لسنا بصدد الحديث عن نشأة كل فرقة على حدة، ولكن لا بد من الحديث إجمالًا عن نشأة البدع المتقابلة وتطورها.
وذلك أن نمو الأفكار والعقائد يعتريه من التداخل والتركيب والامتزاج، وردود الأفعال والتأثرات النفسية والتقلبات الفكرية، ما يجعله مختلطًا على كثير من الناس.
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - أن: " البدعة كلما كانت أظهر مخالفة للرسول يتأخر ظهورها، وإنما يحدث أولًا ما كان أخفى مخالفة للكتاب والسنة" (١)، ويقول أيضًا: " فإن البدع إنما يظهر منها أولًا فأولا الأخف فالأخف، كما حدث في آخر عصر الخلفاء الراشدين بدعة الخوارج والشيعة، ثم في آخر عصر الصحبة بدعة المرجئة والقدرية، ثم في آخر عصر التابعين وانقراض أكابر التابعين ظهرت بدعة الجهمية معطلة الصفات" (٢) "ومعلوم أن أهل الكتاب أقرب إلى المسلمين من المجوس والصابئين والمشركين، فكان أول ما ظهر من البدع فيه شبه من اليهود والنصارى ثم لما عُرِّبت كتب الفرس والروم ظهر التشبه بفارس والروم، وكتب الهند انتقلت بتوسط الفرس إلى المسلمين، وكتب اليونان انتقلت بتوسط الروم إلى المسلمين، فظهرت الملاحدة الباطنية الذين ركبوا مذهبهم من قول المجوس واليونان مع ما أظهروه من التشيع" (٣).
_________________
(١) الرد على الإخنائي (ص ٢١٣).
(٢) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٥٨).
(٣) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٤٧٠ - ٤٧١).
[ ٣٣ ]
"ومما يجدر التنبه له أن الفرق بعد القرن الثالث اختلطت أصولها وتلاقحت، فأصبحت بقايا الخوارج أقرب للمعتزلة مع التزام أصولها الأولى، والرافضة سلكت سبيل المعتزلة (١) والجهمية في الكلاميات مع التزامها أصولها الأولى، والأشاعرة والماتريدية أخذت بكثير من أصول الجهمية والمعتزلة، والتجهم والاعتزال اندمج في أصول المتكلمين الأشاعرة، والتصوف اختلط بالفلسفة والاتجاهات الباطنية، وهكذا" (٢).
"أما من القرن الخامس وما بعده فقد تلاشت الفروق بين الفرق، واندمج كثير من أصول بعضها في أصول البعض الآخر، وصارت أعلام الفرق وراياتها تندرج تحت شعارات: الصوفية، والفلاسفة، والباطنية، والرافضة، وأهل الكلام. ثم ظهرت الشعارات الحديثة كالقوميات، والحزبيات والطائفية، والشعوبية، والعلمنة، والحداثة، والاتجاهات الفكرية، والأدبية والثقافية والسياسية، والفنية وكلها تدور في فلك أصول الأهواء القديمة، وتزيد عليها ضلالات المناهج الغربية الحديثة وانحرافاتها وكفرياتها" (٣).
ومن المهم أن نعلم أنه وعلى امتداد الثلاثة القرون المفضلة لم يكن أصحاب البدع إلا مستنقعات جانبية على ضفتي تيار الإسلام الضخم، ولم يكن فيها أحد من أئمة الإسلام المتبوعين ورجاله المعدودين قط (٤)، يقول ابن تيمية - ﵀ - في تأكيد هذه الحقيقة - وهو من المهتمين بتاريخ الافتراق في الأمة كما يظهر من كتبه-: " الصحابة لم يختلفوا في شيء من قواعد الإسلام لا في الصفات ولا في القدر ولا في مسائل الأسماء والأحكام ولا في الإمامة" (٥).
ومن المعلوم أن البدع التي نشأت في الأمة الإسلامية لم تظهر دفعة واحدة، ولا في زمن واحد، بل ظهرت في أزمنة مختلفة، وفي أماكن متباعدة، فقد مرت البدع المتقابلة منذ فجر الإسلام بمراحل؛ فقد ظهرت المحكمة الأولى من الخوارج، وهي أول الفرق ظهورًا، في زمن علي - ﵁ - وقد استفحل خطرهم، حيث أخرجوا من دائرة الدين كل من ارتكب كبيرة من
_________________
(١) أدى الانتصار الكبير الذي حققه أهل السنة بقيادة الإمام أحمد، وانقلاب الدولة العباسية، إلى التنكيل بالمعتزلة والمبتدعة، وظهور حقيقة التشيع وانتساب القرامطة ونحوهم له، إلى تقارب أهل البدع وتمازجهم في مواجهة عودة السنة، والمعتزلة فرقة لها عقل ونظر لكن بلا جمهور، والشيعة لها جمهور ولا عقل لها ولا نظر، فكان أن اندمجت الفرقتان، واتفقتا على العدو المشترك "أهل السنة". ينظر: ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي (١/ ٣٣٦).
