٢٢٦/١- أبو زرعة قال: وحدثني عبد الرحمن بن إبراهيم، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن يحيى بن الحارث، عن أبي سلام، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى صاحب دمشق، أن سل أبا سلام عما سمع من ثوبان - مولى رسول الله ﷺ - في الحوض، فإن كان يثبته فاحمله على مركبة من البريد١.
٢٢٧/٢- وقال: أخبرني يحيى بن صالح الوحاظي قال: حدثنا محمد بن مهاجر، عن العباس بن سالم، عن أبي سلاَّم أنه دخل على عمر بن عبد العزيز فقال: لقد شققت عليَّ يا أمير المؤمنين، قال: ما أردت ذاك، ولكن أحببت أن تشافهني بحديث ثوبان في الحوض٢.
٢٢٨/٣- ابن عبد الحكم قال: قال عمر بن عبد العزيز: سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها اعتصام بكتاب الله وقوة على دين الله ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر في أمر خالفها، من
_________________
(١) ١ أبو زرعة في التاريخ ص١٦٤. ٢ المصدر السابق ص١٦٤. وقد تقدم في الإيمان بالحوض.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا١.
قال عبد الله بن عبد الحكم فسمعت مالكا يقول وأعجبني عزم عمر في ذلك.
التعليق:
يتبين مما أثر عن عمر رحمه الله تعالى فيما تقدم من الآثار أخذه بأخبار الآحاد في العقيدة، حيث اكتفى بخبر أبي سلام فقط، مع أنه وحده. كما تبين آنفًا، وكما تبين أيضا في تلك الآثار منهج أهل السنة والجماعة في التثبت في الأحاديث. ويتضح في الأثر الثالث منها تمسكه ﵀ بأخبار الآحاد في العقيدة وذلك في قوله: "سن رسول الله وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها اعتصام بكتاب الله" فلم يفرق رحمه الله تعالى بين السنة الآحادية، وغيرها من السنن كما لم يفرق بين هذه السنن سواء كانت في باب الاعتقاد أو العبادات أو المعاملات وإنما بين أن الأخذ بها اعتصام بكتاب الله وقوة على دين الله ليس لأحد تبديلها ولا النظر في أمر خالفها، وبين أن الأخذ بها هو سبيل المؤمنين من حاد عنه تولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا، ولا شك أن الأخذ بأخبار الآحاد
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم سيرة عمر ص٤٠ وقد تقدم تخريجه برقم ١١٥.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
في العقيدة هو مذهب السلف الصالح حيث تلقوا أحاديث الصفات والعقائد ودوّنوها في مؤلفاتهم موقنين بصحتها، عالمين يقينا بأن رسول الله ﷺ جاء بها كما جاء بالصلاة والزكاة، والتوحيد كصنيع الإمام البخاري - ﵀ - في صحيحه١، وغيره من أئمة السلف، وذلك لأن الذين نقلوا هذه الأحاديث الآحادية في العقيدة هم الذين نقلوا لنا جميع علوم الشريعة فيلزم من رد بعض أخبارهم وقبول البعض التفريق بين متماثلين، وإلحاق الطعن بالصحابة والسلف وعدم الثقة بأخبارهم مع ما عرف من ورعهم وتثبتهم، وتحريهم للصدق، إلى غير ذلك مما ينافي سوء الظن بهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقا له أو عملا به أنه يوجب العلم وهذا هو الذي ذكره المصنفون في أصول الفقه من أصحاب أبي حنيفة ومالك، والشافعي، وأحمد، إلا فرقة قليلة من المتأخرين اتبعوا في ذلك طائفة من أهل الكلام أنكروا ذلك، ولكن كثيرا من أهل الكلام أو
_________________
(١) ١ انظر البخاري مع الفتح ١٣/٢٣١- ٢٤٤ وأخبار الآحاد في الحديث النبوي حجيتها مفادها والعمل بموجبها للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين عضو الإفتاء بالمملكة ص١٢٤ ط. دار عالم الفوائد عام ١٤١٦هـ.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
أكثرهم يوافقون الفقهاء وأهل الحديث والسلف على ذلك وهو قول الأشعرية "١.
