أما حَيَاة الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام الْحَيَاة البرزخية الَّتِي هِيَ فَوق حَيَاة الشُّهَدَاء الَّذين قَالَ الله تَعَالَى فيهم ﴿بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ﴾ فَأمر ثَابت بالأحاديث الصَّحِيحَة قَالَ بخاري عصره شيخ مَشَايِخنَا الشَّيْخ عَليّ السويدي
[ ٣٩ ]
الْبَغْدَادِيّ فِي كِتَابه العقد أخرج أَبُو يعلى وَالْبَيْهَقِيّ وَصَححهُ عَن انس ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْأَنْبِيَاء أَحيَاء فِي قُبُورهم يصلونَ وَأخرج الإِمَام أَحْمد وَمُسلم فِي صَحِيحه وَالنَّسَائِيّ عَن أنس بن
[ ٤٠ ]
مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ مَرَرْت لَيْلَة أسرِي بِي على مُوسَى قَائِما يُصَلِّي فِي قَبره قَالَ الْمَنَاوِيّ أَي يَدْعُو ويثني عَلَيْهِ ويذكره فَالْمُرَاد الصَّلَاة اللُّغَوِيَّة وَهِي الدُّعَاء وَالثنَاء وَقيل المُرَاد الشَّرْعِيَّة وَعَلِيهِ القرضي وَلَا تدافع بَين هَذَا وَبَين رُؤْيَته إِيَّاه تِلْكَ اللَّيْلَة فِي السَّمَاء السَّادِسَة لِأَن للأنبياء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام مسارح أَو لِأَن أَرْوَاح الْأَنْبِيَاء بعد مُفَارقَة الْبدن فِي الرفيق الْأَعْلَى وَلها إشراف على الْبدن وَتعلق بِهِ وَبِهَذَا التَّعَلُّق رَآهُ يُصَلِّي فِي قَبره وَرَآهُ فِي السَّمَاء فَلَا يلْزم كَون مُوسَى ﵊ عرج بِهِ من قَبره ثمَّ رد إِلَيْهِ بل ذَلِك مقَام روحه واستقرارها وقبره مقَام بدنه واستقراره إِلَى يَوْم معاد الْأَرْوَاح إِلَى الأجساد كَمَا أَن روح نَبينَا ﷺ بالرفيق الْأَعْلَى وبدنه الشريف فِي ضريحه المكرم يرد السَّلَام على من يسلم ﵊ وَمن غلظ طبعه عَن إِدْرَاك هَذَا فَلْينْظر
[ ٤١ ]
إِلَى السَّمَاء فِي علوها وتعلقها وتاثيرها فِي الأَرْض وحياة النَّبَات وَالْحَيَوَان إِذا تَأَمَّلت فِي هَذِه الْكَلِمَات علمت أَن لَا حَاجَة الى التكلفات الْبَعِيدَة الَّتِي مِنْهَا أَن هَذَا كَانَ رُؤْيَة مَنَام أَو تمثيلا أَو اخبارا عَن وَحي لَا رُؤْيَة عين وَفِي الْمَوَاهِب اللدنية
اخْتلف فِي رُؤْيَة نَبينَا مُحَمَّد صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم لهَؤُلَاء الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام فَحمل ذَلِك بَعضهم على رُؤْيَة أَرْوَاحهم الا عِيسَى ﵇ فَيحْتَمل أَن يكون ﵊ عاين كل وَاحِد مِنْهُم فِي قَبره فِي الأَرْض على الصُّورَة الَّتِي أخبر بهَا من الْموضع الَّذِي ذكر أَنه عاينه فِيهِ فَيكون الله ﷿ قد أعطَاهُ من الْقُوَّة فِي الْبَصَر والبصيرة مَا أدْرك بِهِ ذَلِك وَيشْهد لَهُ رُؤْيَته صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم الْجنَّة وَالنَّار فِي عرض الْحَائِط وَالْقُدْرَة صَالِحَة
[ ٤٢ ]
لكليهما الى آخر مَا قَالَ انْتهى مَا فِي الْمَوَاهِب وَشَرحه وَتَمام الْبَحْث فِيهِ وَأَن أجسام الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا تاكلها الارض كَمَا ورد بِالْحَدِيثِ بِخِلَاف غَيرهم وَقد روى فِي الْمَوَاهِب عَن أبي دَاوُد بِلَفْظ إِن الأَرْض لَا تَأْكُل اجساد الْأَنْبِيَاء وَمن خَصَائِص نَبينَا ﵊ أَن الله تَعَالَى وكل ملكا يبلغهُ صَلَاة الْمُصَلِّين وَالْمُسْلِمين ﵊
وَورد أَيْضا مَا من أحد يسلم عَليّ إِلَّا رد الله عَليّ روحي فَرددت ﵊ فَلَا تغفل
[ ٤٣ ]