أن مشركي زماننا أغلظ شركا من الأولين، لأن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، ومشركو زماننا شركهم دائما في الرخاء والشدة. والدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾.
قارن الشيخ ﵀ بين مشركي زمانه، الذين يدعون الأموات، ويستغيثون بالأولياء، والمشركين الأوائل الذين بعث فيهم النبي ﷺ، فقرر أن مشركي زمانه أغلظ من مشركي العرب من وجه؛ وهو أن شرك الأولين يكون في اليسر والرخاء، دون الشدة والضراء، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧]، وقال: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢]، كما استدل هاهنا بقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]. فالإخلاص المضاف إلى المشركين الأوائل إنما هو إخلاص الدعاء في الشدة، وحسب.
وأما مشركو زمانه، فقد أشركوا في الدعاء في العسر واليسر،
[ ٣٧ ]
والشدة والرخاء، لما ران على قلوبهم من العقائد الفاسدة، والتلبيسات الباطلة، فتجدهم يهتفون بأسماء معظميهم؛ أبرارًا كانوا أم فجارًا، في الكرب والشدة، ويستغيثون بهم في المآزق والملمات، قائلين: يا علي! يا حسين! يا سيد!، يا بدوي! يا رفاعي!
والغلظة هي الخشونة والشدة، عكس الرقة، ولم يرِد الشيخ أنهم أغلظ منهم من كل وجه. ووقع في بعض النسخ نصب (دائمًا) في قوله: (ومشركو زماننا شركهم دائما) والصواب رفعها، لكونها خبر (شرك).
[ ٣٨ ]