في معنى قوله: "والسؤال عنه بدعة" والضوابط المستفادة منه
قوله ﵀: "والسؤال عنه بدعة" أي: الكيف، فالسؤال عن كيفية صفات الباري بدعة محدثةٌ، "لأنَّه سؤال عما لا سبيل إلى علمه، ولا يجوز الكلام فيه، ولم يسبق ذلك في زمن رسول الله ﷺ ولا من بعده من أصحابه"١.
قال الإمام البربهاري ﵀: "احذر صغار المحدثات مِن الأمور، فإنَّ صغارَ البدع تعود كبارًا، فالكلام في الربِّ ﷿ مُحدثٌ وبدعة وضلالة، فلا نتكلّم فيه إلاَّ بما وصف به نفسه، ولا نقول في صفاته: (لِمَ؟)، ولا (كيف؟)، والقرآن كلام الله وتنزيلُه ونوره ليس مخلوقًا، والمِراء فيه كفر"٢.
وهذا من السنة اللازمة المتأكّدة في حق كلِّ مسلم، ومَن فارق ذلك كان معدودًا في جملة أهل البدع والأهواء، كما قال الإمام علي بن المديني ﵀: "السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها أو يؤمن بها لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشرّه، ثم تصديق بالأحاديث والإيمان بها لا يُقال: لِمَ؟، ولا كيف؟ إنَّما هو التصديق بها والإيمان بها وإن لم يعلم تفسير الحديث ويبلغه عقلُه فقد كفى ذلك وأحكم عليه الإيمان به والتسليم"٣.
ثم إنَّه خوض في أمرٍ محالٍ على العقول أن تدركه، فكما أنَّ بصر الإنسان له غاية لا يمكن أن يتجاوزها، وكما أنَّ سمعه له غاية لا يمكن أن يتجاوزها، فكذلك
_________________
(١) ١ ذم التأويل لابن قدامة (ص:٢٦) . ٢ سير أعلام النبلاء (١٥/٩١)، وانظر شرح السنة للبربهاري (ص:٢٤،٢٥) . ٣ رواه عنه اللالكائي في شرح الاعتقاد (١/١٦٥) .
[ ٣٧ ]
عقله له نطاق محدّد، ومجال لا يمكن أن يتجاوزه.
يروى أنَّ رجلًا أتى بابن له إلى عبد الله بن عباس ﵄ فقال: "لقد حيّرت الخصومة عقله، وأذهبت المنازعة قلبه، وذهبت به الكلفة عن ربه، فقال عبد الله: امدد بصرك يا ابن أخي ما السواد الذي ترى؟ قال: فلان، قال: صدقت، قال: فما الخيال المسرف من خلفه؟ قال: لا أدري، قال عبد الله: يا ابن أخي فكما جعل الله لأبصار العيون حدًاّ محدودًا من دونها حجابًا مستورًا فكذلك جعل لأبصار القلوب غاية لا يجاوزها، وحدودًا لا يتعدّاها، قال: فردّ الله عليه غارب عقله، وانتهى عن المسألة عما لا يعنيه، والنظر فيما لا ينفعه، والتفكر فيما يحيِّره"١.
وهو كلام حسن وتنظير سديد وإن كان لم يثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما٢ والأمر كما ذكر، فكما أنَّ الله جعل لأبصار العيون حدودًا معلومة فكذلك الشأن في أبصار القلوب، لها مجال محدود لا يمكنها أن تتجاوزه أو تتعدّاه.
أورد هذا الأثر ابن بطة في كتابه الإبانة وقال معلِّقًا عليه: "فاتقوا الله يا معشر المسلمين وانتهوا عن معرفة خلقه، أما تعلمون أنَّ الله ﷿ قد أخذ عليكم ميثاق الكتاب أن لا تقولوا على الله إلاّ الحق، فسبحان الله أنى تؤفكون"٣.
وقد عقد الإمام ابن بطة ﵀ في هذا الموضوع بابًا نافعًا في كتابه الإبانة
_________________
(١) ١ رواه ابن بطة في الإبانة (١/٤٢٢) . ٢ في إسناده أبو اليقظان وهو عثمان بن عمير البجلي ضعيف اختلط وكان يدلِّس ويغلو في التشيُّع كما في التقريب لابن حجر، ومسعود بن بشير لم أجده. ٣ الإبانة لابن بطة (١/٤٢٣) .
[ ٣٨ ]
وهو (باب ترك السؤال عما لا يعني البحث والتنقير عما لا يضر جهله والتحذير من قوم يتعمّقون في المسائل ويتعمّدون إدخال الشكوك على المسلمين) ١.
أورد تحته جملة من النصوص والآثار منها:
١- حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "اتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم فما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فاعملوا منه ما استطعتم" ٢.
٢- حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي قال: "هلك المتنطِّعون" ثلاث مرات٣.
٣- عن ابن عباس ﵁ قال: "ما رأيت قومًا كانوا خيرًا من أصحاب رسول الله ﷺ، ما سألوه إلاّ عن ثلاث عشرة مسألة حتى قُبض كلُّهن في القرآن ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ﴾ ٤، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ﴾ ٥، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى﴾ ٦، ﴿وَيَسَأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ ٧ ما كانوا يسألون إلاّ عمّا ينفعهم".
