١٥٦/١- الدارمي قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم المصري أنبأ إبراهيم ابن إسماعيل بن أبي حبيبة الأنصاري قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض أمراء الأجناد: أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله وطاعته والتمسك بأمره والمعاهدة على ما حملك الله من دينه، واستحفظك من كتابه، فإن بتقوى الله نجا أولياؤه من سخطه، وبها تحقق لهم ولايته، وبها وافقوا١ أنبياءه، وبها نضرت وجوههم ونظروا إلى خالقهم٢.
١٥٧/٢- الدارمي أيضا قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد -يعني ابن سلمة- عن علي بن زيد بن جدعان، عن عمارة القرشي أنه كان عند عمر بن عبد العزيز فأتاه أبو بردة بن أبي موسى الأشعري ﵁
_________________
(١) ١ في الحلية وابن الجوزي، والملاء: "رافقوا" بدل وافقوا. ٢ الرد على الجهمية للدارمي ص١٠٣، والأثر أخرجه ابن الجوزي سيرة عمر ص١١٤، وأبو نعيم في الحلية ٥/٢٧٨، وأبو حفص الملاء ١/٢٥٤. وسعيد بن أبي مريم المصري هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الجمحي بالولاء أبو محمد المصري ثقة ثبت فقيه من العاشرة، ع تقريب ص٢٣٤، وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأنصاري الأشهلي مولاهم ضعيف. تقريب ص٨٧. وقد قلب هذا الاسم في الحلية بإسماعيل بن إبراهيم وهو خطأ وكذا عند ابن الجوزي وغيره.
[ ١ / ٤٧٩ ]
فقضى له حوائجه فلما خرج رجع فقال عمر أذكر الشيخ؟ فقال له عمر: ما ردك؟ ألم تقض حوائجك؟ قال: بلى، ولكن ذكرت حديثا حدثناه أبو موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: "يجمع الله الأمم يوم القيامة في صعيد واحد، فإذا بدا له أن يصدع بين خلقه، مثل لكل قوم ما كانوا يعبدون فيدرجونهم حتى يقحموهم النار ثم يأتي ربنا ونحن في مكان رفيع فيقول: من أنتم؟ فنقول نحن المؤمنون فيقول: ما تنتظرون؟ فنقول: ننتظر ربنا فيقول من أين تعلمون أنه ربكم؟ فيقولون: حدثتنا الرسل أو ما أشبه معناه فيقول: هل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: نعم، إنه لا عدل له فيتجلى١ لنا ضاحكا، ثم يقول ﵎: أبشروا معشر المسلمين فإنه ليس منكم أحد إلا قد جعلت مكانه في النار يهوديا أو نصرانيا" فقال عمر لأبي بردة: والله لقد سمعت أبا موسى يحدث بهذا الحديث عن رسول الله ﷺ قال: نعم٢ زاد في ابن الجوزي فقال عمر: ما سمعت في أهل التوحيد حديثا هو أحب إلي من هذا الحديث٣.
_________________
(١) ١ عند ابن الجوزي فيكشف لهم الحجاب فينظرون إلى الله ﵎ ص٣٣ سيرة عمر. ٢ الرد على الجهمية للدارمي ص ٩٢ ٣ الرد على الجهمية للدارمي ص٩٢، وابن الجوزي سيرة عمر ص٣٣، وقال محقق كتاب الرد على الجهمية أخرجه أحمد ٤/٤٠٧- ٤٠٨، والآجري ص٢٦٣، وابن خزيمة ص٢٣٦، مختصرا وإسناده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان وعمارة القرشي نقل الذهبي في الميزان ٣/١٧٨، تضعيفه عن الأزدي وذكر له هذا الحديث من مناكيره وقوله في الحديث: "بدا له" منكر كما ذكر الشيخ الألباني في تعليقه على هذا الحديث في الصحيحة ٢/٣٩٥، ولكن الحديث صحيح دون الشطر المذكور فإن له شاهدا من حديث جابر أخرجه احمد ٣/٣٨٣- ٣٨٤، ومسلم ١/١٧٧- ١٧٨ وأما قوله: "فإنه ليس منكم إلا وقد جعلت مكانه في النار يهوديا أو نصرانيا" فبمعناه رواه أحمد ٤/٣٩١- ٤٠٢، ومسلم ٤/٢١١٩، من طرق عن أبي بردة عن أبي موسى مرفوعا. انظر تعليق بدر البدر على كتاب الرد على الجهمية للدارمي ص٩٢- ٩٣ الحاشية.
[ ١ / ٤٨٠ ]
التعليق:
يظهر مما سبق في هذا المبحث إيمان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى برؤية المؤمنين ربهم في الجنة، وهذه القضية من القضايا التي بحثت من قبل السلف ومن قبل المخالفين لهم من الخلف، وألفت في ذلك المؤلفات الكثيرة، ولا شك أن رؤية الله تعالى في الجنة نعمة من أعظم النعم بعد نعمة التوفيق والهداية. قال تعالى في وصف المؤمنين في ذلك اليوم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ١، وقال جل شأنه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى
_________________
(١) ١ الآية ٢٢-٢٣ من سورة القيامة.
