الأثر المشهور عن الإمام مالك ﵀ في صفة الاستواء دراسة تحليلية
بقلم: عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله.
﴿يأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلاَّ وأنتُم مُسْلِمُونَ﴾ .
﴿يأيّها الناسُ اتّقُوا ربَّكمُ الَّذي خَلَقَكُم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً واتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ والأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كان عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ .
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكمْ ويَغْفِرْ لَكمْ ذُنوبَكُمْ ومَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ .
أما بعد، فلا ريب في عِظم فضل وكبر شرف العلم بأسماء الله وصفاته الواردة في كتابه وسنة رسوله ﷺ وفهمها فهمًا صحيحًا سليمًا بعيدًا عن تحريفات المحرّفين وتأويلات الجاهلين؛ إذ إنَّ شرف العلم تابعٌ لشرف معلومه، وما من ريب أنَّ أجَلَّ معلوم وأعظمه وأكبره هو الله الذي لا إله إلاّ هو رب العالمين، وقيّوم السموات والأرضين، الملك الحقّ المبين، الموصوف بالكمال كلّه، المنزَّه عن كلِّ عيب ونقص، وعن كلِّ تمثيل وتشبيه في كماله ﴿ذَالِكُمْ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ١.
ولا ريب أنَّ العلم بالله تعالى وبأسمائه وصفاته وأفعاله أجَلُّ العلوم وأفضلُها وأشرفُها، ونسبة ذلك إلى سائر العلوم كنسبة معلومه إلى سائر المعلومات،
_________________
(١) ١ سورة الشورى، الآيتان: (١٠،١١) .
[ ١٣ ]
والعلم به – سبحانه - هو أصل كلِّ علم، وهو أصل علم العبد بسعادته وكماله ومصالح دنياه وآخرته، والجهل به مستلزم للجهل بنفسه ومصالحها وكمالها وما تزكو به، فالعلم به – سبحانه - عنوان سعادة العبد في الدنيا والآخرة، والجهل به أصل شقاوته في الدنيا والآخرة، ومن عرف الله عرف ما سواه، ومن جهل ربّه فهو لما سواه أجهل، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ ١، وقد دلّت هذه الآية على معنى شريف عظيم، وهو أنَّ من نسيَ ربَّه أنساه ذاتَه ونفسَه فلم يعرف حقيقته ولا مصالحه، بل نسي ما به صلاحه وفلاحه في معاشه ومعاده فصار معطَّلًا مهملًا٢.
ولهذا فإنَّ العناية بفهم هذا العلم وضبطه وعدم الغلط فيه أمر متأكّد على كلِّ مسلم، وقد كان أئمّة المسلمين، الصحابة ومن تبعهم بإحسان على نهجٍ واحدٍ في هذا العلم وعلى طريقة واحدة، ليس بينهم في ذلك نزاع ولا خلاف، "بل كلُّهم [بحمد الله] على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة كلمةً واحدةً من أوّلهم إلى آخرهم، لم يسوموها تأويلًا، ولم يحرّفوها عن موضعها تبديلًا، ولم يُبدوا لشيء منها إبطالًا، ولا ضربوا لها أمثالًا، ولم يدفعوا في صدورها وأعجازها، ولم يقل أحدٌ منهم يجب صرفها عن حقائقها وحملها على مجازها، بل تلقّوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، وجعلوا الأمر فيها كلَّها أمرًا واحدًا، وأجرَوْها على سنن واحد، ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع حيث جعلوا القرآن عِضين، وأقرّوا ببعضها وأنكروا بعضَها من غير فُرقان مبين"٣.
بل زاد المعطِّلة على ذلك فجعلوا جحد الصفات وتعطيل الربّ عنها توحيدًا، وجعلوا إثباتها لله تشبيهًا وتجسيمًا وتركيبًا، فسمّوا الباطل باسم الحق
_________________
(١) ١ سورة الحشر، الآية: (١٩) . ٢ انظر: مفتاح دار السعادة لابن القيّم (ص:٨٦) . ٣ إعلام الموقعين (١/٤٩) .
[ ١٤ ]
ترغيبًا فيه، وزخرفًا ينفقونه به، وسمّوا الحقَّ باسم الباطل تنفيرًا عنه، والناس أكثرهم مع ظاهر السكّة، ليس لهم نقد النقّاد١.
ولا يأمن جانب الغلط في هذا الباب الخطير من لا يتعرّف على نهج السلف ويسلك طريقتهم، فهي طريقة سالمة مأمونة مشتملة على العلم والحكمة، وكلامهم في التوحيد وغيره قليلٌ كثيرُ البركة٢، فهم لا يتكلّفون، بل يعظِّمون النصوص، ويعرفون لها حرمتها، ويقفون عندها، ولا يتجاوزونها برأي أو عقل أو وَجْدٍ أو غير ذلك.
