٢٠٣/١- ابن سعد قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس، قال: حدثني أبي، عن سهيل بن أبي صالح، أن عمر بن عبد العزيز قال: لا يقتل أحد في سب أحد إلا في سب نبي١.
٢٠٤/٢- ابن سعد قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا عبد الله ابن أبى عبيدة عن ربيعة بن عطاء عن عمر بن عبد العزيز قال: يستتاب المرتد ثلاثة أيام فإ ن تاب وإلا ضربت عنقه٢.
٢٠٥/٣- عبد الله بن الإمام أحمد قال: حدثني أبي، نا مؤمل، نا حماد يعني ابن سلمة حدثنا أبو جعفر الخطمي قال: شهدت عمر بن عبد العزيز وقد دعا غيلان لشيء بلغه في القدر فقال له: ويحك يا غيلان ما هذا
_________________
(١) ١ ابن سعد في الطبقات ٥/٣٧٩، وانظر: ابن عبد الحكم سيرة عمر ١٤٦وابن عساكر٤٥ /٢٠٧ وإسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس صدوق. انظر تقريب التهذيب ص١٠٨. وأبوه هو عبد الله بن عبد الله بن أبي أويس، أبو أويس المدني صدوق يهم. انظر تقريب التهذيب ص٣٠٩. وسهيل بن أبي صالح: ذكوان السمان أبو يزيد المدني صدوق تغير حفظه بآخرة. تقريب ص٢٥٩. ٢ ابن سعد في الطبقات ٥/٣٥١.
[ ١ / ٥٨٢ ]
الذي بلغني عنك؟ قال يكذب علي يا أمير المؤمنين ويقال علي ما لم أقل. قال: ما تقول في العلم؟ قال: قد نفد العلم. قال: فأنت مخصوم، اذهب الآن فقل ما شئت ويحك يا غيلان إنك إن أقررت بالعلم خصمت، وإن جحدته كفرت، وإنك إن تقربه فتخصم خير لك من أن تجحده فتكفر "١.
٢٠٦/٤-الملطى قال: وقال حسان بن فروخ سألني عمر بن عبد العزيز عما تقول الأزارقة٢، فأخبرته فقال: ما يقولون في الرجم؟ فقلت يكفرون به. فقال: الله أكبر كفروا بالله وبرسوله٣.
التعليق:
تدل الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في هذا المبحث على أربعة نواقض من نواقض الإيمان، وهي: إنكار صفة من صفات الله ﵎ المعلومة من الدين بالضرورة كصفة العلم، أو سب نبي من أنبيائه، أو إنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة، أو الردة.
وقبل بيان وجه
_________________
(١) ١ عبد الله بن الإمام أحمد في السنة ٢/٤٢٩، واللالكائي شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢/٧٨٩، وسيأتي برقم ٢٩٤، ٣١٨. ٢ الأزارقة: أتباع نافع بن الأزرق الخارجي. ٣ الملطى: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص١٩٦، وسيأتي رقم ٢٠٦.
[ ١ / ٥٨٣ ]
الاستدلال بهذه الآثار على هذه النواقض ينبغي تعريف النقض لغة واصطلاحا:
فالنقض: هو إفساد ما أبرمت من عقد أو بناء فهو بمعنى نكث الشيء أو انتشار العقد. والنقض ضد الإبرام، ونقيضك الذي يخالفك.١.
واصطلاحا: أنها اعتقادات، أو أقوال أو أفعال تزيل الإيمان وتقطعه. فهي تقطع الإيمان وتنقضه بينما سائر المعاصي تنقص الإيمان" ٢.
ووجه كون إنكار صفة العلم لله تعالى ناقضا من نواقض الإيمان فلأن ذلك يعد تكذيبا بالوحيين. قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: يجب إكفار القدرية في نفيهم كون الشر من خلق الله. وفي دعواهم أن كل فاعل خالق فعل نفسه٤، ولا شك أن نفي العلم عن الله ﵎ والادعاء بأن الله لا يعلم أفعال العباد إلا بعد صدورها عنهم وقاحة وجرأة وكيف يعجز عن العلم من علم بالقلم،
_________________
(١) ١ القاموس المحيط ص ٨٤٦ ومعجم مقاييس اللغة ٥ / ٤٧٠-٤٧١. ٢ نواقض الإيمان القولية والعملية ص٤٨- ٤٩٤. ٣ الآية ٢٢-٢٣ من سورة فصلت. ٤ الفتاوى ٦/٣١٨- ٣١٩.
[ ١ / ٥٨٤ ]
وعلم الإنسان ما لم يعلم، كلا ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ١ وعلى زعمهم هذا فما فضل ﴿عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ ٢، الذي ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ ٣، على المخلوق الذي لا يعلم شيئا إلا ما علمه الله٤.
ومن نواقض الإيمان المأثورة عن عمر بن عبد العزيز سب النبي ﷺ أو سب الأنبياء ﵇ ولا يخفى أن من آذى رسول الله ﷺ فقد آذى الله تعالى. ولا يصدر السب لنبي من أنبياء الله تعالى من مؤمن. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرا سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلا له أو كان ذاهلا عن اعتقاده هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل٥.
والدليل على أن من سب رسول الله ﷺ أو غيره من الأنبياء يعد كفرا أو ناقضا من نواقض الإيمان اعتبارات منها:
_________________
(١) ١ الآية ١٤ من سورة الملك. ٢ الآية ١٠٩ المائدة. ٣ الآية ٧ طه. ٤ انظر الرد على الجهمية للدارمي ص١١٨. ٥ الصارم المسلول ص٥١٢.
[ ١ / ٥٨٥ ]
أ- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ١.
