إن الله لا يوفق للهداية (٣) من هو مصاحب للباطل، مفتر على الله، كافر بآياته، ومن الأدلة على هذا المعنى؛ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ
_________________
(١) هذا المعنى ينطبق في حق المعرضين عن الحق والدليل أمثال أصحاب الأديان والفرق الباطنية المنحرفة، أما من كان له دليل سائغ محتمل لاجتهاده فلا يكون داخلا ضمن هذا المعنى.
(٢) بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: موسى الدويش، (ص ٣٤١)، وينظر: لوامع الأنوار البهية (١/ ٣٩٥).
(٣) هذه الهداية الخاصة وهي هداية التوفيق، هي التي افترق الناس فيها، فأثبتها أهل السنة، وأنكرتها المعتزلة والقدرية، وهذه الهداية - هدايتهم الصراط المستقيم - هي هداية أوجبتها طاعة الله ورسوله - ﷺ -، فطاعتهما محفوفة بهدايتين: هداية قبلها وهي سبب الطاعة، وهداية بعدها هي ثمرة لها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (سورة النساء آية: ٦٩). ينظر: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، لسليمان، سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (المتوفى: ١٢٣٣ هـ) (ص ٤٨٩).
[ ١٠٤ ]
الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ النساء: ٦١.وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ النحل: ٣٧، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾ الزمر: ٣، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (١) (٧٤)﴾ المؤمنون: ٧٤.
قال النبي - ﷺ -: «إن الله قد حجز التوبة عن كل صاحب بدعة» (٢)؛ أنكر شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - القول بعدم قبول توبته مطلقًا فقال: "قال طائفة من السلف منهم الثوري (٣): "البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها". وهذا معنى ما روي عن طائفة أنهم قالوا: "إن الله حجر التوبة على كل صاحب بدعة" بمعنى أنه لا يتوب منها؛ لأنه يحسب أنه على هدى (٤)، ولو تاب لتاب عليه، كما يتوب على الكافر، ومن قال: إنه لا يقبل توبة مبتدع مطلقًا، فقد غلط غلطًا منكرًا، ومن قال: ما أذن الله لصاحب بدعة في توبة، فمعناه ما دام مبتدعًا يراها حسنة لا يتوب منها، كما يرى الكافر أنه على ضلال، وإلا فمعلوم أن كثيرًا ممن كان على بدعة تبين له ضلالها، وتاب الله عليه منها، وهؤلاء لا يحصيهم إلا الله" (٥).
_________________
(١) والناكب: العادل عن شيء، المعرض عنه، وفعله كنصر وفرح. وكأنه مشتق من المنكب وهو جانب الكتف; لأن العادل عن شيء يولي وجهه عنه بجانبه. ينظر: زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي (٣/ ٢٦٨).
(٢) رواه الإمام ابن أبي عاصم في السنة، باب ما ذكر عن النبي خ أنه قال: لا يقبل الله عمل صاحب بدعة، عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن الله حجز - أو قال حجب - التوبة عن كل صاحب بدعة) (١/ ٢١) برقم (٣٧)، ورواه الإمام ابن وضاح في البدع والنهي عنها، باب هل لصاحب البدعة توبة (ص ٦٢)، وذكره عن أنس، وقال عنه الهيثمي في المجمع: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح غير هارون بن موسى الفروي وهو ثقة (١٠/ ١٥٤). وقد صححه الشيخ الألباني كما في السلسلة الصحيحة (٤/ ١٥٤) برقم (١٦٢٠). ينظر: الاعتصام للشاطبي (١/ ٢١٤).
(٣) أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الإمام المشهور، أحد حفاظ الحديث وأعلام السنة، مات سنة ١٦١ هـ. ينظر: تقريب التهذيب (ص ١٢٨).
(٤) وسبب هذه البدع جهل أهلها وقصورهم في الفهم، وعدم أخذ العلوم الشرعية على وجهها، وتلقيها من أهلها العارفين لمعناها الذين وفقهم الله تعالى لمعرفة المراد، والتوفيق بين النصوص، والقطع بأن بعضها لا يخالف بعضا، ورد المتشابه إلى المحكم. وهذه طريقة أهل السنة والجماعة في كل زمان ومكان، فلله الحمد لا نحصي ثناء عليه. ينظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص ٤٠٦).
(٥) ينظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٦٨٤ - ٦٨٥)، وحقيقة البدعة وأحكامها لسعيد بن ناصر الغامدي (٢/ ٣٨٨ - ٤١٤).
[ ١٠٥ ]