في معنى قوله: "والكيف غير معقول" والضوابط المستفادة منه
قول الإمام مالك ﵀ في الاستواء: "والكيف غير معقول" هو نظير قول غير واحد من أئمة السلف في إثبات الصفات عمومًا: "بلا كيف"، وقد سبق نقل بعض ألفاظهم في ذلك ومنها غير ما تقدّم:
قول سفيان بن عيينة: "كلُّ شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره ولا كيف ولا مثل"١.
وقول وكيع: "نسلم هذه الأحاديث كما جاءت ولا نقول كيف هذا، ولِمَ جاء هذا"٢.
وسبق أن مرَّ معنا قول مالك نفسه ﵀، وغيره من أئمة السلف في الصفات: "أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف".
قال شيخ الإسلام: "فقول ربيعة ومالك: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب" موافق لقول الباقين: "أمرُّوها كما جاءت بلا كيف" فإنَّما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرّد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول"، ولما قالوا: "أمرُّوها كما جاءت بلا كيف"، فإنَّ الاستواء حينئذ لا يكون معلومًا بل مجهول بمنزلة حروف المعجم وأيضًا فإنَّه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، إنّما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات، وأيضًا فإنَّ من ينفي
_________________
(١) ١ رواه الدارقطني في الصفات (ص:٧٠) . ٢ رواه الدارقطني في الصفات (ص:٧١) .
[ ٢٥ ]
الصفات الجزئية أو الصفات مطلقًا لا يحتاج إلى أن يقول: "بلا كيف" فمن قال: إنَّ الله ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: بلا كيف. وأيضًا فقولهم: "أمرُّوها كما جاءت" يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنّها جاءت ألفاظًا دالّة على معاني، فلو كانت دلالتُها منتفية لكان الواجب أن يُقال: أمرّوا لفظها مع اعتقاد أنَّ المفهوم منها غير مراد، أو أمرّوا لفظها مع اعتقاد أنَّ الله لا يوصف بما دلّت عليه حقيقة، وحينئذ تكون قد أُمِرَّت كما جاءت، ولا يُقال حينئذ: "بلا كيف"، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغوٌ من القول"١.
وقول السلف ﵏: "الكيف مجهول" أو "بلا كيف" يتضمّن عدّة فوائد أُجملها فيما يلي:
١- قطع طمع العقل في إدراك كيفية صفات الله، وأنَّ ذلك غير ممكن "مهما تصوّر في وهمك فالله بخلاف ذلك"٢.
٢- أنّهم نفوا علمنا بالكيفية، ولم ينفوا أن يكون في نفس الأمر كيفية لا يعلمها إلاَّ هو سبحانه "نفي الشيء غير نفي العلم به"٣"لم يقل مالك: الكيف معدوم، وإنما قال الكيف مجهول"٤.
٣- عدم العلم بالكيفية لا يقدح في الإيمان بالصفات.
٤- إثبات الصفة لله حقيقة، لأنَّ من ينفي الصفات ولا يثبتها لا يحتاج أن يقول: "لا كيف".
_________________
(١) ١ الحموية (ص:٢٥) . ٢ سير أعلام النبلاء (١١/٥٣٥) وهو من كلام ذي النون المصري. ٣ نقض التأسيس (١/١٩٨) ٤ مجموع الفتاوى (١٣/٣٠٩)
[ ٢٦ ]
٥- إنَّ العلم بكيفية الشيء تكون برؤيته أو رؤية نظيره أو الخبر الصادق عنه، والمؤمنون لن يرى أحدٌ منهم ربَّه في الدنيا، والله ﵎ لا نظير له، ولم يأت في الخبر الصادق ذكر لكيفية صفات الباري سبحانه.
٦- إمكانية العلم بكيفية الصفة عند رؤية الله في الآخرة.
٧- بطلان قول المعتزلة وغيرهم الذين ينفون أن يكون له ماهية وحقيقة وراء ما علموه.
٨- التوقّف عند النصوص وما دلّت عليه وعدم تجاوزها فالكيف مجهول، "لأنَّه لم يرد به توقيف ولا سبيل إلى معرفته بغير توقيف"١.
٩- الردّ على الممثِّلة، لأنَّ كلَّ ممثِّل مكيِّف.
١٠- أنَّ إثبات أهل السنة والجماعة للصفات هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فالمؤمن مُبصِرٌ بها من وجه، أعمى من وجه آخر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "المشهور بين أهل السنة والجماعة أنَّه لا يُقال في صفات الله ﷿ (كيف) ولا في أفعاله (لِمَ) وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أنَّ السلف والأئمة نفوا علمنا الآن بكيفيته، كقول مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول". لم ينفوا أن يكون في نفس الأمر له حقيقة يعلمها هو، وتكلّمنا على إمكان العلم بها عند رؤيته في الآخرة أو غير ذلك، لكن كثيرًا من الجهمية من المعتزلة وغيرهم ينفون أن يكون له ماهية وحقيقة وراء ما علموه"٢.
