من أسباب الوقوع في البدع المتقابلة: الجدل بغير حق، والخصومات في الدين، وقد حذر الله -﷾- من ذلك بقوله -﷿-: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ آل عمران: ١٠٥. فقد نهى -﷾- عن الفرقة والاختلاف، بعد مجيء البينات-الكتاب والسنة-؛ حتى لا نكون كالأمم السابقة التي تجادلت وتفرقت واختلفت بسبب بدعهم وأهوائهم.
_________________
(١) الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة لابن بطة العكبري (ص ١٤١).
(٢) هذه من الأبيات التي فاقت شهرتها قائلها حتى نسبة لأكثر من شخص، وينسب هذا البيت لطرفة بن العبد. ينظر: أبيات فاقت شهرة قائليها، لعلي محمد الكفري.
(٣) ينظر: تيسير الكريم الرحمن للسعدي (ص ٤٧٤).
(٤) كما أن الجدل سبب لنشوء البدع المتقابلة، فهو كذلك يحسن أن يكون أثرًا من آثارها.
[ ٥٠ ]
قال - ﷺ -: «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» (١)؛ قال النووي - ﵀ - في شرحه: " الألد شديد الخصومة مأخوذ من لَدِيدَي الوادي، وهما جانباه؛ لأنه كلما احتج عليه بحجة أخذ في جانب آخر، وأما الخَصِم فهو الحاذق بالخصومة والمذموم هو الخصومة بالباطل في رفع حق أو إثبات باطل والله أعلم" (٢).
وقال الإمام جعفر (٣) بن محمد: " إياكم والخصومات في الدين؛ فإنها تشغل القلب وتورث النفاق" (٤).
والسلف الصالح -﵏- جاء نهيهم عن الجدال في الدين في كثير من الآثار نقل بعضها الآجري في الشريعة في (باب ذم الجدال والخصومات في الدين) (٥)، وابن بطة في الإبانة الكبرى في (باب النهي عن المراء في القرآن) (٦)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة في (سياق ما روي عن النبي - ﷺ - في النهي عن مناظرة أهل البدع، وجدالهم والمكالمة معهم والاستماع إلى أقوالهم المحدثة وآرائهم الخبيثة) (٧)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله في (باب ما يكره فيه المناظرة والجدال والمراء) (٨)، والحافظ إسماعيل الأصبهاني (٩) في الحجة في بيان المحجة في (فصل في النهي عن مناظرة أهل البدع وجدالهم والاستماع إلى أقوالهم) (١٠).
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه كتاب الأحكام، حديث رقم (٧١٨٨)، ورواه مسلم في صحيحه كتاب العلم حديث رقم (٢٦٦٨).
(٢) ينظر: شرح النووي لصحيح مسلم (١٦/ ٢١٩).
(٣) هو أبو عبد الله جعفر بن محمد بن علي زيد العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الملقب بالصادق، من أئمة العلم الثقات عارف بالحديث والفقه والخلاف، من شيوخه: عروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، ينسبه الشيعة الإمامية الاثني عشريه إلى أنفسهم، وهو منهم براء، فلقد كان يكره ويغضب ممن يتعرض لأبي بكر الصديق ﵁ يقول: "ولدني أبو بكر مرتين"، وذلك لأن أمه هي: أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وأمها هي: أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، توفي (١٤٨ هـ)، ينظر: السير للذهبي (٦/ ٢٥٥)، وشذرات الذهب (١/ ٢٠).
(٤) اللالكائي (١/ ١٢٨).
(٥) (ص ٥٤).
(٦) (١/ ٦١١).
(٧) (١/ ١١٤).
(٨) (ص ٤١١).
(٩) هو: إسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ الكبير، قوام السنة، أبو القاسم التميمي، الطلحي، الأصبهاني الشافعي، إمام في التفسير والحديث، واللغة والأدب، عارف بالمتون والأسانيد، توفي سنة ٥٣٥ هـ. ينظر: شذرات الذهب (٤/ ١٠٥).
(١٠) (١/ ٣١١).
[ ٥١ ]
فقد جمعت هذه المصادر المئات من الروايات عن السلف في ذم الجدال والمراء والخصومة في الدين، ونقل هذه الآثار قد يطول (١).
حذر السلف﵏- من الجدال الباطل؛ لأنه نتيجة حتمية وسبب مهم لرواج البدع المتقابلة؛ لذا فهذه المناظرات والمجادلات والتخاصم فيها يكون علنًا أمام الأحداث والعامة والولاة، والجهلة وضعاف الإيمان، فضلًا عن أهل الزيغ والنفاق والزندقة؛ فإنما يتغذون وتروج مذاهبهم بالجدال والخصومات، ولذلك لم يعرف الجدل والخصومات في الدين إلا حينما ظهرت الفرق - الخوارج والشيعة والقدرية وأهل الكلام-؛ لأن أهل الحق لا يمارون ولا يتخاصمون ولا يخاصمون في الدين، وإن اختلفوا فيما يسوغ فيه الخلاف من الاجتهاديات، فإنهم لا يلجؤون للخصومات والمراء، وإذا وصل الخلاف إلى المراء كفّوا (٢).
والبلوى بالجدل الباطل علامة الخذلان من الله ﷿، وعلامة الضلال واتباع الهوى، كما قال النبي - ﷺ -: «ما ضل قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدل» ثم تلا رسول الله - ﷺ - هذه الآية: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ الزخرف: ٥٨ (٣).
_________________
(١) ينظر: موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع، أ. د. إبراهيم الرحيلي (٢/ ٥٩٠).
(٢) دراسات في الأهواء والفرق (١/ ٣٢٩).
(٣) أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٦)، وابن ماجة برقم (٤٨)، والترمذي برقم (٣٢٥٣)، وحسنة الألباني في صحيح الجامع (٥٥٠٩) (١/ ١٤٦).
[ ٥٢ ]