قال المؤلف ﵀:
﷽
أَسْأَلُ اللهَ الْكَرِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَتَوَلاكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَأَنْ يَجْعَلَكَ مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنْتَ، وَأَنْ يَجْعَلَكَ مِمَّنْ إِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وَإِذَا أذَنبَ اسْتَغْفَرَ، فَإِنَّ هَؤُلاءِ الثَّلاثُ عُنْوَانُ السَّعَادَةِ.
استهلَّ المصنف ﵀ قواعده بالبسملة -بسم الله الرحمن الرحيم-، والبداءة بالبسملة دل على ثبوتها ومشروعيتها أدلة كثيرة منها:
أن النبي ﷺ كان يبدأ بها مكاتيبه: فعندما كتب النبي ﷺ إلى هرقل كتابا قال فيه: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ) (^١)، ولما أراد النبي ﷺ أن يكتب صلح الحديبية أملى على الكاتب (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، فقال مندوب قريش سهيل بن عمرو أَمَّا الرَّحْمَنُ، فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا هُوَ وَلَكِنِ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ، فَقَالَ المُسْلِمُونَ: وَاللَّهِ لَا نَكْتُبُهَا إِلَّا بِسْمِ اللَّهِ
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٧)، ومسلم رقم (١٧٧٣)، من حديث ابن عباس عن أبي سفيان، ﵄.
[ ٩ ]
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ) (^١).
أنها هدي الأنبياء السابقين، قال الله ﷿: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [النمل: ٣٠]، فقد كان أنبياء الله يبدؤون مكاتيبهم بالبسملة، وقد قال الله لنبيه: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
فالسنة أن يبتدئ الإنسان مكاتيبه بالبسملة، وأن يبتدئ خطبه بالحمد لله، فإذا خطبت فابدأ بحمد الله، وإذا كتبت فابدأ بالبسملة، ولا بأس بالجمع بينهما.
ما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ب (بسم الله الرحمن الرحيم) فهو أقطع) (^٢). وفي رواية: «لا يبدأ فيه بذكر الله» (^٣)، وفي رواية (بحمد الله) (^٤) وهذه الأحاديث لا تخلو من مقال ولكنها بمجموعها تُحتمل ولهذا تلقتها الأمة بالقبول، فصاروا يبدؤون كتبهم بالبسملة.
(بسم الله): جار ومجرور، والجار والمجرور لا بد له عند النحاة من متعلق، قال العلماء: إن متعلَّق "بسم" فعل محذوف مؤخر مناسب
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٢٧٣١)، من حديث المسور بن مخرمة ومروان ﵄، ومسلم رقم (١٧٨٤)، من حديث أنس.
(٢) رواه بهذا اللفظ عبد القادر الرهاوي في (الأربعين) عن أبي هريرة، وأخرجه الخطيب في «الجامع» (٢/ ٦٩) والسبكي في «طبقات الشافعية» (١/ ٦) وقال الشيخ ابن باز" جاء هذا الحديث من طريقين أو أكثر عند ابن حبان وغيره، وقد ضعفه بعض أهل العلم والأقرب أنه من باب الحسن لغيره" مجموع فتاوى ابن باز (٢٥/ ١٣٥).
(٣) أخرجه أحمد رقم (٨٧١٢). وصححه الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه للمسند.
(٤) أخرجه أبو داود رقم (٤٨٤٠) وصححه ابن حبان رقم (١).
[ ١٠ ]
للمقام، فإذا أردت أن تَطْعم وقلت بسم الله فالتقدير: "بسم الله آكل"، وإذا أردت أن تدخل بيتك وقلت بسم الله، فالتقدير: "بسم الله أدخل".
فها هنا يكون التقدير "بسم الله أكتب" أو "بسم الله أصنف" أو "بسم الله أؤلف" وبالنسبة للقارئ "بسم الله أقرأ".