وقال ابن القيم ﵀: "ومراد السلف بقولهم: "بلا كيف" هو نفي
_________________
(١) ١ ذم التأويل لابن قدامة (ص:٢٦) . ٢ نقض التأسيس (١/١٩٧)، وانظر: درء التعارض (٢/٣٥) .
[ ٢٧ ]
للتأويل، فإنَّه التكييف الذي يزعمه أهل التأويل، فإنَّهم هم الذين يثبتون كيفيةً تخالف الحقيقة فيقعون في ثلاثة محاذير: نفي الحقيقة، وإثبات التكييف بالتأويل، وتعطيل الرب تعالى عن صفته التي أثبتها لنفسه، وأما أهل الإثبات فليس أحد منهم يكيِّف ما أثبته الله تعالى لنفسه، ويقول: كيفية كذا وكذا، حتى يكون قول السلف "بلا كيف" ردًّا عليه، وإنّما ردّوا على أهل التأويل الذي يتضمّن التحريف والتعطيل، تحريف اللفظ وتعطيل معناه"١.
وقال أيضًا: "إنَّ العقل قد يئس من تعرّف كُنه الصفة وكيفيتها، فإنَّه لا يعلم كيف الله إلاَّ الله، وهذا معنى قول السلف "بلا كيف" أي: بلا كيف يعقله البشر، فإنَّ من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟ ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك، كما أنا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر، ولا نعرف حقيقة كيفيته، مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق، فعَجْزُنا عن معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم.
فكيف يطمع العقل المخلوق المحصور المحدود في معرفة كيفية من له الكمال كلّه، والجمال كلّه، والعلم كلُّه، والقدرة كلّها، والعظمة كلّها، والكبرياء كلّها؟ من لو كُشف الحجاب عن وجهه لأحرقت سبحاته السموات والأرض وما فيهما وما بينهما، وما وراء ذلك، الذي يقبض سمواته بيده فتغيب كما تغيب الخردلة في كفِّ أحدنا، الذي نسبة علوم الخلائق كلّها إلى علمه أقلَّ من نسبة نقْرة عصفور من بحار العلم الذي لو أنَّ البحر يمدُّه من بعده سبعة أبحر مداد وأشجار الأرض من حين خلقت إلى قيام الساعة أقلام، لفَنِيَ المداد وفنيت
_________________
(١) ١ اجتماع الجيوش الإسلامية (ص:٧٧) .
[ ٢٨ ]
الأقلام، ولم تنفد كلماته، الذي لو أنَّ الخلق من أول الدنيا إلى آخرها، إنسهم وجِنَّهم، وناطقهم وأعجمهم، جُعلوا صفًّا واحدًا ما أحاطوا به سبحانه، الذي يضع السموات على إصبع من أصابعه، والأرض على إصبع، والجبال على إصبع، والأشجار على إصبع، ثمّ يهزّهنَّ، ثم يقول: أنا الملك.
فقاتل الله الجهمية والمعطّلة! أين التشبيه ها هنا؟ وأين التمثيل؟ لقد اضمحلَّ ها هنا كلُّ موجود سواه، فضلًا عن أن يكون له ما يماثله في ذلك الكمال، ويشابهه فيه، فسبحان من حجب عقول هؤلاء عن معرفته، وولاّها ما تولّت من وقوفها مع الألفاظ التي لا حرمة لها، والمعاني التي لا حقائق لها.
ولما فهمت هذه الطائفة من الصفات الإلهية ما تفهمه من صفات المخلوقين، فرَّت إلى إنكار حقائقها، وابتغاء تحريفها، وسمَّته تأويلًا، فشبّهت أوَّلًا، وعطّلت ثانيًا، وأساءت الظنَّ بربِّها وبكتابه وبنبيِّه، وبأتباعه"١.
ثم بيّن ﵀ وجه إساءة هؤلاء الظنّ بربِّهم وكتابه ونبيّهم وأتباعه.
