لا تكاد تجد آية من الآيات المشتملة على ما يتوهم منه صفة المخلوقين إلا وهي مقرونة بما يشعر بالتنزيه أو تفسير المراد به إما متقدمًا أو متأخرًا (٣)، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١. فنفى المثل وأثبت الوصف (٤)،
وهذه الآية أساس واضح في إثبات الصفات لله، ففي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ (٥) شَيْءٌ﴾ رد
_________________
(١) الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين وآثارهما في حياة الأمة، لعلي بن بخيت الزهراني، (ص ٢٥ - ٢٦).
(٢) نوه الكتاب العزيز بفضلهم ونص على أن لهم اليد الطولى في الفضل والعلم والعمل الجاد الخالص، قال تعالى: مشيدا بفضلهم وآمرا باتباعهم ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ التوبة: ١٠٠. ينظر: البدع وأثرها في انحراف التصور الإسلامي، صالح سعد السحيمي، مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (عدد ٤٩/ ص ٦٠).
(٣) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل، لمحمد بن إبراهيم الكناني (ت ٧٣٣ هـ) (ص ٩٥).
(٤) قال العلماء: قدم النفي قبل الإثبات على القاعدة العربية المعروفة أن التخلية تسبق التحلية، فيجب أن يخلو القلب من كل براثن التمثيل ومن كل ما كان يعتقده المشركون الجاهلون من تشبيه الله بخلقه، أو تشبيه خلق الله به، فإذا خلا القلب من كل ذلك، وبرئ من التشبيه والتمثيل، أثبت ما يستحقه الله -جلا وعلا - من الصفات، فأثبت هنا صفتين وهما السمع والبصر. ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص ٤٣٥).
(٥) اختلف في إعراب الكاف في قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ على وجوه ذكرها شارح الطحاوية (ص ٧٨، ٧٩)، وتعرض لذلك الدكتور عبد الله دراز، ورجح أن الكاف أصلية وليست زائدة، ووجودها ضروري وهادف من طريقين: الطريق الأول: أن في وجود الكاف نفي المماثلة وما يشبهها أو يدنو منها. الطريق الثاني: أنها نفت التشبيه وأقامت البرهان على نفيه، كأن الآية قالت: مثله تعالى لا يكون له مثل، تعني أن من كانت له تلك الصفات الحسنى وذلك المثل الأعلى لا يمكن أن يكون له شبيه، ولا يتسع الوجود لاثنين من جنسه. التعبير بالمثلية مبالغة في الإثبات أو النفي؛ فإن العرب -والقرآن عربي- كانوا إذا بالغوا في نفي المثلية قالوا: مثلك لا يفعل كذا، ومرادهم نفي الفعل عنه، لا عن مثله، ولكن إذا نفوه عمن هو على أخص أوصافه، فقد نفوه عنه بالأولى. ينظر: تحقيق عبد الله شاكر محمد الجنيدي، على كتاب رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب (ص ١١٩)، ومصرع التصوف، لإبراهيم البقاعي، تحقيق: عبد الرحمن الوكيل (ص ٩٨)، وكتابه النبأ العظيم (ص ١٣٢ - ١٣٦).
[ ٩٥ ]
على المشبهة (١) الذين يعتقدون أن الله مثل خلقه، ولا يفرقون بين الخالق والمخلوق، وهو مذهب باطل، وفي قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ رد على مذهب المعطلة (٢)؛
الذين غلوا في التنزيه حتى نفوا عن الله ما أثبته من الأسماء والصفات، فرارًا من التشبيه بزعمهم (٣)، فكل طائفة عملت بشطر من هذه الآية وضيعت الشطر الآخر.
وقد أتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق ليس هو ما ذهب إليه أصحاب البدع المتقابلة، إما بنفي الصفات مطلقًا، كما هو شأن المعطلة، أو إثباتها مطلقًا، كما هو شأن الممثلة؛ بل إثباتها بلا تمثيل، كما هي "طريقة سلف الأمة، وأئمتها أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف (٤)، ولا تمثيل؛ إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل" (٥).
ومما ينبه عليه في هذا المقام أن كل من وقع في التعطيل فقد وقع في التمثيل، وكل من وقع في التمثيل فقد وقع في التعطيل، ولهذا يقول العلماء: كل معطل ممثل، وكل ممثل معطل (٦).
_________________
(١) أهل التشبيه الذين شبهوا الله بخلقه، وجعلوا صفاته من جنس صفات مخلوقاته؛ كما فعل الكرامية، والهشامية -أتباع هشام بن سالم الجواليقي-، وكصنيع داود الجواربي، ومن نحا نحوه. ينظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥)، الملل والنحل ١/ ٩٥ - ٩٩ ; دائرة المعارف الإسلامية، مادة " التشبيه ".