واسم الله ﷿ اسم مبارك، ما كان في شيء إلا حلت فيه البركة، فإذا استعمله الإنسان مع الطعام بورك له في زاده، وطرد عنه الشيطان، وإذا استعمله الإنسان عند دخوله لبيته؛ فإن ذلك يطرد الشيطان ويمنعه من المبيت، وإذا استعمله الإنسان إذا أتى أهله حيل بين الشيطان وبين ما يقسم بينه وبين أهله من ذرية، فينبغي للمؤمن ألا يغيب عن باله، ولهذا قال الله ﷿: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالإِكْرَام﴾ [الرحمن: ٧٨].
والاسم عند النحاة: هو ما عيّن مسماه، فالله ﷾ له الأسماء الحسنى، كما قال في غير موضع: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]، خلافًا للجهمية الذين أنكروا أن يكون لله أسماء، فالله تعالى له الأسماء الحسنى والصفات العُلى، فنثبت ما أثبت الرب لنفسه، ومن ذلك (الاسم)، وأما لفظ الجلالة "الله" فإنه أفضل الأسماء الحسنى على الإطلاق، وقيل: إنه الاسم الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب؛ ولهذا نجد أن الأسماء الحسنى تحال إليه، كما في قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُون﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٣]، فمرجع الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم الشريف وهو الله (^١).
ولفظ (الله) ليس جامدًا؛ بل هو مشتق من: أَلَهَ يألهُ أَلُوهةً، والمراد
_________________
(١) ينظر: جامع المسائل لشيخ الإسلام (٤/ ٤١٤).
[ ١١ ]
بالألوهية: انجذاب القلب، للمعبود محبة وتعظيمًا؛ فلهذا كان هذا الاسم الشريف جامعًا للأسماء الحسنى؛ لأن القلوب لا تجتمع إلا على من كانت له صفات الكمال ونعوت الجلال (^١).
أما (الرحمن والرحيم): فهما اسمان شريفان كريمان من أسماء الله الحسنى، ومعناهما متقارب إذ أن كلًا منهما يدل على اتصاف الله تعالى ﷿ بصفة الرحمة، ولا ريب أن ربنا رحمن ورحيم، وأن من صفاته العلى صفة الرحمة، ورحمة ربنا ﷿ رحمة تليق به ليست كرحمة المخلوقين فيها ضعف ورقة، بل هي رحمة لائقة بجلاله وعظمته، رحمة حقيقية نثبتها لربنا ونرجو ثوابها.
ثمَّ أتبع ذلك بالتلطُّف بمن خاطبه.
بقوله: (أَسْأَلُ اللهَ الْكَرِيمَ): دعاء لله ﷿ للمخاطب باسم من أسماء الله تعالى الحسنى، (الكريم)، فله الكرم المطلق في عطائه، وملكه، وحكمه، سبحانه وبحمده. قال الزجاج: (الكرم: سرعة إجابة النفس) (^٢).
قوله: (رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ): العرش أعظم المخلوقات وأعلاها وأجلُّها، وهو بالنسبة للمخلوقات سقفها، فالعرش سقف الكون وفوقه الرحمن -سبحانه وبحمده- قال الله ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقال في ستة مواضع: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، قال ﷾: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩].
_________________
(١) ينظر: بدائع الفوائد (١/ ٢٢).
(٢) ينظر: تفسير أسماء الله الحسنى. (ص/ ٥٠)، تحقيق: أحمد يوسف الدقاق. دار المأمون ١٣٩٥ هـ.
[ ١٢ ]
وهو سريرٌ عظيمٌ، ذو قوائم، تحمله يوم القيامة ثمانيةٌ من الملائكة الكِرام العِظام ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧].
والله تعالى ربُّ العرش العظيم؛ فلولا الله ما كان العرش، ولا قام العرش، فليس الله تعالى محتاجًا للعرش ليحمله أو ليقلَّه؛ بل العرش محتاجٌ إلى الرب ﷾؛ لأنه لا قيام لشيءٍ إلا بالله تعالى.
