر بن سهل، ثنا نعيم، ثنا عبد الله بن المبارك، قال: ثنا جرير بن حازم، عن محمد بن سليم أحد بني ربيعة بن حنظلة بن عدي، قال: "بعثني وعون بن عبد الله عمر بن عبد العزيز إلى خوارج خرجت بالجزيرة وفيه قالوا: خالفت أهل بيتك وسميتهم الظلمة فإما أن يكونوا على الباطل، فإن زعمت أنك على الحق وهم على الباطل فالعنهم وتبرأ منهم، فإن فعلت فنحن منك وأنت منا وإن لم تفعل فلست منا ولسنا منك فقال عمر أخبروني عن اللعن أفرض هو على العباد. قالوا: نعم. قال عمر لأحدهما:
_________________
(١) ١ ابن عبد البر جامع بيان العلم وفضله ٢/٩٦٥، وقال محقق الكتاب إسناد الأثر لا بأس به. وسيأتي برقم ٢٦١، و٢٦٨.
[ ١ / ٥٦٧ ]
متى عهدك بلعن فرعون؟ قال: ما لي بذلك منذ زمان، فقال عمر: هذا رأس من رؤوس الكفر ليس له عهد بلعنه منذ زمان، وأنا لا يسعني أن لا ألعن من خالفتهم من أهل بيتي "١.
١٩٥/٤- ابن الجوزي قال: حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، قال: حدثني أبي، عن جدي، قال: دخل الخوارج على عمر فلم يدع لهم حجة إلا كسرها، فقالوا: لسنا نجيبك حتى تكفر أهل بيتك وتلعنهم وتبرأ منهم. فقال عمر: إن الله لم يجعلني لعانا ولكن إن أبقى أنا وأنتم فسوف أحملكم وإياهم على المحجة البيضاء. فأبوا أن يقبلوا ذلك منه. فقال لهم عمر: إنه لا يسعكم في دينكم إلا الصدق. منذ كم دنتم الله بهذا الدين؟ قالوا: منذ كذا وكذا سنة. قال: فهل لعنتم فرعون وتبرأتم منه؟ قالوا: لا. قال: فكيف وسعكم تركه؟ ألا يسعني ترك أهل بيتي وقد كان فيهم المحسن والمسيء، والمصيب والمخطئ؟ ٢.
_________________
(١) ١ ابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله ٢/٩٦٦، وإسناد الأثر لا بأس به كما قال المحقق،وانظر ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١١٢-١١٤ بألفاظ مقاربة لما هنا. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص٩٨- ٩٩. وإبراهيم بن هشام الدمشقي روى عن أبيه وعن سعيد بن عبد العزيز، ضعفه ابن أبي حاتم. انظر الجرح والتعديل ٢/١٤٢- ١٤٣. وأبوه هشام روى عن جده يحيى وهو صالح الحديث. انظر الجرح والتعديل ٩/٧٠. وجده يحيى بن يحيى الغساني قاضي دمشق روى عن سعيد بن المسيب، وروى عنه ابنه هشام وهو ثقة. انظر الجرح والتعديل ٩/١٩٧.
[ ١ / ٥٦٨ ]
١٩٦/٥- ابن أبي الدنيا قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم، نا روح بن عبادة، نا ابن جريج، قال: قال عمر بن عبد العزيز، قال رسول الله ﷺ: "من لم يستحي فهو كافر" ١.
١٩٧/٦- الملطى قال: وقال حسان بن فروخ: سألني عمر بن عبد العزيز عما تقول الأزارقة فأخبرته فقال ما يقولون في الرجم؟ فقلت يكفرون به فقال: الله أكبر كفروا بالله وبرسوله٢.
١٩٨/٧- عبد الله بن الإمام أحمد قال: حدثني أبي، نا مؤمل، نا حماد يعني ابن سلمة، حدثنا أبو جعفر الخطمي، قال شهدت عمر بن عبد العزيز وقد دعا غيلان لشيء بلغه في القدر فقال له ما تقول في العلم؟ قال: قد نفد العلم. قال: فأنت مخصوم، اذهب الآن فقل ما شئت ويحك يا غيلان إنك إن أقررت بالعلم خصمت، وإن جحدته كفرت. وإنك إن تقر به فتخصم خير لك من أن تجحده فتكفر ٣.