(٢) دراسات في الأهواء والفرق والبدع وموقف السلف منها (١/ ١٤٥).
(٣) دراسات في الأهواء والفرق والبدع (١/ ١٨٧).
(٤) ينظر: ظاهرة الإرجاء (١/ ٢٨٨).
(٥) منهاج السنة النبوية (٦/ ٣٣٦)، وينظر: مجموع الفتاوى (٢٧/ ١٨٩).
[ ٣٤ ]
الكبائر، وخرجوا على إمام المسلمين وجماعتهم واستحلوا قتالهم، فقام علي - ﵁ - ومن معه من الصحابة فحاربوا هذا الفكر الهدام.
وبينما انشغل المسلمون بهذه المصيبة ظهرت بدعة مقابلة لفكر الخوارج وهي التشيع، والذي تولى كبرها: "عبدالله بن سبأ اليهودي"، فقال بعصمة علي بن أبي طالب - ﵁ - وآل البيت، بل تعدى ذلك إلى تأليهه، وسب الصحابة علنا، فتصدى لهذه الظاهرة علي - ﵁ - وقمعها فظلت مغمورة.
فكانت هذه الحادثة هي بداية ظهور البدع المتقابلة .. هذا باعتبار نسبة البدع إلى فِرقِها المناصرين لها، أما باعتبار ظهور بذور البدعة فسيختلف زمن الظهور؛ لأن إرهاصات البدع المتقابلة وبذورها نشأت مصاحبة لعهد النبوة، فقد خرج من يَتَقال عمل النبي - ﷺ - «فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، وقال بعضهم: أصوم لا أفطر » (١)، فكانوا في طرف الجفاة، وفي مقابلهم خرج من يطرون النبي - ﷺ - فوق منزلته: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله» (٢)، فكانوا في الطرف الآخر للغلاة.
وهذه النزعات كانت فردية ساذجة في الغالب، أو من أناس ليسوا من الأمة: كالنصارى واليهود والمنافقين، وليست جماعية، وليس لها أتباع ورؤوس، عدا الفتنة (السبئية) على عثمان - ﵁ - (٣) فإنها كانت مبيتة فيما يظهر، ولها زعماء وجمهور من الرعاع والغوغائية، وتمخضت عنها أول الفرق (الشيعة والخوارج) (٤).
وبما أن آيات القرآن الرادة على البدع المتقابلة كانت في العهد النبوي فربما يكون هذا دليلًا على أنها كانت قديمة بقدم ما يتحدث عنه القرآن الكريم، مع العلم أنه لم يقع
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد المؤنة، برقم (١٤٠١).
(٢) رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾، برقم (٣٤٤٥).
(٣) الخلاف في عهد عثمان - ﵁ - في فتن كالموج كانت هذه الفتن الخطوة الأولى للافتراق السياسي بين المسلمين وكذلك كانت الخطوة الأولى لتكوين المذاهب السياسية. ينظر: تاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبو زهرة (١/ ٢٧).
(٤) ينظر: دراسات في الأهواء والبدع (١/ ١٦٦).
[ ٣٥ ]
فرقة أو اختلاف في حياته - ﷺ -؛ لأنه بين أظهرهم والوحي يتنزل عليه، فلا مجال للفرقة، ولا مرتع للبدعة (١).
وعلى كل حال فإن ما يهمنا هو ظهور البدع المتقابلة بشكلها الواضح الذي يتشكل فيه الأتباع والرؤساء؛ لأنها أحدثت فتننا مفرقة للأمة؛ فلا تزال الفتن تتوالى على مر العصور، والمعركة محتدمة بين الحق والباطل ونار الأهواء تضطرم وتتفاقم فكثرت البدع في الأمة وفشت، وتزايدت الفرق وكثرت حتى تحقق في الأمة قول الصادق المصدوق - ﷺ -: «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» (٢) (٣).
وقد تميزت كل الفرق بالإفراط أو التفريط، بالغلو أو التقصير، وبالتباين والتناقض فيما بينها. فإن أصول الفرق متعاكسة تمامًا، وبيان ذلك:
١ - التكفير (ويقابله الإرجاء)، ومنه نتجت: مذاهب الخوارج قديمًا وحديثًا.
٢ - الإرجاء (ويقابله التكفير)، ومنه نتجت: مرجئة الجهمية، ومرجئة الفقهاء، ومرجئة الأشاعرة، والماتريدية.
٣ - التشيع (ويقابله النصب)، ومنه نتجت: مذاهب الرافضة، والزيدية، والباطنية.
٤ - النصب (ويقابله التشيّع)، ومنه نتجت: النواصب المبغضون لعلي كالخوارج.
٥ - القدر (ويقابله الجبر)، ومنه نتجت: القدرية، والمعتزلة.
٦ - الجبر (ويقابله القدر)، ومنه نتجت: جبرية الجهمية، وجبرية الأشاعرة، والماتريدية (٤).
٧ - التعطيل (ويقابله التشبيه)، ومنه نتجت: الجهمية، والمعتزلة، وطوائف من أهل الكلام.