ولا يصحُّ تأويل العرش بالملك، أو الهيمنة، أو السيطرة، أو نحو ذلك؛ بل هو عرشٌ حقيقي، كما جاء موصوفًا في الآيات الكريمات، وفي الأحاديث الصحيحة.
قوله: (أَنْ يَتَوَلاكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ): تولي الله تعالى لعبده في الدنيا بأن يحفظه، ويسدده، ويعصمه، وتولي الله تعالى لعبده في الآخرة بأن يرحمه ويدخله الجنة. قال ابن فارس: (والواو واللام والياء أصل صحيح يدل على قرب. من ذلك الوَلىْ: القرب) (^١).
قوله: (وَأَنْ يَجْعَلَكَ مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنْتَ): البركة لغة: النماء والخير الكثير، وهي وصفٌ يجعله الله تعالى في بعض الذوات والأشياء والأزمنة والأمكنة والأطعمة، يحصل من جرَّائه الخير الكثير. فدعائك لأحدٍ أن يجعله الله مباركًا؛ أي: أن يجري على يديه وبسببه الخير (^٢)، وهذا
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة. مادة (ولي). (ص/ ١٠٦٤)، ط: دار إحياء التراث العربي ١٤٢٢ هـ.
(٢) قال الراغب: "والبَرَكَةُ: ثبوت الخير الإلهي في الشيء … وسمّي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة. والمُبَارَك: ما فيه ذلك الخير"، وقال ابن فارس: " الباء والراء والكاف أصل واحد، وهو ثبات الشيء، ثم يتفرع فروعا يقارب بعضها بعضا … قال الخليل: البركة من الزيادة والنماء. والتبريك: أن تدعو بالبركة" ينظر: المفردات في غريب القرآن (ص: ١١٩)، مقاييس اللغة (١/ ٢٢٧ - ٢٣٠).
[ ١٣ ]
مشاهدٌ معروف؛ فإن من الناس من يكون مباركًا، فإذا حلَّ بمكان نشأ عنه علمٌ وفضلٌ وموعظةٌ ونصيحة، ومن الناس من يكون ضدَّ ذلك، يكون نقمة، فإذا حلَّ في مكان نشأ من ذلك شرٌ وفرقة واختلاف؛ فلهذا يسأل العبد ربَّه أن يجعله مباركًا أينما كان. قال تعالى عن عيسى ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١]، وقال أسيد بن حضير ﵁، في قصة التيمم: (مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ) (^١).
قوله: (وَأَنْ يَجْعَلَكَ مِمَّنْ إِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وَإِذَا أذَنبَ اسْتَغْفَرَ؛ فَإِنَّ هَؤُلاءِ الثَّلاثُ عُنْوَانُ السَّعَادَةِ): ما أجمل هذه الثلاث أن ينتظمها دعاءٌ واحد فإنها جماع الخير، أو كما قال الشيخ: (عُنْوَانُ السَّعَادَةِ): والسعادة غايةٌ يطلبها كل حي.
قوله: (إِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ)؛ أي: يقابل العطاء والنعمة بالشكران.
قوله: (وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ)؛ أي: يقابل البلاء بالصبر والسلوان.
والشكر والصبر عبادتان جليلتان يتعبَّد بهما العبد لله تعالى؛ لأنه لا يخلو حيٌّ في هذه الأرض من ابتلاء، فإمَّا أن يبتلى بالسراء، وإمَّا أن يبتلى بالضراء.
وليس مجرد البلاء علامة نعمة أو شقاء، وإنما ما يكون من جرَّاء ذلك، يقول الله ﷿: ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ (١٦)﴾ [الفجر: ١٥ - ١٦]؛ أي: ضيَّق عليه رزقه ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا (١٧)﴾ [الفجر: ١٦ - ١٧]، و﴿كَلَّا﴾: في القرآن معناها: ليس الأمر كما تظنون (^٢)، فليس
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٣٣٤).