ووجه الدلالة من الآية أن الله تعالى قرن أذاه بأذى رسوله ﷺ فمن آذاه فقد آذى الله تعالى، ومن آذى الله قد احتمل بهتانا وإثما عظيما. وجعل على ذلك اللعنة في الدنيا والآخرة، وأعد له العذاب المهين.
ب - قوله ﵊ من آذى أصحا بي فقد آذاني٢.
ج - أمره ﷺ يوم فتح مكة بقتل ابن خطل فحين أخبر بتعلقه بأستار الكعبة قال: "اقتلوه "٣.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الحديث: "وهذا مما استفاض نقله بين أهل العلم واتفقوا عليه أن رسول الله ﷺ أهدر دم ابن خطل يوم الفتح فيمن أهدر دمه وأنه قتل٤.
_________________
(١) ١ الآيتان ٥٧-٥٨ من سورة الأحزاب. ٢ الترمذى ٥ / ٣٥٨ رقم ٣٩٥٤ وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. ٣ البخاري مع الفتح ٨/١٥، رقم (٤٢٨٦) . وانظر الصارم المسلول ص٤٤. ٤ الصارم المسلول ص١٣٥.
[ ١ / ٥٨٦ ]
فإذا كان حكم من سب نبينا ﷺ القتل فكذلك حكم من سب غيره من الأنبياء لأن الإيمان به إيمان بجميع الأنبياء والرسل، والكفر به كفر بجميعهم. قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِه﴾ ١، وقال ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ ٢، فقد دلت الآيات على أن الكفر بنبي من الأنبياء كفر بجميعهم. وكذلك غيره مما ينزل منزلته كالاستهزاء والسب، والشتم يعتبر ناقضا من نواقض الإيمان، ويعطى حكم أصله الذي هو الكفر. وهذا ما بينه عمر بن عبد العزيز بقوله:" إنه لا يقتل أحد بسب أحد إلا في سب نبي".
ولا شك أن إنكار حكم معلوم من الدين بالضرورة ناقض من نواقض الإيمان. وهذا ما أثر عن عمر رحمه الله تعالى في الخوارج الذين أنكروا الرجم كما سبق. وقد خاف عمر بن الخطاب ﵁ من إنكار الرجم من
_________________
(١) ١ البقرة آية ٢٨٥. ٢ الآيتان ١٥٠- ١٥١ من سورة النساء.
[ ١ / ٥٨٧ ]
قبل وبين أنه ضلال، وأن الرجم فريضة أنزلها الله فرجم رسول الله ﷺ ورجم أصحابه فروى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: قال عمر لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينة، أو كان الحمل أو الاعتراف. قال سفيان: كذا حفظت، ألا وقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده١. قال الحافظ ابن حجر: وقد وقع ما خشيه عمر فأنكر الرجم طائفة من الخوارج أو معظمهم وبعض المعتزلة. ويحتمل أن يكون عمر قد استند في خوفه من هذا الإنكار إلى توقيف فروى عبد الرزاق عن ابن عباس أن عمر قال: سيجيء قوم يكذبون بالرجم٢، وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد، عن سعيد ابن المسيب، عن عمر: "إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم إن يقول قائل لا أجد حدين في كتاب الله فقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا " ٣، وفي الحديث إشارة إلى أن عمر استحضر أن أناسا قالوا ذلك فرد عليهم٤.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح ١٢/١٣٧. ٢ المصنف لعبد الرزاق ٧/٣٣٠. ٣ الموطأ ومعه تنوير الحوالك شرح موطأ مالك ٣/ ٤٢. ٤ انظر البخاري مع الفتح ١٢/١٤٨. وصحيح مسلم بشرح النووي ٤/٣٣٧.
[ ١ / ٥٨٨ ]
والمقصود أن الرجم ثابت في كتاب الله تعالى بالآية المنسوخة قراءة الثابتة حكما١، وإنكار الرجم مع العلم بثبوته ناقض من نواقض الإيمان لأنه إنكار ما علم من الدين بالضرورة. ومن المعلوم أن الإيمان قائم على تصديق حكم الله تعالى وحكم رسوله ﷺ ومن أهم هذه الأحكام أحكام الحدود، كالرجم، وغيره. فقد رجم رسول الله ﷺ ماعزا والغامدية وغيرهما. ورجم الصحابة رضوان الله عليهم فإنكار الخوارج هذا الحكم القطعي دليل على مروقهم من الدين واعتمادهم على عقولهم في التعامل مع نصوصه الصحيحة الصريحة أعاذنا الله من الحور بعد الكور وثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
ومن نواقض الإيمان الردة وقد بين عمر أن من ثبت عنه هذا الناقض فإنه يستتاب ثلاثة أيام فإن تاب وإلا قتل، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ وهي "والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة". وقيل قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ الثيب بالثيب الرجم". ٢ الآية ٢١٧ من سورة البقرة.
[ ١ / ٥٨٩ ]
ومن السنة قوله ﷺ: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" وفيه: "والتارك لدينه المفارق للجماعة"١
قال النووي: فأما قوله: "والتارك لدينه المفارق للجماعة" فهو عام في كل مرتد عن الإسلام بأي ردة كانت، فيجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام ٢.
هذا وكون المرتد يستتاب ثلاثة أيام هو قول أكثر أهل العلم٣.
_________________
(١) ١ الحديث متفق عليه البخاري مع الفتح ١٢ /٢٠١ رقم٦٨٧٨ ومسلم٤/٣١٦رقم١٦٧٦ ٢ شرح النووي على صحيح مسلم٤ /٣١٨. ٣ انظر المغنى لابن قدامة ج١٢ /٢٦٤ -٢٦٦.
[ ١ / ٥٩٠ ]