ومن آثارها: أن المبتدعة لا يقتصر ضلالهم على أنفسهم، وإنما يشيعونه بين الناس، ويدعون إليه قولًا وعملًا، بالحجة الباطلة والتأويل الزائغ والهوى المتسلط، فيتحملون إثمهم وإثم من عمل بهذه البدعة إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ النحل: ٢٥.
ومما يزيد البدع المتقابلة خطورة، ويجعلها أكثر ضررًا وتأثيرًا- أن أهل البدع يعملون على تزيين بدعتهم للناس، ويضيفون عليها صفة الشرعية، فيجعلون بدعتهم في صورة طاعة، فيتصيدون بذلك الجهال وأشباههم (٢)؛ لأن أهل البدع المتقابلة يحرص كل منهم على جمع الجماعات، والسير بهم في بدعته بغير فهم، فأول ما يظهر أهل البدع يكونون أفرادًا، ثم بعد ذلك يتجمع الناس حولهم مفتونين بهم، مدافعين عن ضلالهم، مشيعين ذلك بين الناس، وليس ثمة دليل لديهم إلا اتباع الظن وما تهوى الأنفس، وتقليد أئمتهم المبتدعة (٣).
ومن أساليب إضلالهم: ما قاله ابن عمر - ﵁ - في الخوارج، بأنهم: " انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين" (٤). وهذا منهج كثير من أهل البدع المتقابلة وغير المتقابلة.
وكذلك فإنهم ينسبون مقالتهم إلى من هو جليل القدر عند الناس، ليخدع بذلك الجهال وضعاف العقول؛ ويدخل في هذا مسألة دعوى الإجماع الباطلة: فلا شك أن لدعوى الإجماع أثرا كبيرا في ترويج البدع عند الناس، وخاصة العامة منهم؛ لأنهم بتلبيس هؤلاء المبتدعة ودعواهم الإجماع،
_________________
(١) ينظر: تيسير التفسير للقطان (٢/ ٣٣٠).
(٢) ينظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (٢/ ٤٣٦).
(٣) ينظر: البدع الحولية للتويجري (ص ٧٩).
(٤) أخرجه البخاري في الصحيح كتاب استتابة المرتدين باب الفتح (١٢/ ٢٨٢).
[ ٧٠ ]
يظنون أن هذه البدع قد قام العمل عليها بين المسلمين في القديم والحديث، وفي جميع الأمصار والأقطار، وهذا الأثر تلمسه بوضوح في تشنيعهم على المخالفين لهم في ذلك، والمنكرين عليهم، فتجدهم يصمونهم بأنهم خالفوا ما عليه المسلمون؛ لأنهم ينقلون ويحكون الاتفاق أو الإجماع أو القول بأنه مشهور عن الصحابة أو التابعين أو أهل الحديث أو الأئمة وفي الحقيقة أن الأمر ليس كذلك، مما كان سببًا في التلبيس وعموم الفتنة، وذلك إما لجهلهم، أو تساهلهم، أو توهمهم، أو الكذب من بعضهم. ومما يزيد الأمر خطورةً والأثر عمقًا أن يتُوصل إلى تقرير بعض هذه البدع بالأدلة الشرعية، مما يؤدي -بحد ذاته- إلى تلبيس الحق بالباطل والهدى بالضلال.
ومن الأمثلة على هذه البدع دعوى الإجماع في بدعة شد الرحال لزيارة قبر النبي - ﷺ -، وبدعة التوسل بذات النبي - ﷺ - وغيره من ذوات الأنبياء والصالحين، في حياتهم وبعد مماتهم، وبدعة الإرجاء، وبدعة إنكار الصفات الاختيارية لله تعالى، وغير ذلك (١).
ومن أساليبهم ما ذكره عمر بن عبد العزيز - ﵀ - بقوله: " إذا رأيت قومًا يتناجون بأمر في أمر دينهم دون عامتهم، فهم على تأسيس الضلالة" (٢)؛ والتاريخ شاهد بذلك، فإن البدع إنما ابتدأت همسًا وأحيانًا بقصد الغيرة على الدين، والنصح للإسلام، ثم يؤول الأمر إلى العزلة عن الجماعة وتنافر القلوب وغرس الغل على المخالفين.
فكل صاحب بدعة من البدع المتقابلة قد يجد من شاذ الآراء، أو مشتبهها ما يُفتن به ويُلبس على الناس فيه (٣)؛ ومن هنا تنشأ البدع المتقابلة ويعظم ضررها -والله المستعان-.
_________________
(١) ينظر: دعاوى الإجماع عند المتكلمين في مسائل أصول الدين (ص ٢٨٢ - ٢٨٦)، ودراسات في الفرق والأهواء (١/ ٤٤٨).
(٢) أخرجه الدرامي (٣٠٤)، واللالكائي (٢٥١)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله».
(٣) كنفي عائشة ﵂ للرؤية: - قالت ﵂ لمسروق: من حدثك أن محمدًا رأى ربه فقد كذب - وهي إنما نفت رؤية الله بالعين، وهو قول جمهور أهل العلم، لكن جاء كلامها مطلقا فتمسك به نفاة الرؤية من المعطلة كالمعتزلة وغيرهم على نفي رؤية الله ﷿ في دنيا والآخرة. وقالوا: لأن ما كان نفيه تنزيهًا يكون عامًا في الدنيا والآخرة. وكذلك قول أبي حنيفة بالإرجاء، وكتعلق البعض بموقف ابن الزبير أو ابن الأشعث وسعيد بن جبير في إجازة الخروج على الأئمة، وزعمهم أن ذلك من مناهج السلف. وهذه الآراء كانت من المتشابه الذي وجد فيها أهل البدع المتقابلة بغيتهم في إضلال الناس، والله المستعان. ينظر: دراسات في الأهواء والبدع (١/ ٣٢٨)، وكتاب الإباضية: وفاء الضمانة بأداء الأمانة لمحمد بن يوسف اطفيش تـ (١٣٣٢ هـ) (ص ٣٧٦ - ٣٧٧).
[ ٧١ ]