(٢) قال الراغب: " كَلَّا: ردع وزجر وإبطال لقول القائل، وذلك نقيض «إي» في الإثبات" المفردات في غريب القرآن (ص: ٧٢٥)، وقال ابن فارس: "كلاَّ: تكون ردًّا ورَدْعًا ونفيًا لدعوى مدع إذا قال: "لقيتُ زيدًا" قلتَ: "كلاَّ".
[ ١٤ ]
عطاؤنا دليل كرامة، وليس منعنا دليل مهانة؛ بل دليل الكرامة ودليل المهانة ما يكون من العبد تجاه هذا الابتلاء، فإن كان ممَّن إذا أعطي شكر وإذا ابتلي صبر، فهو الكريم السعيد، وإن كان ممَّن إذا أعطي استخفَّ وبطر، وإذا مُنِعَ تبرَّم وضجر فهو الشقي النكد.
فينبغي أن نعلم أن التوسعة في الرزق، والصحة في البدن، ونحو ذلك من المحبوبات ليس بالضرورة علامة رضا، ربما كان استدراجًا، كما أن ما يقع على العبد من الضيق في العيش أو البلاء في البدن، أو النفس، أو الأهل، أو غير ذلك، ليس دليلًا على الهوان على الله ﷿؛ كما قد يتراءى لبعض البسطاء والجهلة؛ بل إن الله تعالى يبتلي العباد بالسراء والضراء. ولهذا تعجب النَّبي ﷺ من شأن المؤمن؛ كما في صحيح مسلم عَنْ صُهَيْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (^١).
واعتبروا بحال الناس، هذا سُليمان بن داود ﵉ قال: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]، وكان من نعمة الله عليه في موقفٍ من المواقف أن طلب من جلسائه -بما أنعم الله عليه من السخرة- أن يحضروا له عرش ملكة سبأ، ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل: ٣٩]؛ يعني: في ضحوة. ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠]؛ يعني: ما بين غمضة عين وانتباهتها، ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ [النمل: ٤٠] لم يستخفه الأشر والبطر، أو ينتفش كما ينتفش بعض
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٩٩٩).
[ ١٥ ]
من يفقد الإتزان عند حصول النعم؛ بل قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل: ٤٠]، فأثنى بالخير على معطيه ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ [النمل: ٤٠]: أدرك الحكمة والسر من وراء ذلك ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: ٤٠].
فما أحرانا عند النعم أن نستحضر هذا الموقف السُّليماني، فإذا وقع لأحدنا نعمة قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾.
قارن هذا بما جرى لقارون، الذي قال الله تعالى عنه: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦]: هذه المفاتيح لا يستطيع أن يحملها العصبة من الرجال فما بالك بالمفتوح؟ ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]، لكنَّ الرجل شمخ بأنفه وقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]؛ يعني: أنني حصَّلت هذا المال بحذقي وكياستي وذكائي، فأثنى بالنعمة على نفسه فكان من أمره ما ذكره ربنا: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١]، أذلَّه الله تعالى فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة.
وانظر في مقام الصبر، يعقوب ﵇ يفقد ابنه نحو عشرين سنة، حتى إنه كما قال الله ﷿: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤]: أدركه ما يدرك الآباء لكنه كان يقول: ﴿إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦]، ثمَّ لم يمنعه ذلك من السعي وفعل السبب: ﴿يَا بَنِيَ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].
وبهذا نعلم أن المؤمن يبتلى بما يؤلم نفسه لكنَّ ذلك لا يفقده الاعتصام بجناب الله وحسن الظن به، ومن الناس من إذا أصابه شيءٌ من الألم والابتلاء قال: أنا حظي منكود، أنا منحوس، أنا كذا وكذا، وأخذ
[ ١٦ ]
يهرف بما لا يعرف، ويتضجر ويتبرم، فعلينا أن نتمثَّل هذه الدعوات: من إذا أُعطي شكر، وإذا ابتلي صبر.