٤- حديث المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ الله ﷿ كره لكم ثلاثًا: قيل وقال وكثرة السؤال" ٨.
_________________
(١) ١ الإبانة (١/٣٩٠ ٤٢٤) . ٢ رواه البخاري (١٣/٢٥١ الفتح)، ومسلم (٤/١٨٣٠) . ٣ رواه مسلم (٤/٢٠٥٥) . ٤ سورة: البقرة، الآية: (٢١٧) . ٥ سورة: البقرة، الآية: (٢١٩) . ٦ سورة: البقرة، الآية: (٢٢٠) . ٧ سورة: البقرة، الآية: (٢٢٢) . ٨ رواه البخاري (٣/٣٤٠ الفتح) ومسلم (٣/١٣٤١) .
[ ٣٩ ]
٥- وعن ابن شبرمة ﵀ قال: "من المسائل مسائل لا يجوز للسائل أن يسأل عنها، ولا للمسؤول أن يجيب فيها".
٦- وعن عمران بن عبد الله الخزاعي قال: مرّ القاسم بن محمد بقوم يتكلّمون في القدر فقال: "انظروا ما ذكر الله في القرآن فتكلموا فيه وما كفّ الله عنه فكفُّوا".
٧- وعن إبراهيم النخعي قال: "كانوا لا يسألون إلاّ عن الحاجة".
٨- وعن ابن مسعود ﵁ قال: "إذا أراد الله بعبد خيرًا سدده وجعل سؤاله عما يعنيه وعلمه فيما ينفعه".
وذكر آثارًا أُخر ثم قال: "فالعجب يا إخواني رحمكم الله لقوم حيارى تاهت عقولهم عن طرقات الهدى، فذهبت تند محاضره في أودية الردى، تركوا ما قدّمه الله ﷿ في وحيه وافترضه على خلقه، وتعبَّدَهم بطلبه وأمرهم بالنظر والعمل به، وأقبلوا على ما لم يجدوه في كتاب ناطق ولا تقدمهم فيه سلَف سابق، فشغلوا به وفرّغوا له آراءهم وجعلوه دينًا يدعون إليه ويعادون من خالفهم عليه، أما علم الزائغون مفاتيح أبواب الكفر ومعالم أسباب الشرك، التكلف لما لم تحط الخلائق به علمًا به، ولم يأت القرآن بتأويله ولا أباحت السنة النظر فيه، فتزيد الناقص الحقير والأحمق الصغير بقوته الضعيفة، وعقله القصير، أن يهجم على سر الله المحجوب، ويتناول علمه بالغيوب يريدها لنفسه، وطوى عليها علمها دون خلقه، فلم يحيطوا من علمها إلاّ بما شاء، ولا يعلمون منها إلاّ ما يريد، فكلما لم ينزل الوحي بذكره ولم تأت السنة بشرحه من مكنون علم الله ومخزون غيبه وخفي أقداره فليس للعباد أن يتكلّفوا من علمه ما لا يعلمون، ولا يتحمّلوا من نقله ما لا يطيقون، فإنه لن يعدو رجل كلف ذلك نظره وقلّب فيه فكره أن يكون كالناظرين في عين الشمس ليعرف قدرها، أو
[ ٤٠ ]
كالمرتمي في ظلمات البحور ليدرك قعرها، فليس يزداد على المضي في ذلك إلاّ بعدًا، ولا على دوام النظر في ذلك إلاّ تحيُّرًا، فليقبل المؤمن العاقل ما يعود عليه نفعه، ويترك إشغال نظره وإعمال فكره في محاولة الإحاطة بما لم يكلفه، ومرام الظفر بما لم يطوقه، فيسلك سبيل العافية، ويأخذ بالمندوحة الواسعة ويلزم الحجة الواضحة والجادة السابلة والطريق الآنسة، فمن خالف ذلك وتجاوزه إلى الغمط بما أمر به والمخالفة إلى ما ينهى عنه، يقع والله في بحور المنازعة وأمواج المجادلة ويفتح على نفسه أبواب الكفر بربه والمخالفة لأمره والتعدي لحدوده، والعجب لمن خلق من نطفة من ماء مهين فإذا هو خصيم مبين، كيف لا يفكر في عجزه عن معرفة خلقه، أما يعلمون أنَّ الله ﷿ قد أخذ عليكم ميثاق الكتاب أن لا تقولوا على الله إلاّ الحق فسبحان الله أنى تؤفكون.
حدّثني ابن الصواف، قال: سمعت أبي يقول: سمعت بعض العلماء يقول: "لو كلَّف الله هؤلاء ما كلَّفوه أنفسهم من البحث والتنقير لكان من أعظم ما افترضه عليهم".
فالزموا رحمكم الله الطريق الأقصد والسبيل الأرشد والمنهاج الأعظم من معالم دينكم وشرائع توحيدكم التي اجتمع عليها المختلفون واعتدل عليها المعترفون ﴿وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ١، وترك الدخول في الضيق الذي لم نخلق له"٢.
_________________
(١) ١ سورة: الأنعام، الآية: (١٥٣) . ٢ الإبانة لابن بطة (١/٤٢٠،٤٢١) .
[ ٤١ ]