"التلازم بين الظاهر والباطن": قاعدة قطعية في الشريعة الإسلامية، ولا شك أن لهذه القاعدة أهمية كبرى في إزالة التضييع والتميُّع (٣) وفي ضبط الرؤية في كثير من قضايا البدع المتقابلة.
لأنه متى ما قامت المحبة بالقلب مع التصديق، لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة.
قال شيخ الإسلام - ﵀ -: " وإذا قام بالقلب التصديق به والمحبة له لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة، والأعمال الظاهرة فما يظهر على البدن من الأقوال والأعمال هو موجب ما في القلب ولازمه، ودليله ومعلوله كما أن ما يقوم بالبدن من الأقوال والأعمال له أيضا تأثير فيما في القلب. فكل منهما يؤثر في الآخر لكن القلب هو الأصل، والبدن فرع له والفرع يستمد من أصله، والأصل يثبت ويقوى بفرعه" (٤).
_________________
(١) ينظر: الدليل العقلي عند السلف (ص ٦٩، ٧٣).
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٤٩٠)، العقل تعريفه، منزلته، مجالاته، ومداركه، (ص ٣٦٨).
(٣) مظاهر الانحراف عن الوسطية تفريطًا أكثر بكثير من مظاهر الانحراف غلوا في عصرنا الحاضر.
(٤) مجموع الفتاوى (٧/ ٥٤١).
[ ١١٩ ]
وقال كذلك - ﵀ -: " وذلك لأن أصل الإيمان هو ما في القلب، والأعمال الظاهرة لازمة لذلك، لا يتصور وجود إيمان القلب الواجب مع عدم جميع أعمال الجوارح، بل متى نقصت الأعمال الظاهرة كان لنقص الإيمان الذى في القلب، فصار الإيمان متناولًا للملزوم واللازم وإن كان أصله ما في القلب " (١).
وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي - ﵀ -: "يؤخذ من هذه الآية الكريمة - ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ آل عمران: ٣١ -: أن علامة المحبة الصادقة لله ورسوله - ﷺ - هي اتباعه - ﷺ -، فالذي يخالفه ويدعي أنه يحبه فهو كاذب مفتر؛ إذ لو كان محبًا له لأطاعه، ومن المعلوم عند العامة أن المحبة تستجلب الطاعة" (٢).
ومن الأمثلة على ذلك، قوله - ﷿ -: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ المائدة: ٨١، فالإيمان في الباطن يستلزم عداوة الكافرين وترك موالاتهم في الظاهر.
وقال تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ آل عمران: ١٥٢، فلما اختلفت نياتهم الباطنة، تباينت أعمالهم الظاهرة.
فتجمع الوسطية بين الاهتمام بأعمال الجوارح وأعمال القلوب، أو ما يعرف بفقه الظاهر وفقه الباطن.
"وجملة القول: أن التلازم بين الظاهر والباطن فرقان بين أهل السنة والمرجئة في باب الإيمان، وأن من عرف هذا التلازم زالت عنه شبهات كثيرة" (٣).