وقال الجويني في رسالته (النصيحة في صفات الرب جلَّ وعلا): "وصفاته معلومة من حيث الجملة والثبوت، غير معقولة له من حيث التكييف والتحديد، فيكون المؤمن بها مبصرًا من وجه، أعمى من وجه، مبصرًا من حيث الإثبات والوجود، أعمى من حيث التكييف والتحديد، وبهذا يحصل الجمع بين الإثبات لما وصف الله به نفسه، وبين نفي التحريف والتشبيه والوقوف، وذلك هو مراد الله تعالى مِنَّا في إبراز صفاته لنا لنعرفه بها، ونؤمن بحقائقها وننفي عنها التشبيه، ولا نعطلها بالتحريف والتأويل، لا فرق بين الاستواء والسمع، ولا بين النزول والبصر، لأنَّ الكلَّ ورد في النص"٢.
_________________
(١) ١ مدارج السالكين (٣/٣٥٩،٣٦٠) . ٢ النصيحة في صفات الرب جلَّ وعلا للجويني (الصلاة: ٣٩، ٤٠)، وانظر: ذمّ التأويل لابن قدامة (ص:١٥) .
[ ٢٩ ]
فهذا هو مراد السلف ﵏ بقولهم: "بلا كيف".
ومع ذلك فقد قال الزمخشري المعتزلي في كشافه: "ثم تعجب من المتسمّين بالإسلام، المتسمّين بأهل السنة والجماعة كيف اتخذوا هذه العظيمة١ مذهبًا، ولا يغرّنك تستّرهم بالبَلْكَفَة٢، فإنَّه من منصوبات أشياخهم٣، والقول ما قال بعض العدلية٤ فيهم:
لجماعة سمّوا هواهم سنّة وجماعة حمر لعمري موكفه٥
قد شبّهوه بخلقه وتخوّفوا شنع الورى فتستّروا بالبلكفه"٦.
وقد أجاب بعض أهل العلم عن هذين البيتين بمثلهما فقال:
عجبًا لقوم ظالمين تلقّبوا بالعدل ما فيهم لعمري معرفة
قد جاءهم من حيث لا يدرونه تعطيل ذات الله مع نفي الصفة٧
ثم هم مع تعطيل الذات ونفي الصفة قد شبّهوا الله ﵎ بخلقه، لأنّهم إنما قالوا بالتعطيل لتوهمهم التشبيه، ففرّوا منه إلى التعطيل، فوقعوا في
_________________
(١) ١ يقصد رؤية المؤمنين لربِّهم يوم القيامة بلا كيف إيمانًا منهم بالنصوص وتصديقًا. ٢ يريد قول السلف: "بلا كيف" فهو من باب المنحوتات مثل: البسملة والحمدلة، أي: أنَّ قولهم محض التشبيه، ويقولون بلا كيف على سبيل التستّر. انظر: ضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري لأبي شامة (ص:١٥٩) . ٣ أي: مالك، وأحمد بن حنبل، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي، ومكحول، والزهري، وغيرهم من أئمة السلف، وتقدّم نقل ذلك عنهم. ٤ هم جماعته المعتزلة، سمّوا أنفسهم بذلك زاعمين أنهم نسبوا الله تعالى إلى العدل، حيث آخذ العبّاد بما جَنَوه على أنفسهم، ولم يجر به القضاء عليهم. انظر: ضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري لأبي شامة (ص:١٥٩) . ٥ قوله: "حمر" هو جمع حمار، وقوله: "موكفة"، الوكاف هو البرذعة التي توضع على الحمار، بهذا شبه هذا الظالم أهل السنة والجماعة، عامله الله بعدله. ٦ الكشاف للزمخشري (٢/٩٢) . ٧ ضوء الساري إلى معرفة رؤية الباري لأبي شامة (ص:١٥٩) .
[ ٣٠ ]
تشبيه آخر، وهو تشبيه الله بالممتنعات والمعدومات أو الجمادات، وذلك بحسب نوع تعطيلهم، وقد "برّأ الله أتباع رسوله وورثته القائمين بسنّته عن ذلك كلّه فلم يصفوه إلاَّ بما وصف به نفسه ووصفه به نبيُّه ﷺ، ولم يجحدوا صفاته، ولم يشبّهوها بصفات خلقه، ولم يعدلوا بها عمّا أنزلت عليه لفظًا ولا معنى، بل أثبتوا له الأسماء والصفات ونفوا عنه مشابهة المخلوقات، فكان إثباتهم بريًّا من التشبيه، وتنزيههم خليًّا من التعطيل لا كمن شبّه حتى كأنَّه يعبد صنمًا، أو عطّل حتى كأنَّه لا يعبد إلاَّ عدَمًا"١، والحمد لله رب العالمين.
_________________
(١) ١ فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى (ص:٥١)، وهي مستلّة من بدائع الفوائد لابن القيم. ٢ ذم التأويل لابن قدامة (ص:٢٦) . ٣ سورة: فاطر، الآية: (١٠) .
[ ٣١ ]