من الأصول المقررة عند أهل السنة التي جرى عليها عمل الحكام، والأمراء، والقضاة والعلماء من أهل السنّة، عقوبة المبتدع إن كان داعية لبدعته أو معلنًا لها؛ ذلك لأن العقوبة من باب إنكار المنكر، والإنكار لا يكون إلا على من أظهر المنكر بخلاف المستتر فإنه لا ينكر عليه (٢).
قال شيخ الإسلام - ﵀ - مبينًا أن التحذير من أهل البدع من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: " والداعي إلى البدعة مستحق العقوبة باتفاق المسلمين، وعقوبته تكون تارة بالقتل، وتارة بما دونه كما قتل السلف جهم بن صفوان (٣) والجعد بن درهم (٤) وغيلان القدري (٥) وغيرهم، ولو قدر أنه لا يستحق
العقوبة أو لا يمكن عقوبته فلا بد من بيان بدعته والتحذير منها، فإن هذا من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أمر الله به ورسوله" (٦).
_________________
(١) ينظر: موقف أهل السنة من أهل الأهواء والبدع للرحيلي (٢/ ٥٨٧ - ٥٩٢).
(٢) ينظر: موقف أهل السنة من أهل الأهواء والبدع (٢/ ٦١٣).
(٣) الجهم بن صفوان أبو محرز الراسبي من موالي بني راسب من أهل خرسان، ينسب إلى سمرقند وترمذ، وهو رأس فرقة الجهمية، وإليه تنسب، وكان صاحب مجادلات ومخاصمات. قال الذهبي عنه: " الضال المبتدع، رأس الجهمية، من أشهر بدعه نفي الصفات، وقوله بإرجاء (الإيمان هو المعرفة فقط)، وبالجبر، وبفناء الجنة والنار؛ هلك في ١٨٨ هـ". ينظر ترجمته في: السير (٦/ ٢٦ - ٢٧)، ميزان الاعتدال (١/ ٤٢٦)، لسان الميزان (٢/ ١٤٢)، تاريخ الإسلام للذهبي (ص ١٢١ - ١٤٩).
(٤) هو: الجعد بن درهم، من الموالي، عداده في التابعين، مبتدع ضال، أول من أنكر الصفات وأظهر مقالة التعطيل، قتل بالعراق بسبب ذلك، يوم النحر، قتله خالد بن عبد الله القسري بأمر من هشام بن عبد الملك في العراق يوم النحر، وهو شيخ جهم بن صفوان الذي تنسب إليه الطائفة الجهمية واختلف في سنة وفاته، قال د. عبد الرحمن التركي: ولعلها في (١٠٦ - ١١٠ هـ) لأن القسري استفتى الحسن البصري في قتله والبصري توفي سنة (١١٠ هـ). ينظر: الكامل في التاريخ (٥/ ١٦٠)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٤٣٣)، ميزان الاعتدال (١/ ٣٩٩)، البداية والنهاية (١٠/ ١٩)، الأعلام (٢/ ١٢٠).
(٥) هو: غيلان بن مسلم - وقيل يونس، وقيل مروان- الدمشقي، أبو مروان، ثاني من تكلم بالقدر ودعا إليه، لم يسبقه سوى معبد، أفتى الأوزاعي بقتله، فصلب بدمشق في عهد هشام بن عبد الملك بعد سنة (١٠٥ هـ). ينظر: لسان الميزان (٤/ ٤٢٤)، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة للبلخي والقاضي عبد الجبار (ص ٢٢٩)، الفهرست لابن النديم (ص ١٧١).
(٦) مجموع الفتاوى (٣٥/ ٤١٤).
[ ٥٩ ]
وإذا ثبت ذلك فيعلم أن عقوبة أهل البدع، المظهرين لبدعهم وغيرهم من المجاهرين بالفسق والفجور، تكون حسية، ومعنوية.
فالمعنوية: مثل ترك الصلاة خلفهم، وعليهم، وترك مناكحتهم، وعيادتهم وترك السلام عليهم، ومجالستهم، وعدم قبول روايتهم وشهادتهم، وغيرها من أنواع العقوبات.
أما الحسية: فهي ما كان تأثيرها مباشرًا على البدن أو المال. وقد دلت عليها النصوص ودل عليها عمل السلف، وهي إما أن تكون بالقتل تارة أو بما دونه من أنواع العقوبات البدنية والمالية.
أما عقوبة المبتدع الداعية بالقتل فلها مقصدان:
أحدهما: قتله رِدةً إذا اعتقد ما يكفر به، أو صدر منه قول أو فعل مكفر وثبتت عليه الحجة بذلك (١)، دل على ذلك قول النبي - ﷺ -: «من بدل دينه فاقتلوه» (٢).
