٢٢٩/١- أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا حبيب بن الحسن، ثنا جعفر ابن محمد الفريابي، حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا عرعرة بن البرنْد، عن حاجب بن خليف البرجمي، قال: شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب الناس وهو خليفة فقال في خطبته: ألا إن ما سن رسول الله ﷺ وصاحباه فهو دين نأخذ به وننتهي إليه، وما سن سواهما فإنا نرجئه١.
٢٣٠/٢- ابن عبد الحكم قال: وذكر أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب: من عمر بن عبد العزيز إلى سالم بن عبد الله أما بعد: فقد ابتليت بما ابتليت به من أمر هذه الأمة من غير مشاورة مني، ولا إرادة يعلم الله ذلك، فإذا أتاك كتابي هذا، فاكتب إلي بسيرة عمر بن الخطاب في أهل القبلة وأهل العهد، فإني سائر بسيرته، إن أعانني الله على ذلك والسلام٢.
_________________
(١) ١ أبو نعيم في الحلية ٥/٢٩٨، وابن رجب في جامع العلوم والحكم ص٢٨٨، وقد تقدم الأثر مع ترجمة لرجال سنده برقم ١١١. ٢ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص١٠٧، وأبو نعيم في الحلية ٥/ ص٢٨٤، وابن الجوزي سيرة عمر ص١٠٨، والآجري أخبار أبي حفص ص٧٠-٧١، وأبو حفص الملاَّء ١/٣٩٥- ٣٩٦ مع بعض الاختلاف في الألفاظ.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
٢٣١/٣- عبد الرزاق قال: عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار، عن عون بن عبد الله، قال: قال لي عمر بن عبد العزيز أعدلان عندك عمر وابن عمر؟ قال: قلت نعم. قال: إنهما لم يكونا يكبران هذا التكبير١.
٢٣٢/٤- أبو زرعة الدمشقي قال: حدثني آدم حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، قال: قال رجل لعمر بن عبد العزيز: طلقت امرأتي وأنا سكران، قال الزهري، فكان رأي عمر بن عبد العزيز أن يجلده ويفرق بينه وبين امرأته حتى حدثه أبان بن عثمان (عن أبيه): ليس على المجنون ولا السكران طلاق، فقال عمر: تأمروني وهذا يحدثني عن عثمان بن عفان؟ فجلده وردَّ إليه امرأته٢.
٢٣٣/٥- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها اعتصام بكتاب الله، وقوة
_________________
(١) ١ عبد الرزاق في المصنف ٢/٦٦. ٢ أبو زرعة في التاريخ ١/٥٠٩، وانظر ابن أبي شيبة في المصنف ٤/٣١، والبخاري مع الفتح ٩/٣٩١، وآدم هو آدم بن أبي إياس: عبد الرحمن العسقلاني ثقة عابد مات سنة ٢١هـ تقريب ص٨٦. وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة الحارث بن أبي ذئب القرشي العامري، ثقة فاضل مات سنة ٥٨هـ. تقريب ص٤٩٣. والزهري هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري القرشي أبو بكر الفقيه الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه مات سنة ٢٥هـ. تقريب ص٥٠٦.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر في أمر خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها، واتبع غير سبيل المؤمنين، ولاه الله ما تولىّ وأصلاه جهنم وساءت مصيرا١.
التعليق:
إن الآثار الواردة عن عمر في هذا المبحث تبين اعتصامه ﵀ بسنة الخلفاء الراشدين وقد أمرنا رسول الله ﷺ بالتمسك بسنته وبسنتهم عند حدوث الاختلاف فقال: "اتقوا الله وعليكم بالسمع والطاعة، وإن عبدا حبشيا، وإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" ٢.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٤٠ وقد تقدم تخريجه برقم ١١٥. ٢ الحديث أخرجه الترمذي ٥/٤٤، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجة في المقدمة ١/١٥-١٦، والدارمي ١/٤٤-٤٥، وابن أبي عاصم في السنة ص٢٩، ومعه ظلال الجنة في تخريج السنة للألباني ط المكتب الإسلامي الطبعة الثالثة عام ١٤١٣هـ وصححه الألباني وقال: إسناده صحيح رجاله ثقات.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
وفي مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي، عن حذيفة ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ جلوسا فقال: "إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر "١.