قوله: (وَإِذَا أذَنبَ اسْتَغْفَرَ): هذه خصلةٌ ثالثة وذلك أنه لا يكاد العبد يخلو من ذنب؛ جاء عنْ أَبِي أَيُّوبَ، أَنَّهُ قَالَ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: كُنْتُ كَتَمْتُ عَنْكُمْ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يَقُولُ: «لَوْلَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ لَخَلَقَ اللهُ خَلْقًا يُذْنِبُونَ يَغْفِرُ لَهُمْ» وفي رواية: «لَوْ أَنَّكُمْ لَمْ تَكُنْ لَكُمْ ذُنُوبٌ، يَغْفِرُهَا اللهُ لَكُمْ، لَجَاءَ اللهُ بِقَوْمٍ لَهُمْ ذُنُوبٌ، يَغْفِرُهَا لَهُمْ» (^١) فالخطأ والذنب وارد، حتى إن الله تعالى أضافه إلى نبيه ﷺ فقال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]، فيمكن أن يصدر الذنب من النَّبي، لكنَّ الله تعالى لا يُقره عليه فينبهه عليه، ويغفره له؛ كما وقع لجميع أنبياء الله تعالى.
فينبغي للإنسان أن يكون ممَّن وصفه الله ﷿، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وقال تعالى بعد ذكر كبائر الإثم ووعيدها: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠]، فعوِّد نفسك يا عبد الله أن تكون رجَّاعًا أوَّابًا إلى الله تعالى، ولا تقنط من رحمة الله فقد جاء في الحديث عن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا - وَرُبَّمَا قَالَ أَذْنَبَ ذَنْبًا - فَقَالَ: رَبِّ
_________________
(١) أخرجه مسلم رقم (٢٧٤٨).
[ ١٧ ]
أَذْنَبْتُ - وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَبْتُ - فَاغْفِرْ لِي، فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا، أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ - أَوْ أَصَبْتُ - آخَرَ، فَاغْفِرْهُ؟ فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا، وَرُبَّمَا قَالَ: أَصَابَ ذَنْبًا، قَالَ: قَالَ: رَبِّ أَصَبْتُ - أَوْ قَالَ أَذْنَبْتُ - آخَرَ، فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثَلَاثًا، فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ) (^١).
وهذا لا يعني إسقاط الواجبات، وإحلال المحرَّمات، وإنما معناه: ما دام يذنب ويستجمع شروط التوبة في كلِّ مرة فيستغفر، فإني لا أزال أغفر له، هذه نعمةٌ عظيمة، فلو لم تشرع التوبة ماذا يكون حالنا؟ لو كان كل من أذنب يحمل وزره على كتفيه ماذا سيجتمع علينا من الذنوب والخطايا؟ لكنَّ دعوةً خالصة يدعو بها العبد ربَّه قائلًا: (ربِّ اغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)، يمحو الله تعالى بها جميع السيئات.
ووجه كونها عنوان السعادة؛ فلأن الإنسان لا يسعد إلا بأن يهدأ باله، ويطمئن قلبه، فإذا كان يقابل الضراء بالصبر، (وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ) (^٢) ويقابل السراء بالشكر فإنه يكون متوازنًا نفسيًا، لا يستخفه الأشر والبطر عند السراء، ولا يصيبه الكمد والإحباط والقنوط في حال الضراء؛ بل يبقى متوازنًا، هذا في شأن الدنيا، وأما في الآخرة فمن إذا أذنب استغفر، وفد إلى الله ﷿ وقد محيت خطاياه. فيحصِّل سعادة الدنيا والآخرة، وهذا عنوان السعادة.
_________________
(١) أخرجه البخاري رقم (٧٥٠٧)، ومسلم رقم (٢٧٥٨).
(٢) أخرجه البخاري رقم (١٤٦٩)، ومسلم رقم (١٠٥٣)، من حديث أبي سعيد الخدري، ﵁، مرفوعًا.