فهم بحقٍّ الأئمةُ العدول والشهود الأثبات، ولا يزال بحمد الله في كلِّ زمان بقايا منهم "يدعون من ضلَّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يُحيون بكتاب الله الموتى، ويبصِّرون بنور الله أهلَ العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضالٍّ تائهٍ قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن عباد الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عِقال الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم، يتكلّمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهّال الناس بما يشبّهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلّين"٣.
ولهذا فإنَّ دراسة آثار هؤلاء وأقوالهم المنقولة عنهم في نصر السنة وتقرير التوحيد والردّ على أهل الأهواء يُعدّ من أنفع ما يكون لطالب العلم، للتمييز بين الحقّ والباطل، والسنة والبدعة، والهدى والضلال؛ لأنَّ هؤلاء الأئمة قد مضوا
_________________
(١) ١ انظر: مدارج السالكين لابن القيم (١/٢٦،٢٧) . ٢ انظر: مدارج السالكين (١/١٣٩)، وشرح العقيدة الطحاوية (ص١٩) . ٣ مقتبس من مقدّمة كتاب الردّ على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد بن حنبل.
[ ١٥ ]
في معتقدهم على ما كان عليه رسول الله ﷺ وصحابته من بعده، فهم بنبيّهم محمد ﷺ مقتدون، وعلى منهاجه سالكون، ولطريقته مقتفون، وعن الأهواء والبدع المضلّة معرضون، وعلى الصراط المستقيم والمحجّة البيضاء سائرون، يوصي بذلك أولُهم آخرَهم، ويقتدي اللاحقُ بالسابق؛ ولهذا "لو طالعتَ جميع كتبهم المصنّفة من أوّلهم إلى آخرهم، قديمهم وحديثهم - مع اختلاف بلدانهم وزمانهم، وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كلّ واحد منهم قطرًا من الأقطار - وجدتَهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة ونمطٍ واحد، يجرون فيه على طريقة واحدة، لا يحيدون عنها، ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد، ونقلهم واحد، لا ترى بينهم اختلافًا، ولا تفرّقًا في شيء ما وإن قلّ، بل لو جمعتَ جميعَ ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم وجدته كأنّه جاء من قلب واحد، وجرى على لسانٍ واحد"١، والسبب في ذلك هو لزوم الجميع سنة النبي ﷺ، وبُعدُهم عن الأهواء والبدع، فهم كما قال الأوزاعي - ﵀ -: "ندور مع السنة حيث دارت"٢، فهذا شأنهم وديدنُهم، يدورون مع السنة حيث دارت نفيًا أو إثباتًا، فلا يثبتون إلاَّ ما ثبت في الكتاب والسنة، ولا ينفون إلاَّ ما نفي في الكتاب والسنة، لا يتجاوزون القرآن والحديث.
وهؤلاء الأئمة لم يكفّوا عن الخوض فيما خاض فيه من سواهم لعجز منهم عن ذلك أو لضعف وعدم قدرة بل الأمر كما قال عمر بن عبد العزيز - ﵀ -: " فإنَّ السابقين عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفّوا، وكانوا هم أقوى على البحث ولم يبحثوا"٣. ومن كان على نهج هؤلاء فهو في طريق آمنة
_________________
(١) ١ الحجة للتيمي (٢/٢٢٤،٢٢٥)، وهو من كلام أبي المظفر السمعاني. ٢ رواه اللالكائي في شرح الاعتقاد (١/٦٤) . ٣ رواه ابن بطّة في الإبانة (١/٣٢١) .
[ ١٦ ]
وسبيل سالمة، قال محمد بن سيرين - ﵀ -: "كانوا يقولون: إذا كان الرجل على الأثر فهو على الطريق"١.
ولما كان الأمر بهذه المثابة وعلى هذا القدر من الأهمية أحببت أن أقدّم دراسة لأحد الآثار المرويّة عن السلف الصالح - ﵏ - في تقرير التوحيد وردّ البدع والأهواء؛ ليكون - إن شاء الله - أنموذجًا للتدليل على عِظم فائدة العناية بآثار السلف وعظم ما يحصله من عُنيَ بذلك من فوائد وثمار ومنافع.
ولهذا نشطت في إعداد هذه الدراسة للأثر المشهور عن الإمام مالك - ﵀ - عند ما جاءه رجل وقال له: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟، فتأثّر مالك – ﵀ - من هذه المسألة الشنيعة وعلاه الرحضاء [أي العَرَق]، وقال في إجابته لهذا السائل: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، وأمر بالسائل أن يُخرج من مجلسه، وهو أثر عظيمُ النفع جليلُ الفائدة.
