١٤٩/١- أبي الدنيا قال: حدثني محمد قال: حدثني يوسف بن الحكم قال: حدثني عبد السلام مولى مسلمة بن عبد الملك قال: بكى عمر بن عبد العزيز، فبكت فاطمة، فبكى أهل الدار، لا يدري هؤلاء ما أبكى هؤلاء. فلما تجلى عنهم العبر قالت فاطمة بأبي أنت يا أمير المؤمنين مم بكيت؟ قال: ذكرت يا فاطمة منصرف القوم من بين يدي الله: فريق في الجنة وفريق في السعير، ثم صرخ وغشي عليه١.
١٥٠/٢- أبي الدنيا حدثني محمد قال: حدثني الحميدي عن سفيان قال: كان عمر بن عبد العزيز يوما ساكتا وأصحابه يتحدثون فقالوا له:
_________________
(١) ١ ابن أبي الدنيا الرقة والبكاء ص٧٦، وأبو نعيم في الحلية ٥/٢٦٩، وابن الجوزي سيرة عمر ص٢١٣- ٢١٤، وأبو حفص الملاء ١/٣٠٢٣ باختلاف ألفاظ، وأخرجه ابن رجب في التخويف من النار ص٣٤، ط. دار الكتب العلمية الأولى ١٤٠٥هـ. ومحمد بن الحسين البرجلاني روى عن ابن أبي الدنيا وغيره مدحه الإمام أحمد. انظر الجرح والتعديل ٧/٢٢٩، ويوسف بن الحكم وفي الحلية يونس ابن الحكم الإثنين لم أجدهما وكذلك عبد السلام مولى مسلمة.
[ ١ / ٤٧١ ]
مالك لا تتكلم يا أمير المؤمنين؟ قال: كنت مفكرا في أهل الجنة كيف يتزاورون فيها وفي أهل النار كيف يصطرخون فيها ثم بكى١.
١٥١/٣- وقال أيضا حدثني محمد، قال: حدثنا يونس بن يحيى أبو نباتة، قال: حدثنا ابن أبي ذيب قال: حدثني من شهد عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة وقرأ عنده رجل: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ ٢، فبكى حتى غلبه البكاء وعلا نشيجه فقام من مجلسه فدخل بيته وتفرق الناس٣.
_________________
(١) ١ ابن أبي الدنيا الرقة والبكاء ص٨٢، وابن الجوزي سيرة عمر ص١٥٤، وأبو حفص الملاء ١/٣٣٥. والحميدي هو عبد الله بن الزبير الحميدي شيخ البخاري ثقة. تقريب ص٣٠٣. وسفيان هو ابن عيينة ولم يلق عمر بن عبد العزيز. ٢ الآية ١٣ من سورة الفرقان. ٣ ابن أبى الدنيا الرقة والبكاء ٩٥- ٩٦، وابن الجوزي سيرة عمر ص١٥٦- ١٥٧، وأبو حفص الملاء ١/٣٢٨- ٣٢٩. ويونس بن يحيى بن نبانة القرشي الأموي أبو نبانة من الثقات تهذيب الكمال ٣٢/٥٤٩- ٥٥١، وابن أبي ذيب هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة العامري ثقة. تهذيب الكمال ٢٥/٦٣٠- ٦٤٤.
[ ١ / ٤٧٢ ]
١٥٢/٤- ابن أبي الدنيا قال: حدثنا أبو عبد الله الأزدي عن الحسن ابن محمد الخزاعي عن رجل من ولد عثمان بن عفان ﵄: أن عمر بن عبد العزيز قال في بعض خطبه أما تعلمون أنه ليس بين الجنة والنار منزلة وأنتم صائرون إلى أحدهما١.
١٥٣/٥- ابن الجوزي قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى بعض الأجناد واعلم أنه ليس يضر عبدا صار إلى رضوان الله وإلى الجنة ما أصابه في الدنيا من فقر وبلاء، وأنه لن ينفع عبدا صار إلى سخط الله وإلى النار ما أصاب في الدنيا من نعمة أو رخاء. وما يجد أهل الجنة من مكروه أصابهم في دنياهم، وما يجد أهل النار طعم لذة نعموا بها في دنياهم كل شيء من ذلك كأن لم يكن٢.
١٥٤/٦- ابن عبد الحكم قال: وقرأ عمر بن عبد العزيز بالعشاء ذات ليلة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ٣، فلما بلغ ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ ٤، خنقته
_________________
(١) ١ ابن أبى الدنيا قصر الأمل ص٥٠- ٥١، وابن الجوزي سيرة عمر ص٢٤٤، وأبو نعيم في الحلية ٥/٢٩١، وأبو حفص الملاء ٢/٤٤٥. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص٢٥٠- ٢٥١، وأبونعيم فى الحلية ٥/ ٢٧٨- ٢٧٩، وأبو حفص الملاء ١/٢٠٣- ٢٠٤. ٣ الآية ١ من سورة الليل. ٤ الآية ١٤ من سورة الليل.
[ ١ / ٤٧٣ ]
العبرة فلم يستطع أن ينفذها فرجع حتى إذا بلغها خنقته العبرة فلم يستطع أن ينفذها فتركها وقرأ سورة غيرها١.
