تظهر الجن؟
الجواب: تظهر عند تشكلها (١) بغير الهيئة التي خلقت عليها
_________________
(١) قوله: بغير الهيئة إلخ هذا في حق أهل الحجاب دون أهل الفتح والكشف، أما هم فأعطاهم الله قوة على رؤيتهم إياهم كالملائكة والشياطين على هيئة خلقتهم الأصلية. قال في الإبريز: إذا فتح الله على العبد سواء كان نبيا أو وليا لا بد أن يشاهد ما لا يطيق من عالم الجن والشياطين على ما هم عليه، ويرى الشياطين كيف تتوالد والجن وأين يسكنون والصور الفظيعة ويسمع الأصوات الهائلة التي تفلق الكبد ويشاهد الملائكة الحفظة وغيرهم بذواتهم على ما هم عليه ويخاطبهم ويخاطبونه، ومن قال: إن الولي لا يشاهد الملك ولا يكلمه وأن هذا خاص بالأنبياء فذاك دليل على أنه غير مفتوح عليه، وكذا قال في الفتوحات المكية في الباب الرابع والثلاثمائة وستين، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إذا قالت الملائكة يا مريم﴾ الآية على الصواب من أنها ليست بنبية إذ لا نصيب لنوع النساء في هذا المقام، وقال سيدي علي الخواص: لا تمتنع رؤيتهم إلا عند بقائهم على الهيئة التي خلقهم الله عليها، وإذا أراد الله أن يطلع أحدا من عبيده على رؤيتهم من غير إرادة منهم رفع تعالى الحجاب عن عين الرائي فيراهم، وقد يأمر الله تعالى الجن بالظهور لنا فيتجسدون لنا فنراهم رأي العين، ثم إذا رأيناهم فتارة على صورهم في أنفسهم وتارة يكونون على صور البشر أو غيرهم، فإن لهم التشكل في أي صورة شاءوا كالملائكة، ويزيدون عليهم بتشكلهم حتى على الصور الخسيسة كالكلب والخنزير، وقد أخذ الله بأبصارنا عنهم فلا نراهم مع حضورهم في مجالسنا وحيث كنا إلا إذا كشف الحجاب بنا، وأصواتهم لا تشبه أصواتنا من كل وجه؛ لأن أجسادهم لطيفة لا يقدرون بها على مخارج الحروف الكثيفة؛ لأنها تطلب انطباقا وصلابة فبعض الأحرف ينطقون بها على أمثال أحرفنا وبعضها لا يمكنهم النطق بها، وحصول العلم لنا من كلامهم إنما هو لنطقهم بمثل حروفنا لا بحقيقتها هذا حكم كلامهم ما داموا في صورهم الأصلية، وأما إذا دخلوا في غير صورهم فالحكم للذات التي دخلوها من إنسان أو بهيمة أو غير ذلك ا. هـ فأنت ترى كلامه في إمكان رؤية ذواتهم الأصلية، وعدمه موزعا على اختلاف أحوال الرائي من كونه محجوبا أو لا. وقال في الإبريز أيضا: وإذا خفي عليك كيف أجسام الجن فانظر إلى نار مظلمة جدا بكثرة دخانها مثل ما يكون في الفخارين وصور فيها صورهم التي خلقوا عليها، فإذا جعلت الصورة في ذلك الدخان وألبسته إياها فذلك هو الجني ا. هـ
[ ٢١ ]
حسبما يأتي قريبا من أن لها التشكل بأي شكل شاءت إلا ما ستثني، ويتمكن منها بعض أفراد من الإنس فيستعملها في الأمور الشاقة ويسجنها، ومن المقرر ببداهة العقل أنه لا يسجن ولا يستعمل إلا ما كان جرما مرئيا، والدليل على ذلك قوله تعالى في حق سيدنا سليمان - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - ﴿ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجوابي وقدور راسيات﴾ وقوله: ﴿فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين﴾ والحديث الذي
[ ٢٢ ]
أخبر به رسول الله - ﷺ - في حق العفريت الجني الذي قصده بشعلة نار فتلا عليه رسول الله - ﷺ - ما علمه له جبريل فاحترق وصار رمادا، والحديث الذي أخبر به الرسول ﵊ في شأن الجني الذي أراد أن يخلط عليه في صلاته فأمسكه - ﷺ - وأراد ربطه في سارية من سواري المسجد فتذكر ﷺ العهد الذي أعطاه الله تعالى لسيدنا سليمان بن داود ﵉ فأطلق سبيله، فلما أصبح أخبر أصحابه بذلك، وحديث الصحابي الذي تحت يده تمر الصدقة حيث أمسك الجني الذي يريد سرقة ما تحت يده ثلاث مرات، وفي كل مرة يحلف له بأنه لا يعود وأنه فقير ذو عيال، وهذه أحاديث مشهورة بين المسلمين فلا نحتاج لذكر ألفاظها.