وخبر الواحد الذي نقصده ضمن كلام عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى السابق هو خبر الواحد الصحيح المحفوف بالقرائن وهو يفيد العلم بلا شك عند عامة السلف. قال أبو المظفر السمعاني رحمه الله تعالى:" إن الخبر إذا صح عن رسول الله صلىالله عليه وسلم ورواه الثقات والأئمة وأسنده خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله صلىالله عليه وسلم وتلقته الأمة بالقبول فإنه يوجب العلم فيما سبيله العلم. هذا قول عامة أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السنة، وإنما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال ولا بد من نقله بطريق التواتر لوقوع العلم به شيء اخترعته القدرية، والمعتزلة، وكان قصدهم منه رد الأخبار، وتلقفه منهم بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم في العلم قدم ثابت، ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول"٢.
وقد استدل المثبتون لأخبار الآحاد في العقيدة بأدلة كثيرة جدا منها:
١- أننا نعلم يقينا أن النبي صلىالله عليه وسلم كان يبعث أفرادا من الصحابة إلى مختلف البلاد ليعلموا الناس دينهم كما أرسل عليا، ومعاذا، وأبا موسى إلى اليمن في نوبات مختلفة. ونعلم يقينا أيضا أن أهم شيء في الدين إنما
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ١٣/٣٥١، ٣٥٢. ٢ نقله عنه السيوطي في صون المنطق ص١٦٠- ١٦١.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
هو العقيدة فهي أول شيء كان أولئك الرسل يدعون الناس إليه، وقد كان كل منهم أرسل منفردا فلو كانت أخبار الآحاد لا تثبت بها العقائد لكان عمل رسول الله ﷺ في غير موضعه وحاشاه، فظهر بطلان هذا القول وثبت وجوب الأخذ بخبر الآحاد في العقائد١.
٢- أن القول بعدم الأخذ بأحاديث الآحاد في العقيدة مخالف لجميع أدلة الكتاب والسنة التي نحتج بها نحن، والقائلون بعدم كون السنة الآحادية ليست حجة في العقيدة، وذلك لعمومها وشمولها لما جاء به رسول الله ﷺ عن ربه سواء كان عقيدة أو حكما فتخصيص هذه الأدلة بالأحكام دون العقائد تخصيص بدون مخصص وذلك باطل، وما لزم منه باطل فهو باطل٢.
٣- قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ٣، أي لا تتبعه ولا تعمل به، ومن المعلوم أن المسلمين لم يزالوا من عهد الصحابة يقْفون أخبار الآحاد ويعملون بها ويثبتون بها الأمور الغيبية والحقائق الاعتقادية مثل بدء الخلق وأشراط الساعة، بل يثبتون بها لله تعالى الصفات فلو
_________________
(١) ١ انظر وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة للألباني ط. دار العلم ص١٠- ١٢. ٢ انظر المصدر السابق ص٨، وانظر الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام للألباني ص٤٥ ط. الدار السلفية، ط. الثالثة عام ١٤٠٠هـ. ٣ الآية ٣٦ من سورة الإسراء.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
كانت لا تفيد علما ولا تثبت عقيدة لكان الصحابة والتابعون وتابعوهم وأئمة الإسلام كلهم قد قَفَوْا ما ليس لهم به علم، وهذا مما لا يقوله مسلم١.
وقد ذكر العلماء قديما وحديثا حججا كثيرة في الأخذ والاحتجاج بأخبار الآحاد في العقيدة منهم فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، وفضيلة الشيخ الدكتور عمر سليمان الأشقر وغيرهم كثير.
_________________
(١) ١ الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام ص٥٠.
[ ٢ / ٦٣١ ]