١٥٥/٧- ابن الجوزي قال: حدثنا الفضل بن الربيع قال: سمعت فضيل بن عياض يقول: بلغني أن عاملا لعمربن عبد العزيز شكا إليه فكتب إليه عمر: ياأخي اذكر طول سهر أهل النار مع خلود الأبد وإياك أن ينصرف بك من عند الله فيكون آخر العهد وانقطاع الرجاء، فلما قرأ الكتاب، طوى البلاد حتى قدم على عمر فقال له ما أقدمك؟ قال: خلعت قلبي بكتابك. لا أعود إلى ولاية أبدا حتى ألقى الله تعالى٢.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٤٧، وأبو حفص الملاء ١/٣٣٩. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص١٢٤- ١٢٥، وأبو حفص الملاء ص٢٥٩- ٢٦٠.وابن كثير البداية والنهاية/ ٥ /٢٣٢. والفضل بن الربيع روى عن ابن جريج، قال الذهبي: قال العقيلي: لا يتابع على حديثه. انظر ميزان الاعتدال ٣/٣٥١، وفضيل بن عياض الزاهد شيخ الحرم وأحد الأثبات مجمع على ثقته وجلالته. قال الذهبي: ولا عبرة بما رواه احمد بن أبي خيثمة. قال: سمعت قطبة بن العلاء يقول: تركت حديث فضيل بن عياض لأنه روى أحاديث رمي فيها على عثمان ﵁ فمن قطبة وما قطبة حتى يجرح وهو هالك. مات الفضيل سنة سبع وثمانين ومائة هـ. ميزان الاعتدال ٣/٣٦١.
[ ١ / ٤٧٤ ]
التعليق:
يتضح مما سبق من الآثار تقرير عمر بن عبد العزيز بالجنة والنار وإيمانه بوجودهما الآن، ودوامهما، وإثباته نعيم الجنة وعذاب النار. وهذا ما دل عليه الكتاب والسنة، وقال به السلف الصالح، ولا شك أن الإيمان باليوم الآخر، بل المقصد من الطاعات كلها هو الوصول إلى رضى الله تعالى ودخول الجنة والنجاة من سخطه ومن النار.
"والنار هي الدار التي أعدها الله للكافرين به، المتمردين على شرعه، المكذبين لرسله، وهي عذابه الذي يعذب فيه أعداءه، وسجنه الذي يسجن فيه المجرمين"١.
وأما الجنة فهي الجزاء العظيم، والثواب الجزيل، الذي أعده الله لأوليائه وأهل طاعته، وهي نعيم كامل لا يشوبه نقص ولا يعكر صفوه كدر، وما حدثنا الله به عنها، وما أخبرنا به الرسول ﷺ يحير العقل ويذهله، لأن تصور عظمة ذلك النعيم يعجز العقل عن إدراكه واستيعابه٢.
وقد خلق الله الجنة والنار وجعل الجنة دار الأبرار والنار دار الفجار قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ انظر: الجنة والنار للأشقر ص١١. ٢ انظر: المصدر السابق ص١١٧. ٣ الآية ١٣-١٤ من سورة الانفطار.
[ ١ / ٤٧٥ ]
والإيمان بهما من أصول الإيمان التي اتفق المسلمون على الإيمان بها، لدلالة القرآن والسنة المطهرة على ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ٢
ومذهب أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ومستندهم النصوص الصحيحة الدالة على ذلك. قال تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٣، ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ ٤. وقال عن النار ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ٥،وقال: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾ ٦.
وفي الصحيح من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن
_________________
(١) ١ الآية ٧٥- ٧٦ من سورة طه. ٢ الآية ١٩٢ من سورة آل عمران. ٣ آل عمران الآية ١٣٣. ٤ الحديد الآية ٢١. ٥ آل عمران الآية ١٣١. ٦ النبأ الآية ٢١-٢٢.
[ ١ / ٤٧٦ ]
كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة"١.
وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "وأيم الذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا وبكيتم كثيرا، قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار"٢.
وقد اتفق أهل الملة الإسلامية على أن لا فناء للنار لا لعذابها ولا للجنة ولا لنعيمها إلا الجهم بن صفوان٣، فإنه قال بفنائهما، لأنهما حادثان، وقد استدل أهل السنة والجماعة على خلود النار بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ ٤، وغيرها من الآيات التي فيها تأكيد الخلود بالأبدية، وكذلك الأحاديث، ومنها الحديث الذي في صحيح مسلم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: "يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت. قال: ويقال: ياأهل
_________________
(١) ١ مسلم بشرح النووي ٦/٣٢٣، برقم (٢٨٦٦) . ٢ رواه مسلم برقم (٤٢٦)، ٢/١١٣. ٣ انظر مراتب الإجماع لابن حزم ١٧٣، وهذا الأدلة خارجة عن كون الموحدين لا يخلدون في النار. ٤ الآية ٧٤ من سورة الزخرف.
[ ١ / ٤٧٧ ]
النار هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم هذا الموت. قال: فيؤمر به فيذبح قال: ثم قال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت". قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١"٢.
ويكون هذا بعد خروج الموحدين من النار.
وذهب المعتزلة والخوارج إلى أن من دخل في النار لا يخرج منها، لكونهم يرون أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، وهم محجوجون بأحاديث الشفاعة الصحيحة وغيرها.
ويتضح مما سبق أن عمر بن عبد العزيز ﵀ قد بين ما يتعلق بوجود الجنة والنار ودوامهما وهو ما بينه السلف، كما دلت عليه النصوص الثابتة في كتاب الله وفي سنة نبيه ﷺ وأن من خالف هذا المفهوم فإنما هو متبع لهواه وآراءه الفاسدة التي لا تنبني على الأسس الصحيحة، كما أن الذين نفوا وجودهما الآن ودوامهما لا يستطيعون الإتيان بأي حجة صحيحة مقبولة غير ما يستندون إليه من شبهات تأويل الفلاسفة وعلماء الكلام المذموم.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ٦/٣١٢- ٣١٣، برقم (٢٨٤٩) . ٢ سورة مريم الآية ٣٩.
[ ١ / ٤٧٨ ]