تجد أهل البدع المتقابلة حيارى متناقضين، وهذه هي طبيعة الباطل، فإنه مختلف متناقض (٣)؛ لأن أصحابه لما خرجوا عن صريح المعقول، وصحيح المنقول، صار في أقوالهم من التناقض والفساد ما لا يعلمه إلا رب العباد، مع دعواهم أنهم أصحاب البراهين العقلية، والمعارف الحكمية، وأن العلوم الحقيقية فيما يقولونه، لا فيما جاءت به رسل الله الذين هم أفضل الخليقة، وأعلمهم بالحقيقة (٤).
_________________
(١) قواعد معرفة البدع للجيزاني (ص ٢٥)
(٢) ينظر: المباحث العقدية في حديث افتراق الأمم لأحمد سردار (٢/ ٧٩٥).
(٣) ينظر: الجواب الصحيح (٤/ ٣٩٥).
(٤) ينظر: منهاج السنة (١/ ٢٩٥).
[ ٧٣ ]
وهذا الاضطراب والتناقض سِمَةٌ عامة في أغلب أهل البدع المتقابلة أفرادًا وفرقًا، فالفرقة الواحدة لا تستقر على رأي أو عقيدة أو موقف وإن جمعتها أحيانًا بعض الأصول العامة، مثل الخوارج والرافضة وسائر الفرق (١)؛ لأن كل أصولهم التي خرجوا بها عن السنة مُحدثة مبتدعة ليس لهم فيها سند شرعي، ولا قدوة من الأئمة الصالحين لذلك نجدهم عرضة للتقلب والتغير وعدم الثبات.
ومن أكثر الفرق تقلبًا أهل الكلام (٢)، قال الإمام أحمد - ﵀ -: " هم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويلبسون على جهال الناس بما يتكلمون به من المتشابه" (٣).
قال ابن القيم - ﵀ -: " وكل من له مسكة عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما ينشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه، وفي أمة إلا فسد أمرها أتم فساد وأكثر أصحاب الجحيم هم أهل هذه الآراء الذين لا سمع لهم ولا عقل، بل هم شر من الحمير، وهم الذين يقولون يوم القيامة: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ الملك: ١٠" (٤).