_________________
(١) ١ ابن أبى الدنيا: مكارم الأخلاق ص٤٣، قال محقق الكتاب إسناده ضعيف فيه انقطاع، وابن جريج لم يصرح بالسماع. ٢ الملطى: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص١٩٦. وسيأتي برقم ٢٠٦، و٢٨٢. ٣ السنة لعبد الله ٢/٤٢٩. وأخرج الأثر الآجري في الشريعةص ٢٢٨،والملطى التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص١٦٨. وسيأتي برقم ٢٠٥،٢٦٤، ٢٩٥،٣٠٠.
[ ١ / ٥٦٩ ]
التعليق:
الآثار الواردة عن عمر في هذا المبحث تدور حول تكفير المعين ولعنه أو تكفير المعينين ولعنهم.
واللعن: الطرد والإبعاد، ولعنه كمنعه: طرده وأبعده فهو لعين وملعون١.
واللعن شرعا هو: الطرد، والإبعاد عن رحمة الله.
والتكفير والكفر ضد الإيمان. وكفر نعمة الله وبها كفورا وكفرانا. جحدها وسترها٢.
وأما الكفر شرعا فهو: جحود الإيمان وتغطيته وستره.
وأهل السنة والجماعة لا يخصون أحدا من المسلمين باللعن كما رأينا ذلك عن عمر بن عبد العزيز من خلال الآثار المتقدمة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن الفاسق المعين لا يلعن بخصوصه إما تحريما وإما تنزيها. فقد ثبت في صحيح البخاري عن عمر في قصة "حمار" الذي تكرر منه شرب الخمر وجلده لما لعنه بعض الصحابة قال النبي ﷺ: "لا تلعنوه
_________________
(١) ١ انظر القاموس المحيط ص١٥٨٨. ٢ انظر المصدر السابق ص٦٠٥.
[ ١ / ٥٧٠ ]
فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله" ١، وقال: "لعن المؤمن كقتله"٢، هذا مع أنه قد ثبت عنه ﷺ أنه لعن الخمر وشاربها، فقد لعن عموما شارب الخمر ونهى في الحديث الصحيح عن لعن هذا المعين٣.
ومثل هذا نصوص الوعيد عامة في أكل أموال اليتامى، والزاني، والسارق، فلا نشهد بها عامة على معين بأنه من أصحاب النار، لجواز تخلف المقتضى عن المقتضي لمعارض راجح، إما توبة وإما حسنات ماحية، وإما مصائب مكفرة، وإما شفاعة مقبولة، وإما غير ذلك كما قررناه في غير هذا الموضع٤.
هذا ويجوز لعن أهل الذنوب على العموم فروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده"٥، قال: الحافظ: قال ابن بطال: معناه لا ينبغي
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١٢/٧٥. برقم (٦٧٨٠) . ٢ رواه أحمد ٤/٣٣. ٣ قلت: ذكر الحافظ ابن حجر رأي من يرى لعن المعين وأيده. انظر البخاري مع الفتح ١٢/٧٦. ٤ الفتاوى ٤/٤٨٤، والمسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة ١/٤١٨. ٥ البخاري مع الفتح١٢/٨١، رقم (٦٧٨٣)، وصحيح مسلم بشرح النووي٤/٣٣٤ رقم (١٦٨٧) .
[ ١ / ٥٧١ ]
تعيين أهل المعاصي ومواجهتهم باللعن، وإنما ينبغي أن يلعن في الجملة من فعل ذلك ليكون ردعا لهم وزجرا عن انتهاك شيء منها ولا يكون لمعين لئلا يقنط١.