[ ١٨ ]
قال المؤلف-﵀:
اعْلَمْ أَرْشَدَكَ اللهُ لِطَاعَتِهِ: أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ، وَحْدَهُ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ اللهَ خَلَقَكَ لِعِبَادَتِهِ؛ فَاعْلَمْ أَنَّ الْعِبَادَةَ لا تُسَمَّى عِبَادَةً إِلا مَعَ التَّوْحِيدِ، كَمَا أَنَّ الصَّلاةَ لا تُسَمَّى صَلاةً إِلا مَعَ الطَّهَارَةِ، فَإِذَا دَخَلَ الشِّرْكُ فِي الْعِبَادَةِ فَسَدَتْ، كَالْحَدَثِ إِذَا دَخَلَ فِي الطَّهَاَرِة، فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ الشِّرْكَ إِذَا خَالَطَ الْعِبَادَةِ أَفْسَدَهَا، وَأَحْبَطَ الْعَمَلَ، وَصَاَر صَاحِبُهُ، مِنَ الْخَالِدِينَ فِي النَّارِ عَرَفْتَ أَنَّ أَهَمَّ مَا عَلَيْكَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُخَلِّصَكَ مِنْ هَذِهِ الشَّبَكَةِ، وَهِيَ الشِّرْكُ بِاللهِ الَّذِي قَالَ الله تَعَالَى فِيهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]؛ وَذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ أَرْبَعِ قَوَاعِدَ ذَكَرَهَا اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ.
قوله: (اعْلَمْ أَرْشَدَكَ اللهُ لِطَاعَتِهِ: أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ، وَحْدَهُ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ): الحنيفية: مأخوذة من الحنف وهو: الميل، فالمقصود بالحنيفية: الميل عن طريق الشرك إلى طريق التوحيد، ومنه تسمي العرب الأحنف للرجل الذي في مشيه ميل، فمعنى الحنيف: أي المائل عن طريق الضلال إلى طريق الهدى (^١)، وقد وصف الله
_________________
(١) قال ابن القيم: "والحنيف الْمقبل على الله المعرض عَمَّا سواهُ وَمن فسره بالمائل فَلم يفسره بِنَفس مَوْضُوع اللَّفْظ وَإِنَّمَا فسره بِلَازِم الْمَعْنى فَإِنْ الحنف هُوَ الإقبال وَمن أقبل على شَيْء مَال عَنْ غَيره والحنف فِي الرجلَيْن هُوَ إقبال إِحْدَاهمَا على الْأُخْرَى وَيلْزمهُ ميلها عَنْ جِهَتهَا" جلاء الأفهام (ص: ٢٦٩).
[ ١٩ ]
تعالى إبراهيم ﵇ بهذا الوصف في غير ما موضع، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣]، فالحنيفية هي: ملة إبراهيم ﵇، وبها بعث محمد ﵊، فقد بُعث ﵊ بالحنيفية السمحة.
قال ابن فارس: (الحاء والنون والفاء أصل مستقيم، وهو الميل، يقال للذي يمشي على ظهور قدميه أحنف. وقال قوم -وأراه الأصح- إن الحنف اعوجاج في الرجل إلى داخل، ورجل أحنف، أي مائل الرجليين، وذلك يكون بأن صدور قدميه ويتباعد عقباه. والحنيف: المائل إلى الدين المستقيم). (^١)
وهي ملة إبراهيم التي أُمِرَ بها نبيُّنا محمد ﷺ وجميع أنبياء الله، فجميع أنبياء الله كانوا على ملة إبراهيم، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠].
فملة إبراهيم ﵇ هي التوحيد، وهو: (أَنْ تَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ): وهذه الجملة تضمَّنت أمرين:
• أولًا: إثبات عبادة الله.
• ثانيًا: إخلاص العبادة لله.
فلا تكفي العبادة وحدها؛ بل لا بد أن تكون خالصةً لله ﷿، فضد العبادة الإعراض وترك العبادة، وضد الإخلاص الشرك، والسلامة من
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة لأبن فارس (٢٦٧).
