ومن آثار البدع المتقابلة: أن صاحب البدعة إذا أصيب بمرضها، لا يرجع عن بدعته، بل يستمر فيها، مبعدة إياه عن طريق الحق، حتى يصعب عليه الرجوع والتوبة، إلا من رحم الله، قال - ﷺ -: «إنَّ من ضِئضِئِ هذا قومًا يَقرَؤونَ القرآنَ، لا يُجاوزُ حَناجِرَهم، يَمرُقونَ منَ الإسلامِ مُروقَ السهمِ منَ الرَّمِيَّةِ، يَقتُلونَ أهلَ الإسلامِ ويَدَعونَ أهلَ الأوثانِ، لئنْ أدرَكتُهم لأُقَتِّلَنَّهم قتلَ عادٍ» (٥). وقال - ﷺ -: «إن الله احتجز التوبة عن كل صاحب بدعة» (٦)، أي: لا يوفقون لها (٧).
فصاحب البدعة لا يتوب عن بدعته، وإن خرج عنها فإنه يخرج إلى ما هو شر منها، أو يُظهرُ الخروج عنها ويصر عليها باطنًا.
_________________
(١) هو: أبو علي محمد بن عبد الوهاب والبصري، إمام في الكلام، أخذ الاعتزال عن شيخه أبي يعقوب الشحام، من تلاميذه: أبو الحسن الأشعري، من مصنفاته: الأصول، النقض على ابن الراوندي، والأسماء والصفات، توفي بالبصرة (٣٠٣ هـ). ينظر: السير للذهبي (١٤/ ١٨٣)، طبقات المعتزلة لابن المرتضى (ص ٨٠)، شذرات الذهب (٢/ ٢٤١).
(٢) هو: أبو هاشم عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي المعتزلي البصري، إمام في الكلام، أخذ الاعتزال عن والده أبو علي الجبائي، من مصنفاته: الجامع الكبير، العرض، المسائل العسكرية، توفي (٣٢١ هـ)، ينظر: السير للذهبي (١٥/ ٦٣)، طبقات المعتزلة لابن المرتضى (٩٤ - ٩٦)، شذرات الذهب (٢/ ٢٨٩).
(٣) ينظر: دلائل ذلك في كتب المقالات، مثل مقالات الإسلاميين (١/ ١٦٩ - ١٧٠)، والفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي (٢٠ - ٢٢)، والملل والنحل للشهرستاني (١٢١ - ١٢٢).
(٤) الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة، لأبي القاسم الأصبهاني (٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦).
(٥) أخرجه البخاري، حديث رقم (٧٤٣٢). وحديث المارقين عن الدين متفق على صحته.
(٦) أورده السيوطي في الجامع الصغير برقم (١٦٦٣)، وقال حديث صحيح، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (١٦٢٠).
(٧) وهذا الحكم بعدم توبة أهل البدع للغالب الأعظم من أهل البدع لا أنه شامل لكل أفرادهم، وبهذا يندفع ما قد يتوهم من تعارض بين ما دلت عليه النصوص وكلام السلف في المسألة من أن أهل البدع لا يوفقون للتوبة وما يشهد به الواقع، من ثبوت رجوع بعضهم وتوبتهم من البدع. ينظر: موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع (١/ ٣٢٤).
[ ٦٧ ]
وعدم توبة صاحب البدعة له أسباب (١)، منها:
أأن الدخول تحت التكاليف في الشريعة صعب على الأنفس؛ لأنه أمر مخالف للهوى، ومحاد للشهوات، فيثقل عليها جدًا؛ لأن الحق ثقيل، والنفس إنما تنشط بما يوافق هواها، لا بما يخالفه، وكل بدعة للهوى فيها مدخل؛ لأنها راجعة إلى نظر مخترعها وهواه، لا إلى نظر الشارع وحجته.
ب أن المبتدع لابد له من تعلق بشبهة دليل، ينسبها إلى الشارع، ويدعي أن ما ذكره هو مقصود الشارع فصار هواه مقصودًا بدليل شرعي في زعمه، فكيف يمكن الخروج من ذلك، وداعي الهوى مستمسك بأحسن ما يتمسك به؟ وهو الدليل الشرعي في الجملة.
ت أن المبتدع يزيد في الاجتهاد لينال في الدنيا التعظيم والمال والجاه، وغير ذلك من أصناف الشهوات، ويرون أن عملهم أفضل من عمل غيرهم، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ الكهف: ١٠٣ - ١٠٤. فسبب ما داخل أنفسهم من الهوى يجد المبتدعة في ذلك الالتزام والاجتهاد، خفة ونشاطًا، يستسهلون به الصعب، ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ المدثر: ٣١.
وقد ذكر الشاطبي - ﵀ - سبب رجوع بعض أهل البدع وتوبتهم من بدعهم، وإصرار بعضهم عليها فلا يتوبون منها، وهم عامة أهل البدع وغالبهم، فقسم الشاطبي أصحاب الأهواء إلى قسمين: قسم أشرب الأهواء وتمكنت منه، وقسم لم يشربها، فمن أشرب البدعة من أصحاب الأهواء لا يتوب منها، ولا يرجع عنها، إلا أن يشاء الله؛ وأما من لم يشربها، ولم تتمكن منه، فهذا هو الذي يمكن أن يتوب منها (٢).
_________________
(١) ينظر: الاعتصام للشاطبي (١/ ١١٤ - ١٢٥)، والبدعة والمصالح المرسلة (ص ٢٠٩ - ٢١٩).
(٢) ينظر: الاعتصام (٢/ ٢٧٠ - ٢٧٤).
[ ٦٨ ]