ذكر ما في قولهم: "حتى علاه الرّحضاء" من فائدة
لَمَّا سمع الإمام مالك ﵀ هذا السؤال الخطير وهذا الخوض الباطل من هذا السائل في البحث عن كيفية صفات الباري سبحانه شقَّ عليه الأمر، وعَظُم عنده الخَطب، وتأثّر تأثّرًا شديدًا، ووجد منه ورُحِضَ ﵀ من ذلك، حتى قال من حضر: "فما وجد مالك من شيء ما وجد من مسألته، فنظر إلى الأرض وجعل ينكت بعود في يده حتى علاه الرحضاء".
والرحضاء هو "العرق إثر الحمى، أو عرق يغسل الجلد كثرة"١.
وهذا بلا شك يدلّ على شدّة تأثُّر الإمام مالك ﵀ من هذه المقالة، وشدّة غضبه على انتهاك حرمات الله ﷿، "وهذه كانت حال النبي ﷺ، فإنَّه كان لا ينتقم لنفسه، ولكن إذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء"٢.
عقد البخاري ﵀ في صحيحه بابًا بعنوان: "ما يجوز من الغضب والشدّة لأمر الله"٣.
وروى فيه عن عائشة رضي الله قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وفي البيت قِرامٌ فيه صُوَرٌ فتلوّن وجهُه، ثم تناول السِّتر فهتكه، وقالت: قال النبي ﷺ: "مِن أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة الذين يُصوّرون هذه الصُوَر".
وعن أبي مسعود ﵁ قال: أتى رجل النبيَّ ﷺ فقال: إني لأتأخّر عن صلاة
_________________
(١) ١ القاموس المحيط (ص:٨٢٩) . ٢ جامع العلوم والحكم (ص:١٣٨) . ٣ صحيح البخاري مع الفتح (١٠/٥١٧) .
[ ٥٣ ]
الغداة من أجل فلان ممّا يطيل بنا، قال: فما رأيت رسول الله ﷺ قطُّ أشدَّ غضبًا منه يومئذٍ، قال: فقال: "يا أيّها الناس إنَّ منكم منفّرين، فأيُّكم ما صلى بالناس فلْيتَجَوَّز فإنَّ فيهم المريض والكبير وذا الحاجة".
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: بينا النبي ﷺ يصلِّي رأى في قبلة المسجد نُخامة فحكَّها بيده فتغيَّظ ثم قال: "إنَّ أحدكم إذا كان في الصلاة فإنَّ الله حِيال وجهه، فلا يتنخّمنَّ حِيال وجهه في الصلاة".
وعن زيد بن خالد الجهني أنَّ رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن اللُّقطة؟ فقال: "عرِّفها سنة، ثم اعرف وِكاءها وعِفاصها، ثم استنفق بها، فإن جاء ربُّها فأدِّها إليه"، قال: يا رسول الله فضالّة الغنم؟ قال: "خذها فإنّما هي لك أو لأخيك أو للذئب"، قال: يا رسول الله فضالّة الإبل؟ قال: فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرّت وجنتاه، أو احمرَّ وجهه، ثم قال: "ما لك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها حتى يلقاها ربُّها".
وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: احتجر رسول الله ﷺ حُجيرة مخصَّفة أو حصيرًا فخرج رسول الله ﷺ يصلِّي إليها فتتبّع إليه رجالٌ وجاؤوا يصلّون بصلاته ثم جاؤوا ليلةً، فحضروا وأبطأ رسول الله ﷺ عنهم فلم يخرج إليهم فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج إليهم مغضبًا فقال لهم رسول الله ﷺ: "ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإنَّ خير صلاة المرء في بيته إلاَّ الصلاة المكتوبة".
فهذا هدي رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، يغضب إذا انتهكت حرمات الله، ولا ينتقم لنفسه، كما في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: "ما ضرب رسول الله ﷺ بيده خادمًا ولا امرأةً ولا دابّةً ولا شيئًا قط، إلاَّ أن يجاهد في سبيل الله، ولا نيل منه شيء فانتقم لنفسه قط، إلاَّ أن
[ ٥٤ ]
تنتهك حرمات الله، فإذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله"١.
والناس في هذا الباب على ثلاثة أقسام:
١- قسم يغضبون لنفوسهم ولربِّهم.
٢- وقسم يغضبون لنفوسهم ولا يغضبون لربِّهم.
٣- وقسم يغضبون لربهم ولا يغضبون لنفوسهم وهم الوسط الخيار٢.
[ ٥٥ ]