فمن الآثار الضارة للبدع المتقابلة: إماتة السنة؛ لأنها ما ظهرت بدعة إلا ومات في مقابلها سنة؛ لأن البدع مفسدة للقلوب، مزاحمة للسنة في إصلاح النفوس، فهي أشبه ما تكون بالطعام الخبيث، وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام - ﵀ -: "الشرائع أغذية القلوب، فمتى اغتذت القلوب بالبدع لم يبق فيها فضل للسنن، فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث" (٢).
وظهور البدع علامة دالة على ترك السنة، قال ابن عباس - ﵄ -: "ما أتى على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدع وتموت السنن" (٣).
وكلما كان التفرق في الأمة المسلمة أشد كان ذلك دليلًا على كثرة السنن التي أضيعت، وكثرة البدع التي أحدثت، وهذا مضمون قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ الأنعام: ١٥٣، فإن الجمع هنا يفيد أنها طرق متشعبة متعددة كثيرة مختلفة (٤)، فكلما سلك سبيل منها فقد أضيعت سنة وأحدثت بدعة.
_________________
(١) ينظر: يراجع: الاعتصام (١/ ١١٤ - ١٢٥)، والبدعة والمصالح المرسلة (ص ٢٠٩ - ٢١٩). وكتاب البدع الحولية لعبد الله التويجري (ص ٧٥ - ٨٠)، ضوابط استعمال المصطلحات العقدية والفكرية عند أهل السنة والجماعة، د. سعود بن سعد بن نمر العتيبي (ص ١٣١ - ١٤٠).
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٥٩٧).
(٣) رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون. قاله الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٨٨)، باب في البدع والأهواء.
(٤) ينظر: البرهان في علوم القرآن (٤/ ١٢)، بدائع الفوائد (١/ ١٢٦ - ١٢٧).
[ ٦٢ ]
ولهذا عظمت الشريعة النكير على من أحدث البدع وحذرت منها؛ لأن البدع لو خرج الرجل منها كفافًا - لا له ولا عليه- لكان الأمر خفيفًا، بل لا بد أن توجب له فسادًا في قلبه ودينه ينشأ من نقص منفعة الشريعة في حقه؛ إذ القلب لا يتسع للعوض والمعوض عنه (١).
وإذا كان التفرق نفسه متضمنا لإضاعة السنن وإفشاء البدع، فلا شك في أن البدع المتقابلة تفرق الدين وتكون من أعظم ما يكون به فساد ذات البين، فهي إذًا من أعظم أسباب وهاء الدين وذهابه، ولا يقف أثرها عند هذا الحد (٢)، بل يتعداه إلى آثار أخرى أكثر ضررًا.