٤٣/١- عبد الرزاق قال: أخبرنا مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقول: آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ أن قال: "قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لا يبقى - أو قال: لا يجتمع - دينان بأرض العرب"١.
٤٤/٢- ابن الجوزي قال: حدثنا حصين، أن عمر بن عبد العزيز نهى أن يبنى القبر بآجر وأوصى بذلك٢
_________________
(١) ١ عبد الرزاق في المصنف ١٠/٣٥٩- ٣٦٠. والحديث متفق عليه انظر البخاري مع الفتح ٣/٢٠٠، رقم (١٣٣٠)، عن عائشة - ﵂- ومسلم بشرح النووي ٢/١٨٤، رقم (٢٥٩)، لكن بدون زيادة لا يبقى أو لا يجتمع دينان بأرض العرب، والحديث أخرجه البيهقي في دلائل النبوة مرسلا عن عمر بن عبد العزيز، انظر دلائل النبوة ٧/٢٠٤، وإسماعيل بن أبي حكيم القرشي مولاهم المدني ثقة من السادسة، مات سنة ٣٠هـ م د س ق. انظر تقريب التهذيب ص١٠٧. ٢ ابن الجوزي سيرة عمر ص ٣٤٦،وابن القيم إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان ١/١٩٦. ط. دار المعرفة.
[ ١ / ٢٦٣ ]
التعليق:
تبين مما سبق ذكره محبة عمر بن عبد العزيز للعقيدة الصحيحة، وبغضه لكل ما يضادها، ولا شك أن اتخاذ القبور مساجد والبناء عليها وتجصيصها من وسائل الشرك الممنوعة، وقد كان ﷺ حريصا على أمته يَعِزُّ عليه ما يشق عليها ويضرها، كما كان حريصا على سد منافذ الشرك ووسائله عن أمته.
وقد كان السلف الصالح مهتمين بهذا الجانب حرصا منهم على اتباع أوامر الله وأوامر رسوله ﷺ، يتبين ذلك من خلال ما أثر عن عمر بن عبد العزيز وهو نص حديث متفق عليه أرسله عمر ﵀، وقد ورد هذا الحديث بلفظين "قاتل" و"لعن". ومضمون الحديث أنه ﵊ حذر أمته من اتخاذ القبور مساجد وبين أن ذلك من فعل اليهود والنصارى، والمسلم منهي عن الاقتداء بهؤلاء الضلال المغضوب عليهم بنص القرآن، ولا شك أن اتخاذ القبور مساجد والبناء عليها وتجصيصها مما أجمع على منعه سلف الأمة كما مر عن عمر بن عبد العزيز حيث نهى أن يبنى القبر بآجر وأوصى أن لا يفعل ذلك بقبره.
ولما أمر الوليد بن عبد الملك ببناء المسجد النبوي حين كان عمر عاملا له على المدينة وإدخال حجرات الرسول ﷺ ومنها حجرة عائشة - ﵂ - التي فيها قبر الرسول ﷺ وصاحبيه كان عمر بن عبد العزيز هو الذي جعل مؤخر القبر محددا بركن، لئلا يستقبل قبر النبي ﷺ
[ ١ / ٢٦٤ ]
فيصلى إليه جعل ذلك حين انهدم جدار البيت فبناه على هذا فصار للبيت خمسة أركان١.
قال النووي ﵀: ولما احتاجت الصحابة والتابعون٢ إلى الزيادة في مسجد رسول الله ﷺ حين كثر المسلمون وامتد الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه ومنها حجرة عائشة - ﵂ - مدفن رسول الله ﷺ وصاحبيه أبي بكر، وعمر ﵄ بنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام، ويؤدي إلى المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر ٣.
_________________
(١) ١ انظر الجامع لابن أبي زيد القيرواني ص١٤١، تحقيق محمد أبو الأجفان، وعثمان بطيخ. طبعة مؤسسة الرسالة الطبعة الثالثة عام ١٤٠٦هـ. وانظر تيسير العزيز الحميد ص٣٢٤. ٢ وفي عبارة النووي ﵀ ما يوهم أن إدخال حجرة عائشة ﵂ في مسجده ﷺ كان من فعل الصحابة والتابعين، والحال أن الأمر ليس كذلك، وإنما حصل هذا من الوليد بن عبد الملك كما مر ذكر ذلك. ٣ انظر النووي على صحيح مسلم ٢/١٨٥- ١٨٦. ٤ انظر البخاري مع الفتح ٣/٢٠٠، رقم (١٣٣٠) .
[ ١ / ٢٦٥ ]
وقال الحافظ ابن حجر: لما وسع المسجد جعلت حجرتها "يعني عائشة" مثلثة الشكل محددة حتى لا يتأتى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر مع استقبال القبلة٤.
وقال ابن رشد الجد قال: مالك: وإنما بنى عمر بن عبد العزيز هذا البناء "يعني الحجرة الشريفة" حين كان الناس يصلون إليه، وجعلوه مصلى". ثم علق ابن رشد على قول مالك بقوله: أما الصلاة إلى قبر النبي ﷺ فهو محظور لما جاء عن النبي ﷺ من قوله: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ١ فبناه عمر ابن عبد العزيز محددا على هيئة لا يمكن من صلى إلى القبلة استقباله٢.
والمقصود أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى قد سد منافذ الشرك بعلمه وحكمته كما تبين من نَقْل من شاهدوا بناء المسجد النبوي في عهد ولايته على المدينة النبوية، ولا شك أن نهي النبي ﷺ عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدا كان خوفا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، بل ربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية ٣.
_________________
(١) ١ البخاري مع الفتح٣ /٢٠٠ رقم ١٣٣٠ ٢ البيان والتحصيل ١٧/٦٢٥-٦٢٦. ٣ انظر صحيح مسلم بشرح النووي ٢/١٨٥.
[ ١ / ٢٦٦ ]
وقد منع عمر من اتخاذ البناء لقبره وأوصى بذلك مع أنه كان في الزمن الذي فيه العقيدة صافية نقية إذا قورن ذلك الزمان بما بعده، ولكن لفهمه الصحيح لمقاصد السنة ولاتباعه المنهج الصحيح منهج النبي ﷺ وأصحابه وفقه الله تعالى للوصية بأن لا يبنى على قبره خشية أن يتخذ مسجدا فحسم الموقف قبل أن يستفحل، ولا شك أن ما ذهب إليه عمر هو ما يدل عليه الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: نهى النبي ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه١.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي ٣/٣٢-٣٣، رقم (٩٧٠) .
[ ١ / ٢٦٧ ]