ويمكن أن أحدِّد أهمّ الدوافع التي شجّعت لتقديم هذه الدراسة لهذا الأثر خاصة في النقاط التالية:
أوّلًا: أنَّ هذا الأثر قد تلقّاه الناس بالقبول، فليس في أهل السنة والجماعة من ينكره، كما يذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀٢، بل إنَّ أهل العلم قد ائتمّو به واستجودوه واستحسنوه٣.
ثانيًا: أنَّه من أنبل جواب وقع في هذه المسألة وأشدّه استيعابًا؛ لأَنَّ فيه نبذ التكييف وإثبات الاستواء المعلوم في اللغة على وجه يليق بالله عز وجل٤.
_________________
(١) ١ رواه ابن بطة في الإبانة (١/٣٥٧) . ٢ مجموع الفتاوى (١٣/٣٠٩) . ٣ انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٥/٥٢٠) . ٤ انظر: مجموع الفتاوى (٥/٥٢٠) .
[ ١٧ ]
ثالثًا: أنَّ قوله هذا ليس خاصًّا بصفة الاستواء، بل هو بمثابة القاعدة التي يمكن أن تُقال في جميع الصفات.
رابعًا: محاولة أهل البدع في القديم والحديث تبديل معناه وتحريف مراده بطرق متكلّفة وسبل مختلفة.
خامسًا: محاولة أحد جهّال المعاصرين التشكيك في ثبوته والطعن في أسانيده.
سادسًا: التنبيه إلى أنَّ بعض أتباع الأئمة في الفروع لم يوَفَّقوا إلى العناية بمذهب أئمّتهم في الأصول، ولهذا ترى في بعض من يتعصّبون إلى مذهب الإمام مالك - ﵀ - في الفروع من يخالفه في أصول الدين، ويفارقه في أساس المعتقد بسبب غلبة الأهواء وانتشار البدع.
إلى غير ذلك من الأسباب، وقد جعلت هذه الدراسة بعنوان:
(الأثر المشهور عن الإمام مالك - ﵀ - في صفة الاستواء دراسة تحليلية)
أما الهدف من هذه الدراسة فهي إعطاء هذا الأثر مكانته اللائقة به واستخراج الدروس والقواعد العلمية المستفادة منه، والردّ على تحريفات المناوئين، وتشكيكات المحرّفين.
وقسمته إلى تمهيد وأربعة فصول وخاتمة على النحو التالي:
التمهيد، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: ترجمة موجزة للإمام مالك بن أنس - ﵀ -.
المبحث الثاني: في ذِكر معتقد أهل السنة والجماعة في صفة الاستواء بإيجاز.
المبحث الثالث: في بيان أهمية القواعد وعِظم نفعها في معرفة صفات الباري.
[ ١٨ ]
الفصل الأول: في تخريج هذا الأثر، وبيان ثبوته، وذكر الشواهد عليه من الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: تخريج الأثر، وبيان ثبوته عن الإمام مالك
- ﵀ -.
المبحث الثاني: ذكر الشواهد عليه من الكتاب والسنة.
المبحث الثالث: ذكر نظائر هذا الأثر ممّا جاء عن السلف الصالح.
المبحث الرابع: ذكر كلام أهل العلم في التنويه بهذا الأثر، وتأكيدهم على أهميّته، وجعله قاعدة من قواعد توحيد الأسماء والصفات.
الفصل الثاني: في ذكر معنى هذا الأثر، وبيان مدلوله وما يُستفاد منه من ضوابط في توحيد الأسماء والصفات، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: في معنى قوله: "الاستواء غير مجهول" والضوابط المستفادة منه.
المبحث الثاني: في معنى قوله: "الكيف غير معقول" والضوابط المستفادة منه.
المبحث الثالث: في معنى قوله: "الإيمان به واجب" والضوابط المستفادة منه.
المبحث الرابع: في معنى قوله: "السؤال عنه بدعة" والضوابط المستفادة منه.
الفصل الثالث: في إبطال تحريفات أهل البدع لهذا الأثر.
الفصل الرابع: في ذكر فوائد عامة مأخوذة من هذا الأثر، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: ذكر ما في قولهم: "حتى علاه الرّحضاء" من فائدة.
المبحث الثاني: ذكر ما في قوله: "ما أراك إلاَّ مبتدعًا" من فائدة.
[ ١٩ ]
المبحث الثالث: ذكر ما في قوله: "أخرجوه عنِّي" من فائدة.
الخاتمة: وفيها خلاصة البحث وأهمّ نتائجه.
هذا وإني أسأل الله الكريم أن يتقبّل مني هذا العمل بقبول حسن، وأن يجعله لوجهه خالصًا، وللحق موافقًا، وأن يغفر لي ولوالديّ وللإمام مالكٍ ولجميع أئمة المسلمين، وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، إنَّه هو الغفور الرحيم.
[ ٢٠ ]