(٢) أهل التعطيل الذين أنكروا ما يجب لله من الأسماء والصفات، أو أنكروا بعضه، فهم نوعان: أهل التعطيل الكلي؛ كالجهمية والمعتزلة؛ وأهل التعطيل الجزئي؛ كالأشعرية والماتريدية. ينظر: فتح رب البرية بتلخيص الحموية للشيخ ابن عثيمين (ص ١٨ - ١٩)، والإرشاد إلى صحيح الاعتقاد للدكتور صالح الفوزان (ص ١٥٧)، والمفيد في مهمات التوحيد (ص ٣٧).
(٣) ينظر: الرسالة التدمرية (ص ٤٢، ١٨٣)، الفتوى الحموية الكبرى، المحقق: د. حمد بن عبد المحسن التويجري (ص ٥٤٧).
(٤) صفات الله ثابتة، وأما الكيفية فمجهولة بالنسبة لنا؛ إذ كيف نعرف كيفية صفته سبحانه، ونحن لم نعلم كيفية ذاته تعالى الله عما قاله المبطلون علوا كبيرا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لم تره العيون فتحده كيف هو؟ ولكن رأته القلوب في حقائق الإيمان" اهـ. وإن معنى قولنا: "بدون تكييف" ليس معناه ألا نعتقد لها كيفية، بل نعتقد لها كيفية، لكن المنفي علمنا بالكيفية؛ لأن استواء الله على العرش لا شك أن له كيفية، لكن لا تُعلم، نزوله إلى السماء الدنيا له كيفية، لكن لا تعلم؛ لأن ما من موجود إلا وله كيفية، لكنها قد تكون معلومة، وقد تكون مجهولة. ينظر: مجموع الفتاوى (٥/ ٥٨)، وجهود الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تقرير عقيدة السلف، لعبد العزيز بن صالح الطويان (١/ ٢٧٤)، وشرح الواسطية لابن عثيمين (ص ٥٨).
(٥) منهاج السنة النبوية (٢/ ٥٢٣)، وينظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٤).
(٦) المعطل مثل مرتين: مرة قبل تعطيله؛ لأنه لم يعطل إلا لتشبيه قام في نفسه، ومرة بعد تعطيله؛ لأن تعطيله جره إلى تشبيه الله إما بالجمادات أو المعدومات أو الممتنعات بحسب نوع تعطيله. والممثل عطل ثلاث مرات: لأنه عطل الرب ﵎ عن صفة كماله، وعطل الآيات التي أثبتت هذه الصفات، وعطل الآيات التي فيها نفي التمثيل كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. ينظر: تذكرة المؤتسي شرح عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي (ص ٣٨٦).
[ ٩٦ ]
ولم يسلم من هذه الأدواء والشرور إلا صاحب السنة، السائر على الصراط المستقيم، فهو بريء -كما يعبر ابن القيم - من فرث التعطيل ومن دم التمثيل.
قال ابن القيم - ﵀ -: " فكان مذهبهم مذهبًا بين مذهبين، وهدى بين ضلالتين، خرج من بين مذاهب المعطلين والمخيلين والمجهلين والمشبهين كما خرج اللبن من بين فرث ودم لبنا خالصًا سائغًا للشاربين" (١).
وهذا القسم من التوحيد ضلت فيه بعض الأمة الإسلامية، وانقسموا فيه إلى فرق كثيرة: فمنهم من سلك مسلك التعطيل، فعطل ونفى الصفات زاعمًا أنه منزه لله، وقد ضل؛ لأن المنزه حقيقة هو الذي ينفي عنه صفات النقص والعيب، وينزه كلامه من أن يكون تعمية وتضليلًا، ومنهم من سلك مسلك التمثيل، زاعمًا بأنه محقق لما وصف الله به نفسه، وقد ضلوا؛ لأنهم لم يقدروا الله حق قدره، إذ وصموه بالعيب والنقص; لأنهم جعلوا الكامل من كل وجه كالناقص من كل وجه (٢).
قال نعيم بن حماد الخزاعي (٣): من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه، ولا ما وصفه به رسوله تشبيها (٤).
وكلام الأئمة في هذا الباب أطول وأكثر من أن يسعه هذا المطلب؛ فإن مدار التوحيد على التوسط بين التشبيه والتنزيه.
_________________
(١) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية (٢/ ٤٢٦).
(٢) القول المفيد على كتاب التوحيد (١/ ١٧).
(٣) هو: نعيم بن حماد الخزاعي الحافظ أبو عبد الله المروزي الأعور، أحد الأئمة الأعلام، توفى سنة ٢٢٨ هـ، وهو شيخ البخاري، وثقه أحمد بن حنبل وغيره وابن معين. ينظر: الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة، للذهبي (٢/ ٣٢٤)، والكشف الحثيث عمن رمي بوضع الحديث، لبرهان الدين الحلبي (ص ٢٦٨).
(٤) ينظر: العلو للذهبي بتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان (ص ١٢٦)، واجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم (ص ٨٦)، وذكره شارح العقيدة الطحاوية (ص ١٢٠) عن نعيم بن حماد.
[ ٩٧ ]