وقال النووي في قوله ﷺ: "لعن الله السارق" هذا دليل لجواز لعن غير المعين من العصاة لأنه لعن للجنس لا لمعين، ولعن الجنس جائز كما قال تعالى: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ٢، وأما المعين فلا يجوز لعنه. قال القاضي: وأجاز البعض لعن المعين ما لم يحد فإذا حد لم يجز لعنه، فإن الحدود كفارات لأهلها. قال القاضي: وهذا التأويل باطل للأحاديث الصحيحة في النهي عن اللعن، فيجب حمل النهي على المعين ليجمع بين الأحاديث ٣.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية مقررا أن اللعن المطلق لا يستلزم لعن المعين لعن المطلق من العصاة لا يستلزم لعن المعين الذي قام به ما يمنع لحوق اللعنة له، وكذلك التكفير المطلق والوعيد المطلق. ولهذا كان الوعيد المطلق في الكتاب والسنة مشروطا بثبوت شروط وانتفاء موانع، فلا يلحق
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١٢/٨١. ٢ الآية ١٨ من سورة هود. ٣ صحيح مسلم بشرح النووي ٦/٣٣٤.
[ ١ / ٥٧٢ ]
التائب من الذنب باتفاق المسلمين، ولا يلحق من له حسنات تمحو سيئاته، ولا يلحق المشفوع له والمغفور له فإن الذنوب تزول عقوبتها التي هي جهنم بأسباب التوبة والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة١.
هذا وأهل السنة والجماعة يفرقون بين التكفير المطلق والتكفير المعين فالذي أنكر شيئا معلوما من الدين بالضرورة فيقال: من قال كذا أو فعل كذا فهو كافر ولكن الشخص المعين الذي قاله أو فعله لا يحكم بكفره إطلاقا حتى تجتمع فيه الشروط وتنتفي عنه الموانع فعندئذ تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها٢ وهذا ما فعله عمر بن عبد العزيز ﵀ مع غيلان المنكر للقدر كما تقدم بيانه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وليس لأحد أن يكفر أحدا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة. ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة٣.
ثم يقول ﵀: إن التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وإن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وجدت الشروط
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى ١٠/٣٢٩-٣٣٠. ٢ انظر نواقض الإيمان القولية والعملية ص٥٢. ٣ الفتاوى ١٢/٤٦٦.
[ ١ / ٥٧٣ ]
وانتفت الموانع. يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات، لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه١.
فمنهج أهل السنة والجماعة وسط بين فرق الضلال في تكفير المعين ولعنه فلا يلعنون إلا من لعنه الله ورسوله كما رأينا رأي عمر بن عبد العزيز في لعن فرعون وفي لعن اليهود، والنصارى حين أرسل عن رسول الله ﷺ حديث لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد كما تقدم ذلك بينما يرى الخوارج وجوب لعن أصحاب الكبائر لأنهم عندهم كفار خالدون في النار.
فمذهب أهل السنة والجماعة واضح في مسألة لعن المعين وتكفيره فيلعن من لعنه الله ورسوله ويكفر من كفره الله ورسوله. وهناك فرق بين الكفر العملي والكفر الاعتقادي. فالكفر العملي كفر دون كفر يدل على ذلك قصة حاطب بن أبي بلتعة المشهورة فقد ارتكب محظورًا ولكنها كانت في العمل ولم يكن يعتقدها. فلم يكفره الله ولا رسوله ﷺ. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ٢. فنادى حاطبا باسم الإيمان كما أن الرسول ﷺ منع عمر بن الخطاب ﵁ من
_________________
(١) ١ الفتاوى ١٢/٤٨٧- ٤٨٨. ٢ الآية ١ من سورة الممتحنة.
[ ١ / ٥٧٤ ]
ضرب عنق حاطب ﵁. أما الكفر الاعتقادي المعبر عنه بالنفاق أحيانا فهو كفر مخرج عن الملة ولكننا لم نلزم بمعرفة البواطن فحكمنا ينصب على الظاهر والله تعالى يتولى السرائر.
[ ١ / ٥٧٥ ]