والحاصل أن ظهور الجن للإنس أمر شائع ذائع منصوص عليه لا يحتاج ثبوته إلى دليل؛ إلا إذا احتاج النهار إلى دليل، نعم قامت طائفة متسربلون بسربال أهل العلم وأنكروا الجن على اختلاف في إنكارهم، فمنهم من نفى وجود الجن رأسا، ومنهم من أثبت وجودهم ونفي ظهورهم للإنس (١) ونفى أيضا مماستهم للإنس وما يقع لبعض أفراد الإنس من الصرع والتخبط
_________________
(١) قوله: ونفى أيضا إلخ ومن جواب المحقق سيدي محمد بن عبد الباقي الزرقاني وقد سئل هل يمكن سلوك الجن في أجسام بنى آدم الذكر في الأنثى وعكسه؟ أنه جوز ذلك أهل السنة والجماعة كما نقله الشيخ أبو الحسن الأشعري، وأحالته طائفة من المعتزلة وقالوا: لا يمكن روحان في جسد واحد، ورد عليهم بما في الصحيح أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ومن ثم قال عبد الله ابن الإمام أحمد لأبيه: إن قوما ما يقولون إن الجني لا يدخل في بدن المصروع، فقال: يكذبون ها هو ذا يتكلم على لسانه، أي: فدخوله في بدنه هو مذهب أهل السنة والجماعة، وجاء في عدة طرق أنه ﷺ جيء إليه بمخنوق فضرب ظهره، وقال: "اخرج عدو الله" وأخرج جماعة أن ابن مسعود قرأ في أذن مصروع: ﴿أفحسبتم إنما خلقناكم عبثا﴾ إلخ السورة فأفاق، ثم أخبر النبي ﷺ بذلك فقال: "والذي نفسي بيده لو أن رجلا موقنا قرأها على جبل لزال" ا. هـ المراد منه، وفي الانتصاف لابن المنير على الكشاف ورد: ما من مولود يولد إلا طعن الشيطان في خاصرته؛ ومن ذلك يستهل صارخا؛ إلا مريم وابنها لقول أمها: ﴿وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾ وقوله ﵊ "التقطوا صبيانكم أول العشاء فإنه وقت انتشار الشياطين" واعتقاد أهل السنة والسلف أن هذه الأمور على حقائقها واقعة كما أخبر بها الشارع ا. هـ
[ ٢٣ ]
فذاك من مرض الأعصاب وتغير الأمزجة، وليس للجن دخل في ذلك وعمدتهم فيما قالوا قول الحكماء، وهذا هو الخسران المبين والضلال الذي لا مزيد عليه كيف يسوغ لمن ينسب نفسه للإسلام أن يعدل عن نصوص القرآن وصريح أحاديث الرسول وأقوال علماء المسلمين إلى أقوال الحكماء المبنية على التخمين ليس لهم حجة عقلية، ولا نقلية يعتمد عليها - سبحانك هذا بهتان عظيم ربنا إذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين ولا ضالين ولا مبدلين ولا مغيرين ولا لطريق الحق مخالفين بمنك وفضلك يا أرحم الراحمين -.
فإن قلت: يرد على ما قررت من ظهور الجن والإنس قوله تعالى: ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾
قلت: لا يرد علينا أبدا؛ لأن نفي رؤيتنا لهم في
[ ٢٤ ]
الآية حملها العلماء على ما إذا كانوا على حالتهم التي خلقوا عليها، وما سبق لنا محمول على حالة تطورهم بغير طورهم كما تقدم لنا التصريح بذلك فافهم