ومن آثارها: مفارقة أهلها للجماعة، وشق عصا الطاعة؛ لأنهم اعتمدوا على أهوائهم وفرحوا بما عندهم، ومن اتبع هواه خرج عن جادة الصواب.
وقد حذر الله من ذلك بقوله ﷿: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الأنعام: ١٥٣، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ الروم: ٣١ - ٣٢، وقال - ﷺ -: «افترقت اليهود على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة». وفي رواية: «كلها في النار، إلا واحدة: وهي الجماعة» (٣). فالنبي - ﷺ - قد أخبر عن وقوع الفرقة في أمته، وسبب هذا الافتراق هو مخالفة أهل الأهواء الضالة - كالقدرية، والخوارج، والروافض وما شابههم- ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة في أبواب أنواع التوحيد، والوعد والوعيد، والقدر والخير والشر، والإدارة والمشيئة، والرؤية والإدراك، وصفات الله -﷿- وأسمائه .. وغير ذلك، فسبب مفارقتهم لجماعة المسلمين هو إحداثهم للبدع المتقابلة التي ما أنزل الله بها من سلطان.
_________________
(١) ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٢١٧).
(٢) ينظر: المباحث العقدية في حديث افتراق الأمم لأحمد سردار (٢/ ٧٩٥).
(٣) رواه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٣٣٢). ورواه أبو داود في سننه كتاب السنة برقم (٤٥٩٦) واللفظ له. ورواه الترمذي في سننه أبواب الإيمان، برقم (٢٧٧٨)، وقال: حديث حسن صحيح، ورواه ابن ماجه في سننه في كتاب الفتن باب افتراق الأمم برقم (٣٩٩٢)، وأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ١٢٨، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجة برقم (٣٩٩٢)، وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (١٤٢٩).
[ ٦٣ ]
بل وصل التفرق بهم إلى أبعد من ذلك، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ النساء: ٨٢، فإن كل فرقة من رؤوس الفرق التي خالفت الحق وأهله لا تأتلف إلا على الأصل الذي خالفت به الحق؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - حاكيًا صنيعهم: " ثم هؤلاء يجعلون ما ابتدعوه من الأقوال المجملة دينا يوالون عليه ويعادون" (١)، ثم يكون بين أتباعها من الاختلاف الشديد ما يجعل الفرقة الأصلية تنقسم إلى فرق عديدة، ثم يكون بين تلك الفرق المنقسمة عن الفرقة الأم من العداوة والبغضاء والتنافر ما يصل إلى درجة أن تكفر كل فرقة جميع الفرق التي تنتسب معها إلى الفرق الأصلية -فضلا عن غيرها من الفرق المخالفة لها (٢). وصدق عليهم ما روي عن عمر بن عبد العزيز - ﵀ - أنه قال: "من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل" (٣).
قال شيخ الإسلام - ﵀ -: " والبدعة مقرونة بالفرقة، كما أن السنة مقرونة بالجماعة" (٤).
قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ البقرة: ٢٥٣، فأخبر سبحانه أن الأمم لما اختلفوا بعد أنبيائهم وقع القتال بين بعضهم البعض.
وروي عن ابن عباس - ﵄ - قال: " إن بني إسرائيل كانوا على شريعة ومنهاج، ظاهرين على من ناوأهم، حتى تنازعوا في القدر، فلما تنازعوا اختلفوا وتباغضوا وتلاعنوا واستحل بعضهم حرمات بعض، فسلط عليهم عدوهم فمزقهم كل ممزق" (٥)، وكما وقع الاقتتال وغيره في فرق الأمم قبلنا؛ فقد وقع في هذه الأمة أيضًا، قال ابن حزم - ﵀ -: " اعلموا -رحمكم الله- أن جميع فرق الضلالة لم يجر الله تعالى قط على أيديهم خيرًا، ولا فتح بهم من بلاد الكفر قرية، ولا رفع للإسلام راية، وما زالوا يسعون في قلب نظام المسلمين، ويفرقون كلمة المؤمنين، ويسلون السيف على أهل الدين، ويسعون في الأرض مفسدين .. أما الخوارج والشيعة فأمرهم في هذا أشهر من أن يتكلف ذكره ، وأما المرجئة فكذلك،
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٧٦).
(٢) ينظر التنبيه والرد (ص ٩١)، الفرق بين الفرق (ص ٣٦١).
(٣) تهذيب تاريخ دمشق (٧/ ١٤٣).
(٤) الاستقامة (١/ ٤٢).
(٥) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٤/ ٧٠٠) برقم (١١٣٣).
[ ٦٤ ]
إلا أن الحارث بن سريح خرج بزعمه منكرًا للجور، ثم لحق بالترك فقادهم إلى أرض الإسلام، فأنهب الديار وهتك الأستار، والمعتزلة في سبيل ذلك" (١).
وأصحاب البدع المتقابلة هم أصحاب الفرق المفترقة عن طريق السنة والجماعة، المفارقة لأئمة المسلمين وجماعتهم، السالكة لغير سبيل السنة وأهلها، المباينة لنهج السلف الصالح (٢).