_________________
(١) وسطية أهل السنة بين الفرق باكريم (ص ٢٨٩).
(٢) رواه الإمام أحمد في مسنده برقم (٨٣٩٦)، ورواه أبو داود في سننه كتاب السنة برقم (٤٥٩٦) واللفظ له، ورواه الترمذي في سننه أبواب الإيمان، برقم (٢٧٧٨)، وقال: حديث حسن صحيح، ورواه ابن ماجه في سننه في كتاب الفتن باب افتراق الأمم برقم (٣٩٩٢)، وأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ١٢٨، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجة برقم (٣٩٩٢)، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (١٤٢٩).
(٣) ينظر: وكل بدعة ضلالة لمحمد الريسوني تحقيق الجماز (ص ٣٧ - ٣٨)، وزيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه، أ. د. عبد الرزاق ابن عبد المحسن البدر (ص ٤٢٨)، بدع الاعتقاد النشأة والتاريخ، شبكة الإسلام.
(٤) الماتريدية في القدر ليسوا جبرية، بل هم قريب من المعتزلة، إلا ماتريدية بخارى فهم أشاعرة.
[ ٣٦ ]
٨ - التشبيه (ويقابله التعطيل)، ومنه نتجت: المشبهة الرافضة الأولى، ثم الكرامية.
٩ - التأويل (ويقابله التفويض)، ومنه نتجت: الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، والماتريدية.
١٠ - التفويض (ويقابله التأويل)، ومنه نتجت: المفوضة (١)، والواقفة.
١١ - التصوف (ويقابله الجفاء)، ومنه نتجت: الطرق الصوفية وبدعها.
١٢ - الجفاء (ويقابله التصوف)، ومنه نتج: منهج النظر العقلي، الذي يقول به المتكلمون.
١٣ - الابتداع (ويقابله الإعراض عن الشرع)، ومنه نتجت: البدع في العبادات، وغيرها كالمشاهد، والمزارات، والمقابرية، والتبرك البدعي.
١٤ - الإعراض عن الشرع (ويقابله الابتداع في الدين)، ومنه نتجت: الزندقة، والإلحاد والعلمنة، والحداثة، والشعارات، والحزبيات، والقوميات، والقوانين الوضعية (٢).
وبين رياح البدع العاتية، وأمواج الفتن المتلاطمة، يقف أهل السنة والجماعة بين الغلاة والجفاة، يعتصمون بالكتاب، وينصرون السنة، فيستبين بهم الحق، ويهتدي بهم الخلق، وما ذاك إلا لتحقيق ما تكفل الله به ووعد، من حفظ الدين، ولكي تبقى العقيدة صافية نقية كما كانت في عهد النبي - ﷺ -.
والوسطية في الإسلام منهج عام، فهي لا تتعلق بمسألة من المسائل، أو بنوع من أنواع العلم، بل هي خصيصة وميزة عامة في الشريعة، وقاعدة كلية لا تنخرم، "فإذا نظرت في كلية الشريعة وتأمَّلتها تجدها حاملة على الوسط، فإن رأيت ميلا إلى جهة طرف من الأطراف؛ فذلك في مقابل واقع أو متوقَّع في الطرف الآخر. فطرف التشديد -وعامة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر- يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الانحراف في الدين.
_________________
(١) كثير من أهل الكلام (الأشاعرة والماتريدية) إذا عدلوا عن علم الكلام ينتهي بهم الأمر إلى التفويض، لذلك يزعم بعضهم أن هذا هو مذهب السلف، ويحكي بعضهم مذهب السلف على أنه هو التفويض. دراسات في الأهواء والفرق والبدع وموقف السلف منها (١/ ١٥٠) حاشية رقم (١).
(٢) ينظر: دراسات في الأهواء والفرق والبدع وموقف السلف منها (١/ ١٤٩ - ١٥٠).
[ ٣٧ ]
وطرف التخفيف - وعامة ما يكون في الترجية والترغيب والترخيص- يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد، فإذا لم يكن هذا ولا ذاك رأيت التوسط لائحًا، ومسلك الاعتدال واضحًا، وهو الأصل الذي يرجع إليه، والمعقل الذي يلجأ إليه" (١).
ومن هنا ظهرت ضرورة التوسع في دراسة كلا الظاهرتين (ظاهرة الإفراط وظاهرة التفريط) لمعرفة حقيقة ضلال الفرق، وإذا ما أردنا الوصول إلى الحقيقة، فإن علينا أن نعرف تلك الظاهرتين من خلال آيات القرآن الكريم.
نسأل الله -﷾- أن يعصمنا من الضلال بعد الهدى، وأن يميتنا على الحق المبين.
_________________
(١) الموافقات للشاطبي (٢/ ٢٨٦)، ينظر: منهج الوسطية في التشريع الإسلامي وأثره في الوقاية من ظاهرة الغلو والتكفير، د. نور الدين بو حمزة (٥٨٩٩) المنشور في السجل العلمي لمؤتمر ظاهرة التكفير المجلد التاسع.
[ ٣٨ ]