١ - أن البدعة إحداث في الدين وزيادة على المشروع، فيخرج بذلك ما أحدث في أمور الدنيا من أجل تحقيق مصالح دنيوية.
_________________
(١) وبين شيخ الإسلام هذا بقوله: "فأما ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب، وعلم الأمر به بالأدلة الشرعية: فهو من الدين الذي شرعه الله، وإن تنازع أُوُلو الأمر في بعض ذلك، وسواء كان هذا مفعولا على عهد النبي - ﷺ - أو لم يكن". مجموع الفتاوى (٤/ ١٠٧ - ١٠٨).
(٢) هو: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي، محدث، فقيه أصولي لغوي، كان من أئمة المالكية، مات سنة (٧٩٠ هـ)، وله مؤلفات منها: الموافقات، وكتاب الاعتصام. ينظر: معجم المؤلفين (١/ ٧٧)، والأعلام (١/ ٧٥).
(٣) الاعتصام (١/ ٣٧).
(٤) هو عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، أبو الفرج، زين الدين، السلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، سلفي حنبلي، من مؤلفاته: جامع العلوم والحكم، فتح الباري شرح صحيح البخاري، القواعد الفقهية، توفي سنة ٧٩٥ هـ. ينظر: الدرر الكامنة (٢/ ٣٢١)، شذرات الذهب (٦/ ٢٣٠).
(٥) جامع العلوم والحكم (ص ٢٦٥).
(٦) هو عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد، المشهور بجلال الدين السيوطي، أشعري المعتقد، شافعي المذهب، مكثر من التصنيف، من مصنفاته: الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع، الخصائص الكبرى، شرح الصدور بأحوال الموتى والقبور وغيرها، توفي سنة ٩١١ هـ. ينظر: الضوء اللامع (٤/ ٦٥ - ٧٠)، شذرات الذهب (٨/ ٥١).
(٧) الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع (ص ٨٨).
[ ٢٤ ]
٢ - أن البدعة ليس لها أصل في الشرع يدل عليها، أما ما دلت عليه قواعد الشريعة فليس ببدعة (١)، وإن لم ينص الشارع على عينه، ومثال ذلك من واقعنا المعاصر: من صنع آلة حربية كطائرة أو صاروخ، أو دبابة، أو غيرها من وسائل الحرب الحديثة قاصدا بذلك الاستعداد لقتال الكفار، والذب عن المسلمين، ففعله هذا ليس بدعة، مع أن الشرع لم ينص على عينه، ولم يستخدم الرسول - ﷺ - مثل هذه الآلات في قتال الكفار، لكن صناعة مثل هذه الآلات داخلة تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ الأنفال: ٦٠، وهكذا بقية الأفعال، فكل ما له أصل في الشرع فهو من الشرع وليس ببدعة.
٣ - أن البدعة كلها مذمومة فلا توجد بدعة حسنة كما يزعم محسنو البدع؛ لأن البدع مصادمة للشريعة مضادة لها، فهي مذمومة على كل حال، وقد أبرزت كل التعريفات هذا الجانب المهم (٢).
٤ - البدعة في الدين قد تكون بالنقص فيه كما تكون بالزيادة فيه (٣)، نص على هذا السيوطي، غير أنه يحتاج إلى تقييد بأن يكون الباعث على النقص هو التدين، أما إذا كان الباعث عليه غير التدين فليس ببدعة كترك أمر واجب لغير عذر فإنه معصية لا بدعة، وكذلك ترك شيء من النوافل لا يعد بدعة.
هذا أهم ما اشتملت عليه التعريفات السابقة للبدعة من أحكام، وقد ظهر من خلالها تحديد مفهوم البدعة في الشرع، واتضحت الضوابط الصحيحة لتعريفها (٤).
كما أن (البدعة) تستعمل في الخير والشر، إلا أنها أكثر ما تستعمل عرفا في الذم.
_________________
(١) قواعد الأحكام (٢/ ١٧٢ - ١٧٤).
(٢) مجموع الفتاوى (١١/ ٥٥٥) (١٨/ ٣٤٦)، والاستقامة (١/ ٤٢).
(٣) إيثار الحق على الخلق لأبي عبد الله محمد بن المرتضى اليماني (ص ٨٤ - ٨٨).
(٤) موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع، أ. د. إبراهيم الرحيلي (ص ٩١ - ٩٣)، وينظر: الاعتصام (١/ ٣٨)، وقواعد في معرفة البدع (ص ٢٢).
[ ٢٥ ]
كما نص على ذلك ابن الأثير في النهاية (١)، وكما بين ذلك السفاريني (٢) في لوائح الأنوار، بقوله: " وقد غلب لفظ البدعة على الحدث المكروه في الدين مهما أطلق هذا اللفظ، ومثله المبتدع لا يكاد يستعمل إلا في الذم. وأما من حيث أصل الاشتقاق فإنه يقال ذلك في المدح والذم؛ لأن المراد أنه شيء مخترع على غير مثال سابق، ولهذا يقال في الشيء الفائق جمالًا ما هو إلا بدعة، فإن قلت: المحدثات منقسمة إلى بدعة مستحسنة وإلى بدعة مستقبحة، فالأمر كذلك، ولكن تسمية المستحسن من ذلك بدعة على سبيل التوسع والمجاز، وإلا فالبدع المراد بها: ما خالف المشروع، وتعدى به إلى الممنوع " (٣).
ويمكن مما سبق تحديد معنى البدعة في الشرع بأنها ما جمع القيود السابقة، ولعل التعريف الجامع لهذه القيود أن يقال: البدعة هي: ما أحدث في دين الله، بقصد التعبد، من غير دليل معتبر شرعًا -والله أعلم-.
ومن هذا المعنى سمي العمل الذي لا دليل عليه في الشرع بدعة، وهو إطلاق أخص منه في اللغة، فالبدعة في اللغة أعم منها في الشرع (٤) كما يظهر من خلال التعريفين اللغوي والشرعي للبدعة.
_________________
(١) ينظر: النهاية (٤/ ١٠٧ - ١٠٨).
(٢) هو محمد بن أحمد بن سليمان السفاريني النابلسي، شمس الدين، سلفي حنبلي، من مؤلفاته: الدرة المضيئة في عقيدة الفرقة المرضية وشرحها، لوامع الأنوار البهية وسواطع الأثرية، والذخائر لشرح منظومة الكبائر، توفي سنة ١١٨٨ هـ. ينظر: سلك الدرر للمرادي (٤/ ٣١)، الأعلام للزركلي (٦/ ١٤).
(٣) لوائح الأنوار شرح الحائية (١/ ١٧٣ - ١٧٥).
(٤) ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية (٢/ ٥٩٠).
[ ٢٦ ]