أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُقِرُّونَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوُ الْخَالِقُ الرَّازِقُ الْمُدَبِّرُ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُدْخِلَهُمْ فِي الإِسْلامِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١].
الكفار الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ كانوا مقرِّين بتوحيد الربوبية لا ينازعون فيه، ولا يحتاجون فيه إلى مزيد بيان، وعلمهم وإقرارهم بهذا لم يدخلهم في الإسلام.
والمؤلف ﵀ يسوق هذا الكلام لمشركي زمانه الذين يطوفون بالأضرحة والقبور، ويدعونها من دون الله، وينذرون لها النذور، ويقولون في نفس الوقت: نحن مسلمون مقرُّون بأن الله هو الخالق المالك المدبر الرازق، وأنه هو منزل المطر، وهو مدر الضرع، ومنبت الأرض، ويقرون بهذا ويظنون أن إقرارهم بهذا هو الإسلام!
فبيَّن المؤلف-﵀ أن هذا ليس هو فيصل التفرقة بين المؤمنين والكفار؛ بل فيصل التفرقة بين المؤمنين والكفار هو توحيد العبادة، وإلا فمجرد الإقرار بأن الله هو الخالق لا خالق سواه وأنه المالك لا مالك سواه، وأنه المدبر لا مدبِّر سواه لا ينقلهم إلى دائرة التوحيد، ولا ينجيهم من عذاب النار يوم القيامة.
[ ٢٥ ]
وهكذا عموم البشرية مقرُّون بهذا المعنى، لا يكاد يُعرف أحد أنكر توحيد الربوبية إلا أفرادٌ شُذاذ كفرعون الذي قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]، والنمرود الذي قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وبعض الأفكار البائدة كالشيوعية التي تقول: (لا إله، والحياة مادة) ونحو ذلك (^١).
أمَّا عامة بني آدم من اليهود، والنصارى، والمجوس، والوثنيين فإنهم يقرُّون بإلهٍ خالقٍ مالكٍ مدبَّر، وقد كان مشركو العرب الذي كان نبيُّنا ﷺ بين ظهرانيهم يذكرون الله، حتى إنهم لما أراد النبي ﷺ أن يكتب صلح الحديبية أملى على الكاتب «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، فقال مندوب قريش سهيل بن عمرو "أَمَّا الرَّحْمَنُ، فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا هُوَ وَلَكِنِ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ، فَقَالَ المُسْلِمُونَ: وَاللَّهِ لَا نَكْتُبُهَا إِلَّا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ» (^٢).
فكانوا مقرِّين بالله ﷿، بل يتقرَّبون إليه ببعض أنواع العبادة لكنهم يفسدون ذلك بالشرك، وأوضح دليلٍ على إقرارهم بالخلق والملك والرزق والتدبير هذه الآية التي ساقها الشيخ: (﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [يونس: ٣١]): سؤال عن الرزق، (﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ﴾ [يونس: ٣١]): سؤالٌ عن المِلك، (﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾ [يونس: ٣١]): سؤالٌ عن التدبير.
ففي الآية سؤال عن: الرزق والمِلك والأمر، وجواب هذه الثلاث جميعًا: (﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١]): فما أعظم النكير عليهم، وعلى أمثالهم من مشركي هذا الزمان!.
_________________
(١) ينظر في أقوال منكري وجود الرب ﷾ والرد عليهم: العقيدة الميسرة (ص: ١٥ - ١٧)
(٢) أخرجه البخاري رقم (٢٧٣١)، من حديث المسور بن مخرمة ومروان ﵄، ومسلم رقم (١٧٨٤)، من حديث أنس، ﵁، مرفوعا.
[ ٢٦ ]
قال المؤلف-﵀: