* ومن أبرز انحرافات أهل البدع أنهم يفسرون القرآن برأيهم ومعقولهم، وما تأولوا من اللغة، ولهذا لا تجدهم يعتمدون على أحاديث المصطفى - ﷺ -، ولا على آثار الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، ولا على إجماع السلف وآثارهم، وإنما يعتمدون على العقل واللغة، وعلى كتب الأدب وكتب علم الكلام التي وضعها رؤوسهم (١). بل إنهم يعادون النصوص المخالفة لعقولهم وآرائهم، ويودون أنها لم تكن جاءت، وإذا سمعها الواحد منهم وجد لها على قلبه من الثقل والكراهة بحسب حاله، واشمأز منها قلبه (٢).
* ومن شأنهم دائما الجدل والخصومة، ورفضهم الاحتكام للكتاب والسنة، "وإذا رأيت الرجل يخاصم في دين الله، ويجادل في كتاب الله، فإذا قيل له، قال رسول الله. قال: حسبنا كتاب الله. فاعلم أنه صاحب بدعة". (٣)
* ومن أبرز ضلال المبتدعة: ما أشار إليه ابن تيمية - ﵀ - إذ يقول: «وإن عامة ضلال أهل البدع كان بسبب: أنهم يحملون كلام الله ورسوله على ما يدعون أنه دال عليه، ولا يكون الأمر كذلك» (٤).
* ومن طرائق المبتدعة أنهم يزعمون، أن ما جاء به الرسول هو الحق، وأنهم يلتزمون شريعته، ولكنهم ربما ضلوا الطريق "وكل فريق من المبتدعة إنما يدعي أن الذي يعتقده هو ما كان عليه رسول الله - ﷺ -؛ لأنهم ملتزمون في الظاهر بشعائر الإسلام إلا أنهم طلبوا الدين، لا بطريقة من الكتاب والسنة، بل رجعوا إلى عقولهم وخواطرهم وآرائهم، فطلبوا الدين من قبلها، فإذا سمعوا شيئا من الكتاب والسنة عرض على معيار عقولهم، فإن
_________________
(١) ينظر: الإيمان لابن تيمية (ص ١١٤).
(٢) ينظر: الصواعق المرسلة (٣/ ١٠٣٦ - ١٠٣٧). والحقيقة أن مرد ذلك كله إلى ضعف إيمانهم، وقلة يقينهم في التسليم لكلام الله تعالى، مع ما صاحب ذلك من كثرة الشبهات والأهواء الصادرة عن الاطمئنان لنصوص الشرع المنزل.
(٣) الحجة في بيان المحجة: أبو القاسم الأصبهاني (٢/ ٤٣٣).
(٤) الفتاوى لابن تيمية (٧/ ١١٦).
[ ٨٥ ]
استقام قبلوه، وإن لم يستقم ردوه، فإن اضطروا إلى قبوله حرفوه بالتأويلات البعيدة، والمعاني المستكرهة، فحادوا عن الحق، وزاغوا عنه، ونبذوا الدين وراء ظهورهم" (١).
* وهؤلاء المبتدعة لم يبلغوا في علوم الشريعة ما يمكنهم من الاجتهاد فيها بإطلاق إما لعدم الرسوخ في معرفة كلام العرب والعلم بمقاصد الشريعة، وإما لعدم الرسوخ في العلم بقواعد الأصول التي من جهتها تستنبط الأحكام الشرعية، وإما لعدم الأمرين جميعا (٢).
* وإن جميع هذه الطوائف من المبتدعة تنزل القرآن على مذاهبها وبدعها وآرائها.
فالقرآن عند الجهمية جهمي، وعند المعتزلة معتزلي، وعند القدرية قدري، وعند الرافضة رافضي، وكذلك هو عند جميع أهل الباطل، وما كانوا أولياءه ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ الأنفال: ٣٤ (٣).
*وإن وافق أهل البدع أهل السنة والجماعة في قطعية ثبوت القرآن، فإن عامتهم لا يرون قطعية شيء من دلالة الكتاب والسنة (٤)، بل دلالتها كلها عندهم ظنية (٥).
_________________
(١) لوامع الأنوار البهية: للسفاريني (٢/ ٢٢٥).
(٢) الاعتصام (ص ٢٢٠).
(٣) ينظر شفاء العليل (١/ ٢٢٠)، وشرح الطحاوية (١/ ٢٤٤).
(٤) ذكر شيخ الإسلام بأن المعتزلة يقولون بإفادة الأدلة السمعية لليقين. ينظر: درء التعارض (٧/ ٢٧٥).
(٥) ينظر: شرح أم البراهين للسنوسي (ص ٢١٧)، حاشية الصاوي على الجلالين (٣/ ٩)، وذكر شيخ الإسلام أن التلمساني كان يقول: " القرآن كله شرك، وإنما التوحيد في كلامنا" ينظر: مجموع الفتاوى (٢/ ١٢٧، ٢٠١)، وموقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة عرضًا ونقدًا لـ د. سليمان الغصن (١/ ١٤٢ - ١٤٣)، والمصادر العامة للتلقي عند الصوفية عرضا ونقدا لصادق سليم صادق (ص ١٠١) وما بعدها.
[ ٨٦ ]