المجادلة: مصدر جادل: وهو مقابلة الحجة بالحجة، ذكره ابن الأثير (٣).
وقال الراغب الأصفهاني (٤): " الجدال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة وأصله من جدلت الحبل: أي أحكمت فتله" (٥).
ويعلم أن ما ثبت في النصوص وكلام السلف من الذم للجدال وأهله والتحذير من مجادلة أهل البدع-ليس على عمومه، بل جاء الأمر ببعض صور المجادلة والثناء عليها في بعض النصوص من الكتاب والسنة فالمجادلة تكون محمودة أو مذمومة تبعًا لموضوع المجادلة، فإن كانت المجادلة في أصل من أصول الدين يمكن أن يظهر الحق فيه بالمجادلة والمناظرة، فالمجادلة فيه ممدوحة (٦)
على ما جرى بذلك فعل السلف فإنهم كانوا
_________________
(١) هو: الحسن بن ثواب، أبو علي التغلبي المخرمي، من خواص تلاميذ الإمام أحمد، روى عنه الخلال، وقال عنه: شيخ جليل القدر، وقال عنه الدارقطني: بغدادي ثقة، مات سنة (٢٦٨ هـ). ينظر: طبقات الحنابلة (١/ ٣٥٢).
(٢) الآداب الشرعية لابن مفلح (٢/ ٣٨ - ٣٩).
(٣) ينظر: النهاية في غريب الحديث (١/ ٢٤٧).
(٤) هو: أبو القاسم الحسين بن محمد بن مفضل الراغب الأصفهاني، كان من حكماء الإسلام له تصانيف كثيرة منها: غرة التنزيل ودرة التأويل، وكتاب الذريعة، توفي سنة (٤٠٢ هـ) على الراجح. ينظر: تاريخ حكماء الإسلام للبيهقي (ص ١١٢ - ١١٣).
(٥) النهاية (١/ ٢٤٨).
(٦) والمجادلة بوجه عام تنقسم إلى قسمين: محمودة: وهي ما كانت لإثبات الحق أو دفع الباطل، أو للتعليم والاستيضاح فيما يشكل من المسائل، وهذا مأمور به إما وجوبًا أو استحبابًا بحسب الحال لقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ النحل: ١٢٥. مذمومة: وهي ما كانت لرد الحق أو لنصرة الباطل، أو كانت فيما نهى الله ورسوله عن الجدال فيه كالمجادلة في المتشابه، وفي الحق بعد ما تبين أو كانت لحظ النفس، كإظهار الفطنة والذكاء والعلم، مراءاة للناس، والتعصب للرأي، أو لا يمكن التوصل إلى الحق فيها لقصور العلم البشري عن إدراكه فالمجادلة فيها مذمومة، فهذا قبيح منهي عنه لقوله تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥)﴾ غافر: ٥. ينظر: شرح لمعة الاعتقاد لابن عثيمين (ص ١١٢)، الرد على المخالف لبكر أبو زيد (ص ٤٨)، موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع (٢/ ٦٠٨).
[ ٥٧ ]
يناظرون أهل البدع في كثير من المسائل المتعلقة بأصول الدين (١)؛ فقد اجتهدوا في دفعها وبيان خطئها.
قال الشافعي (٢) - ﵀ -: "قال كثير من أئمة السلف ناظروا القدرية بالعلم (٣) فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوا فقد كفروا" (٤)؛ وقد نبه شيخ الإسلام - ﵀ - على أنه إذا ظهرت البدعة في محل، كان علماء السنة فيه هم الذين يتصدرون لردها وإبطالها (٥).
ومناظرتهم لأهل البدع أشهر من أن تذكر، وأكتفي بالإشارة إلى بعضها فمنها: مناظرة علي وابن عباس -﵄- للخوارج، على ما هو مبسوط في كتب السنة والفرق. ومناظرة عمر بن عبد العزيز - ﵀ - لغيلان الدمشقي القدري حتى انقطع، وأعلن التوبة، إلا أنه عاد بعد موت عمر، روى ذلك اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة. وناظر عمر أيضا الخوارج على ما نقل ذلك ابن عبد البر. وناظر الأوزاعي قدريا طلب المناظرة، فحجه وقد روى ذلك اللالكائي. وكذا الإمام الشافعي ناظر حفص الفرد فغلبه نقل ذلك أبو نعيم في الحلية. ومناظرات الإمام أحمد للجهمية بمحضر الخليفة مشهورة، ذكر بعضها الإمام نفسه في كتاب الرد على الزنادقة والجهمية
_________________
(١) ينظر: موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع (٢/ ٥٩٥، ٦٠٧، ٧٢٠).
(٢) هو الإمام العلم أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان الشافعي القرشي المطلبي كان حافظًا للحديث بصيرًا بعلله، عالمًا بالفقه وأصوله، ذا معرفة بكلام العرب، واللغة والعربية والشعر، وكان أول من تكلم في أصول الفقه، توفي بمصر سنة (٢٠٤ هـ)، وله عدة مصنفات منها: الأم في الفقه، والرسالة، واختلاف الحديث. ينظر: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (٢/ ٥٤)، وفيات الأعيان لابن خلكان (٤/ ٢١)، تذكرة الحفاظ للذهبي (١/ ٣٦١)، شذرات الذهب (٢/ ٩).
(٣) أي: بصفة العلم التي اتصف الله تعالى بها.
(٤) شرح الطحاوية (ص ٣٥٤).
(٥) ينظر: الإيمان (ص ٢٩٥)، والفتاوى (٧/ ٣٥١) (٨/ ٢٢٩) (١٣/ ١٨٢ - ١٨٣) (١٤/ ٣٥١)، وفي هذا إيقاظ مهم لأهل العلم ودعاة الحق فيما يركزون عليه في دعوتهم، ووجوب النظر إلى ما يحتاجه أهل زمانهم، والله المستعان.
[ ٥٨ ]
وغير ذلك من مناظرات السلف لأهل البدع، فظهر بهذه ما يؤكد عناية السلف -﵏- تعالى بالرد على أهل الباطل (١).