هذا وقد اختلف العلماء في اجتماع الخلفاء الأربعة هل هو إجماع أو حجة مع مخالفة غيرهم من الصحابة أم لا؟ فيه روايتان عن الإمام أحمد٢، وهذا فيما يتعلق بالأحكام.
أما العقائد فيتضح من الآثار السابقة عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أنه يرى وجوب الأخذ بسنة الخلفاء الراشدين ويحرم الخروج عما أجمعوا عليه، ولا ريب أنه يقصد بسنتهم ما يتعلق بالاعتقاد لأنه أصل الدين، "ولأن الصحابة قد تنازعوا في كثير من مسائل الأحكام، وهم سادات المؤمنين وأكمل الأمة إيمانا، ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة كلمة واحدة، من أولهم إلى آخرهم، لم يسوموا
_________________
(١) ١ سنن الترمذي ٥/٦١٠، ومسند أحمد ٥/٣٨٥، وانظر جامع العلوم والحكم ص٢٨٧، وابن ماجة في المقدمة ١/٣٧، وصحح الحديث الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ٣/٢٠٠. ٢ انظر ابن القيم إعلام الموقعين ٤/١١٨- ١٥٦ فقد فصّل في هذه المسألة بما فيه الكفاية. وانظر جامع العلوم والحكم لابن رجب ص٢٨٧.
[ ٢ / ٦٣٥ ]
أدلتها تأويلا، ولم يحرفوها عن مواضعها تبديلا، ولم يبدوا لشيء منها إبطالا، ولا ضربوا لها أمثالا، ولم يدفعوا في صدورها وأعجازها، ولم يقل أحد منهم يجب صرفها عن حقائقها وحملها على مجازها، بل تلقوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، وجعلوا الأمر فيها كلها أمرا واحدا، وأجروها على سنن واحد، لم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع حيث جعلوها عضين، وأقروا ببعضها وأنكروا بعضها من غير فرقان مبين، مع أن اللازم لهم فيما أنكروه كاللازم فيما أقروا به وأثبتوه"١. ولذا يرى عمر إجماعهم حجة وهو الحق، فهم الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة.
أما ما يتعلق بالأحكام فيظهر مما أثر عن عمر أنه كان يعتصم بسنتهم كذلك، ويرجع إلى أقوالهم عند النزاع، وهذا ما دل عليه الحديث الشريف: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي " فعض عمر على سننهم بالنواجذ، وأخذ بها في الحكم على أهل القبلة وأهل العهد، كما أخذ بها في العبادات، والمعاملات، وقد أولى الخليفة الأول والثاني أبابكر وعمر جل اهتمامه، وعدَّ الأخذ بسنتهم أخذًا بسنة الرسول ﷺ كما أخذ بسنة الخليفة الثالث فور سماعه وطبَّق تلك السنة، واعتصم بسنة الخليفة الرابع في معاملة الخوارج حيث ناظرهم وكتب إليهم فلما
_________________
(١) ١ انظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم ١/٤٩.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
تمادوا حاربهم، وقضى على أموالهم وذراريهم وأسراهم بقضاء الخليفة الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه١، بل يرى عمر أن من خرج عن سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين ﵃ فهو خارج عن سبيل المؤمنين، وهو من الفرقة الهالكة، وكل ما سنه الخلفاء الراشدون فإنه من سنته ﷺ لأنهم إنما سنوه بأمره ولا يكون في الدين واجبا إلا ما أوجبه ولا حراما إلا ما حرمه ولا مستحبا إلا ما استحبه ولا مكروها إلا ما كرهه ولا مباحا إلا ما أباحه٢.
واتباع سنة الخلفاء الراشدين في العقائد والأحكام هو ما عليه السلف الصالح وهو الذي دل عليه الكتاب والسنة قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ انظر معاملته مع الخوارج في طبقات ابن سعد ٥/٣٥٧- ٣٥٨. ٢ انظر مجموع الفتاوى ١/٢٨٢. ٣ الآية ١١٥ من سورة النساء.
[ ٢ / ٦٣٧ ]