[ ٢٠ ]
هذين هما: ملة إبراهيم (أَنْ تَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ) كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]): فنفى الله تعالى في هذه الآية أيَّ علةٍ لخلق الإنس والجن إلا علَّةً واحدة وحكمةً واحدة وهي عبادته. وقد فسَّر ابن عباس ﵄ قوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾: أي يوحِّدون، فالعبادة لا تكون عبادةً إلا أن تكون خالصةً لله ﷿.
قوله: (فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ اللهَ خَلَقَكَ لِعِبَادَتِهِ؛ فَاعْلَمْ أَنَّ الْعِبَادَةَ لا تُسَمَّى عِبَادَةً إِلا مَعَ التَّوْحِيدِ)؛ أي: أن التوحيد هو شرطها الأساس، (كَمَا أَنَّ الصَّلاةَ لا تُسَمَّى صَلاةً إِلا مَعَ الطَّهَارَةِ): الطهارة شرطٌ في صحة الصلاة، ولو قام إنسانٌ يصلي على غير طهارة متلبِّسًا بالحدث الأصغر أو الأكبر فإنه وإن قام وقعد وركع وسجد، إلا أن هذه الحركات لا تسمى صلاةً شرعية؛ لافتقارها إلى شرطها.
والشرط عند الأصوليين: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجودٌ ولا عدم. فإذا عُدِم الشرط عُدِم المشروط، فلا صلاة شرعية بلا طهارة، (ولا يلزم من وجوده وجودٌ ولا عدم): فربما تطهَّر الإنسان ولم يقع المشروط.
فمنزلة التوحيد بالنسبة للعبادة كمنزلة الطهارة بالنسبة للصلاة، ويقابل الحدث الذي هو الناقض للطهارةالشرك الناقض للتوحيد.
قوله: (فَإِذَا دَخَلَ الشِّرْكُ فِي الْعِبَادَةِ فَسَدَتْ، كَالْحَدَثِ إِذَا دَخَلَ فِي الطَّهَاَرِة): فالشرك حدث وأيُّ حدث! هو أعظم حدث، فإذا وقع الشرك في العبادة أفسدها، فلو أن إنسانًا أقام صلاةً يتزين بها إلى الناس لكانت من أصلها باطلة؛ لافتقارها إلى الشرط الأعظم وهو: الإخلاص لله ﷿.
فكما أنه لو أحدث في صلاته لفسدت، أو دخل الصلاة محدثًا لما آنعقدت، فكذلك العبادة لا تكون مقبولةً إلا بشرط الإخلاص.
[ ٢١ ]
مسألة: الرياء إذا طرأ على العبادة:
في هذا تفصيل: إذا قارن الرياء العبادة من أولها فهي باطلة أصلًا؛ لأنها لم تنعقد.
وأمَّا إذا طرأ عليها في أثنائها؛ فننظر:
- فإن دافعه فاندفع، لم يضره.
- وإن استرسل معه فننظر: هل هذه العبادة عبادةٌ واحدة ينبني بعضها على بعض، أو هي عبادةٌ ذات أجزاءٍ منفصلة يستقل بعضها على بعض؟
يتضح هذا بالمثال: لو طرأ الرياء على الصلاة في أثنائها ولم يدافعه صاحبه؛ بل استرسل معه؛ لما يرى من نظر رجلٍ إليه فصار يمد قيامه وقعوده، وجلوسه ويتخشَّع مسترسلًا في هذا الشعور الشيطاني، فإن العبادة تبطل كلها؛ لأن الصَّلاة عبادةٌ واحدة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم فإذا فسد بعضها فسد كلها.
أمَّا إذا كانت العبادة ذات أجزاء ينفصل بعضها عن بعض ولا ينبني بعضها على بعض، فإن الرياء لا يُبطل إلا ما قارنه.
مثال ذلك: لو تعين على إنسان إخراج زكاة ماله (ألف ريال) فصار يخرج مائةً مائة، وكان مخلصًا لله في تسعٍ منها، فلما كانت المائة العاشرة -تمام الألف- خالطه رياءٌ وحبُّ سمعة، فحينئذٍ لا يفسد الجميع؛ بل تفسد الدفعة الأخيرة فقط؛ لأن هذه عبادةٌ منفصلٌ بعضها عن بعض.