الثاني: قتلهم دفعًا لفسادهم وحماية للناس من فتنتهم وشرهم، إذا لم يمكن دفع شرهم إلا بالقتل؛ ويقتل الكافر منهم وغير الكافر ما دام أنه داعية لبدعته ويخشى الافتتان به (٣).
وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - عن أئمة السلف أن قتلهم لبعض أهل البدع إما ردة لكفرهم، وإما لأجل إفسادهم في الأرض بقصد حماية الناس منهم قال: " والأئمة الذين أمروا بقتل هؤلاء الذين ينكرون رؤية الله في الآخرة ويقولون: القرآن مخلوق، ونحو ذلك، قيل: إنهم أمروا بقتلهم لكفرهم، وقيل: لأنهم إذا دعوا الناس إلى بدعتهم أضلوا الناس، فقتلوا لأجل الفساد في الأرض وحفظًا لدين الناس أن يضلوهم" (٤).
_________________
(١) كمن سب الله تعالى أو الرسول - ﷺ - أو استخف بالقرآن، أو جحد شيئًا منه كما عليه بعض الزنادقة والباطنية وأصحاب وحدة الوجود والحلولية، وملاحدة الفلاسفة ومن في حكمهم. ينظر: الصارم المسلول على شاتم الرسول لابن تيمية (ص ١٥٣)، الإجماع لابن المنذر (ص ١٥٣)، السنة للخلال (١/ ٥٣٢)، الرد على الجهمية (ص ١٤)، فضائح الباطنية للغزالي (ص ١٥٦).
(٢) رواه البخاري في كتاب الجهاد باب لا يعذب بعذاب الله برقم (٣٠١٧).
(٣) كما قتل السلف جهم بن صفوان، والجعد بن درهم، وغيلان القدري وغيرهم. ينظر: مجموع الفتاوى (٣٥/ ٤١٤).
(٤) مجموع الفتاوى (١٢/ ٥٢٤).
[ ٦٠ ]
أما عقوبة أهل البدع بما دون القتل فثابت عن السلف، وهذه العقوبات غير مقدرة؛ لأن الأصل في التعزير أنه غير مقدر لا جنسه ولا صفته، وإنما يرجع إلى اجتهاد الحاكم، وولاة الأمور من القضاة وغيرهم (١).
بهذا يتضح أن أهل العلم كانوا حماة للعقيدة، حراسًا للشريعة؛ فما يظهر باطل إلا ويتهافت بين يدي علمهم، فجزاهم الله عنا خيرًا.
وقد شاء الله لدعوتهم التكامل لمسيرة الإسلام مع الرحمة لأتباعه والشفقة عليهم من مجانبة صوابه، وتلك مشيئة الله وحكمته ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ الصف: ٨ (٢).
وبمعرفة ما مضى يُعرف سبب شدة السلف والعلماء ومن بعدهم على البدع وأهلها، وإعظامهم أمرها، ووصفهم لها بأنها من مبادئ الكفر ومظانه، وأنها مشتقة منه، وأنها شعبةٌ من شعبه، وبريدٌ إليه (٣)، قال شيخ الإسلام: " فإن البدع لا تزال تخرج الإنسان من صغير إلى كبير حتى تخرجه إلى الإلحاد والزندقة" (٤). عياذًا بالله من ذلك.
_________________
(١) ومن هذه العقوبات جلدهم، وكذلك سجنهم ونفيهم وتغريبهم، وإهانتهم، وتحريق كتبهم وإتلافها، وهدم وتحريق أماكنهم التي يجتمعون فيها للبدع كبيوتهم ومساجدهم وغير ذلك من أنواع التعزير التي دلت عليها النصوص وأقوال السلف وأفعالهم. ينظر: موقف أهل السنة من أهل الأهواء والبدع (٢/ ٦١٣ - ٦٣١).
(٢) ينظر: شرح السنة (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧)، عقيدة السلف أصحاب الحديث لأبي إسماعيل الصابوني (ص ١١٢)، تاريخ المذاهب الإسلامية لأبي زهرة (ص ٨٨)، رسالة (هجر المبتدع) للشيخ بكر أبو زيد (ص ٣٢)، موقف أهل السنة من أهل الأهواء والبدع للرحيلي (٥٨٧ - ٥٩٢)، التفسير السياسي للقضايا العقدية في الفكر العربي لسلطان العميري (ص ٩٥ - ٩٧)، البدع العلمية المتعلقة بالقرآن الكريم لأحمد آل عبد الكريم (ص ٥ - ٦).
(٣) ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦١٢)، ومجموع الفتاوى (٢/ ٢٣٠ - ٢٦٩)، ودرء التعارض (٥/ ٢٠٩).
(٤) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٣٠٦).
[ ٦١ ]