أهل الإيمان إذا تنازعوا في شيء من مسائل الدين، سواءً دقه أوجله، خفيه أو جليه، ردوا ذلك كله إلى الله ورسوله، فلو لم يكن في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - بيان ما تنازعوا فيه، لم يأمر الله بالرد إليه؛ إذ من الممتنع أن يأمر الله تعالى بالرد عند النزاع إلى من لا يوجد عنده
فصل النزاع، وقد أجمع الناس على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول - ﷺ - هو الرد إليه نفسه في حياته، وإلى سنته - ﷺ - بعد وفاته، وقد جعل الله هذا الرد من موجبات الإيمان ولوازمه، فإذا انتفى انتفى الإيمان ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه، ولا سيما التلازم بين هذين الأمرين، فإنه من الطرفين، فكل منهما ينتفي بانتفاء الآخر (٢).
والواقع أن أهل الأهواء والبدع وقعوا في متناقضات عقلية تصرخ بشدة الغباء، أو شدة الجحود (٣)، فقد جعلوا القرآن عضين، فأقروا ببعض آيات القرآن، وأنكروا بعضها من غير فرقان مبين، مع أن اللازم لهم فيما أنكروه كاللازم لهم فيما أقروا به وأثبتوه، فخالفوا منهج
_________________
(١) لما كان الحق بطبيعته نور الله الذي أنزله على عباده كان له من القوة الذاتية ما ترفعه وتكون النفوس متطلعة إليه طالبة له بطبعها وذلك أن الله ﷾ فطر هذا الإنسان عندما خلقه على الحق، قال - ﷺ -: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه». ينظر: طرق أهل الباطل في نشر الخرافة، د. إبراهيم بن محمد بن عبد الله البريكان (ص ٢).
(٢) لوامع الأنوار البهية (١/ ٦).
(٣) ينظر: نظرات في القرآن للغزالي (ص ٧٨).
[ ١١٠ ]
أهل الصراط المستقيم الواضح، ليتخبطوا في مناهجهم المضطربة، وصدق فيهم قوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ الأنعام: ٤ - ٥.
وقال ابن أبي العز الحنفي (١)
- ﵀ - وصف حالهم: "جميع أهل البدع مختلفون في تأويل القرآن، فهم مؤمنون ببعضه دون بعض، يقرون بما يوافق رأيهم من الآيات، وما يخالفه: إما أن يتأولوه تأويلًا يحرفون فيه الكلم عن مواضعه، وإما أن يقولوا: [هذا متشابه لا يعلم أحد معناه، فيجحدون ما أنزله الله من معانيه] وهو في معنى الكفر بذلك؛ لأن الإيمان باللفظ بلا معنى هو من جنس إيمان أهل الكتاب، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ الجمعة: ٥، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ البقرة: ٧٨، أي: إلا تلاوة من غير فهم معناه. وليس هذا كالمؤمن الذي فهم ما فهم من القرآن فعمل به، واشتبه عليه بعضه فوكل علمه إلى الله، كما أمره النبي - ﷺ - بقوله: «فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه» (٢)، فامتثل ما أمر به - ﷺ - " (٣).