ولا ريب أن ما قدَّم به الشيخ من الجُمل مقرَّرٌ ثابتٌ واضح؛ فإن الله ﷾ قد قال لنبيه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]: هذا يقال للنَّبي ﷺ فكيف بمن دونه؟
[ ٢٢ ]
﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ وحاشاه ﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦]: وقدَّم الاسم الشريف لكي يدل على الاختصاص.
إذا عرفت هذا عرفت فكما قال الشيخ::: (فَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ الشِّرْكَ إِذَا خَالَطَ الْعِبَادَةِ أَفْسَدَهَا، وَأَحْبَطَ الْعَمَلَ، وَصَاَر صَاحِبُهُ، مِنَ الْخَالِدِينَ فِي النَّارِ عَرَفْتَ): هذا جواب الشرط، (أَنَّ أَهَمَّ مَا عَلَيْكَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ)؛ المشار إليه ما تقدَّم، (لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُخَلِّصَكَ مِنْ هَذِهِ الشَّبَكَةِ): مراده بالشبكة: الشَّرَك الذي يقع به الإنسان أو الطير أو البهيمة، فإن من أراد أن يصيد صيدًا نشر له شبكة، أو شَرَكًا أو أُحبولة؛ لكي يقع فيها، ولا شَرَكَ ولا شبكة ولا أُحبولة أشد من شَرك الشِّرك وأحبولته، فإنها أخطر شيء.
فإذا عرف العبد ذلك وأدرك قيمة الإخلاص والتوحيد فإنه ينجو من هذه الشبكة الخطيرة (وَهِيَ الشِّرْكُ بِاللهِ الَّذِي قَالَ الله تَعَالَى فِيهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨])؛ يعني: إن الله لا يغفر شركًا به ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]): فبيَّن الله تعالى أنه سبحانه يمكن أن يغفر جميع الذنوب حتى وإن كانت كبائر، لكن لا يمكن أن يغفر الشرك؛ لأن الشرك ظلمٌ عظيم غير قابلٍ للمغفرة، فهذا دليلٌ على أن أعظم ما ينبغي أن يعتني الإنسان به ويمحض قلبه له هو تحقيق التوحيد لله ربِّ العالمين، والتخلص من الشرك.
والحاجة إلى هذا في أصل الدين ظاهرةٌ بيِّنة لكن الحاجة إليه أيضًا في إحسان العبادة للمؤمنين الموحِّدين أيضًا مهمة، فإن العبد ربما تخلَّص من أصل الشرك وهو صرف العبادة إلى غير الله؛ لكن يبقى بعد ذلك تحسينه وتكميله بحيث يؤديه على أكمل الوجوه لا يلتفت قلبه يمنةً ولا يسرة؛ بل يستحضر عبوديته لله تعالى فيما يأتي وما يذر، وهذا ميدانٌ
[ ٢٣ ]
فسيح يتبارى فيه المخلصون، يتبارى فيه السائرون إلى الله ﷿، وسُلَّمٌ رفيع يتفاوت في منازله وعتباته الصاعدون إلى الله ﷿، فعلينا أن نعتني بهذا الأمر في أصله وفي تضاعيفه.
فإن النية نيتان: نية مجزئة وهي النية المصححة لأصل العبادة وبها تنعقد، ونية مقربة زهي استصحاب التقرب إلى الله تعالى في جميع أجزاء العبادة.
ثمَّ شرع ﵀ في ذكر القواعد الأربع.
والقواعد جمع قاعدة وهي الأس والأصل. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، وقال: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦]. ويراد بها في الاصطلاح العلمي الأحكام والقضايا الكلية التي تندرج تحتها مسائل جزئية تكون من أفرادها.
[ ٢٤ ]
قال المؤلف-﵀: