الله تعالى حكيم في حكمه وأحكامه حيث وضع الموازين التي توزن بها الأعمال بدقة متناهية فهي صنع الله كما قال تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ النمل: ٨٨، وكل بدعة هي خروج عن الدين إما إلى إفراط وإما إلى تفريط؛ فما من بدعة ظهرت في الإسلام، إلا وظهرت بدعة أخرى تناقضها، وهذا الأمر إذا تأمله العارف عرف أن الحق لا يُعرف بالمقابلة، ولا يكون طرفًا مناقضًا من كل وجه.
_________________
(١) فالخوارج يكاد لكل واحد اعتقاد يخصه، ويجمعهم التكفير بالذنوب- والجهمية والمعتزلة نجدهم فرقًا مفترقة لا يجتمعون على قول، وإن تشابهت أصولهم العامة - والرافضة لم يجتمعوا على إمام ولا أصل وقد تحولوا على مجسمة ثم إلى معطلة ولا تزال مذاهبهم أخلاطًا من هذه الفرق وغيرها. - الصوفية لا تجمعهم عقيدة ولا ينظمهم أصل وكل حزب بما ليديهم فرحون وكذلك سائر الفرق المفترقة. ينظر: دراسات في الفرق والأهواء (١/ ٤٦٨ - ٤٦٩).
(٢) ومثال ذلك: أبو الحسن الأشعري كان معتزليًا ثم كلابيًا وأخيرًا استقر على مذهب السلف، لكن بلوثات كلامية؛ ناهيك عن أمثال الآمدي والجويني والغزالي والرازي قبل رجوعهم عن علم الكلام وتوبتهم منه؛ فبدؤوها شبرًا حتى صارت أميالًا.
(٣) ينظر: درء التعارض (١/ ١٨١).
(٤) إعلام الموقعين (١/ ١٠٥ - ١٠٦).
[ ٧٤ ]
والتفريط هو التساهل في الدين، والإفراط هو التشدد في الدين، وكلاهما منهي عنه شرعًا وموقع في الأهواء والبدع، فالتساهل إعراض، والتشدد ابتداع.
قال شيخ الإسلام - ﵀ -: " وإنما جماع الشرِّ تفريط في حق أو تعدٍّ إلى باطل، وهو تقصير في السنة أو دخول في البدعة، كترك بعض المأمور وفعل بعض المحظور، أو تكذيب بحق وتصديق بباطل؛ ولهذا عامة ما يؤتى الناس من هذين الوجهين، فالمنتسبون إلى أهل الحديث والسنة والجماعة يحصل من بعضهم، كما ذكرت، تفريط في معرفة النصوص أو فهم معناها أو القيام بما تستحقه من الجهة ودفع معارض، فهذا عجز وتفريط في الحق، وقد يحصل منهم دخول في باطل: إما في بدعة ابتدعها أهل البدع وافقوهم عليها واحتاجوا إلى إثبات لوازمها، وإما في بدعة ابتدعوها هم لظنهم أنها من تمام السنة كما أصاب الناس في مسألة كلام الله وغير ذلك من صفاته" (١).
وقال ابن الوزير - ﵀ -: " اعلم أن منشأ معظم البدع يرجع إلى أمرين واضح بطلانهما الزيادة في الدين بإثبات مالم يذكره الله تعالى ورسوله -﵇- من مهمات الدين والنقص منه بنفي بعض ما ذكره الله تعالى ورسوله - ﷺ - من ذلك بالتأويل الباطل ولهذين الأمرين الباطلين أصلان: عقلي وسمعي.
أما العقلي: أنه عرض للمبتدعة بسبب الخوض فيما لا تدركه العقول مما أعرض عنه السلف، نحو ما عرض للبراهمة الذين حكموا برد النبوات فلزمهم ما التزموا من أن رسل الله -﵈- قصروا في البيان عمدًا امتحانًا للمكلفين، وتعريضًا للعلماء الراسخين في تأويل كلام رب العالمين.
وأما الأصل الثاني وهو السمعي: فهو اختلافهم في أمرين أحدهما: في معرفة المحكم والمتشابه أنفسهما والتمييز بينهما حتى يرد المتشابه إلى المحكم، وثانيهما: اختلافهم هل يعلمون تأويل المتشابه ثم اختلافهم في تأويله على تسليم أنهم قد عرفوا المتشابه فطلبوا العلم من غير مظانه بل طلبوا علم ما لا يعلم فتعارضت أنظارهم العقلية وعارض بعضهم بعضا في الأدلة السمعية" (٢).
_________________
(١) الصفدية (١/ ٢٩٣).
(٢) مختصر عن إيثار الحق على الخلق (ص ٨٥) وما بعدها، ينظر: دراسات في الفرق والأهواء (ص ٣٥١).
[ ٧٥ ]
فمن سمات أهل البدع أنهم لا يوفقون إلى الوسطية، فهم بين الغلو والتقصير، فمنهم غلاة، ومنهم مقصرون، ومنهم من يجمع بين الغلو من جهة، والتقصير من جهة أخرى.
وبالنظر إلى ما سبق ذكره من الآثار المترتبة على البدع المتقابلة يدلنا ذلك دلالة واضحة على أنها هي الفتنة التي أفسدت عليهم تصوراتهم العقلية للمنهج الحق.
[ ٧٦ ]