[ ١ / ٤٨١ ]
ةٌ﴾ ١، وعن صهيب قال: قيل لرسول الله ﷺ هذه الآية ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النارِ النارَ ينادي مناد ياأهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فقالوا: ألم تبيض وجوهنا وتثقل موازيننا وتجرنا من النار. قال: فيكشف الحجاب فينظروا إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﷿"٢.
وقال ﷾ مبينا عن مصير الكفرة في ذلك اليوم العسير عليهم: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٣، روي عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أن الله لما حجب الكفرة عن رؤيته دل على أن المؤمنين يرونه٤، وقد ثبت في السنة الصحيحة رؤية الله تعالى في يوم القيامة، فعن جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ نظر إلى القمر ليلة البدر قال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته " فهذا بيان بليغ وتأكيد عجيب أكده بأن وبالفعل
_________________
(١) ١ الآية ٢٦ من سورة يونس. ٢ مسلم بشرح النووي ١/٣٩٣، برقم (٢٩٧) . ٣ سورة التطفيف الآية ١٥. ٤ انظر شرح العقيدة الطحاوية ١/٢١٢ ورواه البيهقي في مناقب الشافعي ١/٤١٩.
[ ١ / ٤٨٢ ]
وَزِيَادَ المضارع المسبوق بالسين وبقوله: "كما ترون هذا القمر" مع إشارته إليه فليس بعد هذا البيان بيان، ولا مزيد على هذه التأكيدات، فمن حاول تأويل رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة بعد ما سمع هذا البيان من رسول الله ﷺ فهو يجادل بالباطل ليدحض به الحق١.
وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ قال: "أما إنكم ستعرضون على ربكم فترونه " ٢،. ولهذه الأدلة القوية أجمع الأمة على الإيمان برؤية الله تعالى في الجنة، واختلفوا في رؤية النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء. وأنكرت بعض الفرق الضالة رؤية المؤمنين ربهم في الجنة. وفي مقدمتها الجهمية والمعتزلة، والخوارج، والإمامية، وأولت النصوص الدالة على الرؤية وتكلفت في التأويل.
قال الزمخشري في تفسيره قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: أي أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم، كما كانوا في الدنيا لا يخشون ولا يرجون إلا إياه٣.
_________________
(١) ١ انظر شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للشيخ عبد الله الغنيمان ٢/١١-١٢، والحديث أخرجه البخاري ١٣/٤١٩، برقم (٧٤٣٤) . ٢ انظر صحيح مسلم بشرح النووي ٥/١٣٤، وانظر كذلك ١/٣٩٣- ٣٩٤، برقم (٢٩٩) . ٣ الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري ٤/ ١٦٥. ط دار المعرفة لبنان بيروت.
[ ١ / ٤٨٣ ]
ففسر الرؤية بالانتظار والتوقع، وهذا لا يسلم له، لأن النظر إذا تعدى بنفسه فمعناه التوقع، والانتظار، كقوله تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ ١، وإن عدِّي بفي فمعناه: التفكر والاعتبار قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٢، وإن عدي بإلى فمعناه: المعاينة بالأبصار كقوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ ﴾ ٣، فلا دليل له فيما ذهب إليه ٤.
هذا وقد أثبت الأشاعرة رؤية الله تعالى في الجنة لكنهم أنكروا لازمها حيث قالوا: إنه يُرى لا في جهة، وزعموا أن الرؤية قوة يجعلها الله في خلقه لا يشترط فيها مقابلة المرئي ولا كونه في جهة وحَيز ولا غير ذلك٥.
_________________
(١) ١ الآية ١٣ من سورة الحديد. ٢ الآية ١٨٥ من سورة الأعراف. ٣ الآية ٩٩ من سورة الأنعام. ٤ انظر: شرح كتاب التوحيد ص ١٦٣، وانظر الجنة والنار للأشقر، وشرح الطحاوية ص٢٠٣. ٥ انظر شرح جوهرة التوحيد للقّاني المسماة تحفة المريد للبيجوري ص١١٥، ط دار الكتب العلمية بيرون لبنان ١٤١٤هـ.
[ ١ / ٤٨٤ ]
إذا ثمت خلاف بين السلف والأشاعرة فالسلف الصالح حين أثبتوا الرؤية أثبتوا جهة العلو لله تعالى أيضا لأنها لازمة لها، والأشاعرة نفوها وذلك نفي للرؤية نفسها، لأن نفي اللازم نفي للملزوم. لذلك كانت المعتزلة أكثر منطقية مع أنفسهم حين ذهبوا إلى نفي الأمرين فرارا من الوقوع في التناقض الذي وقع فيه الأشاعرة كما سبق١.
_________________
(١) ١ انظر البيهقي وموقفه من الإلهيات ص٣١٦ لشيخنا الأستاذ الدكتور أحمد بن عطية الغامدي.
[ ١ / ٤٨٥ ]