الجواب والله تعالى الموفق للصواب: التحقيق الذي عليه المحققون من علماء المسلمين (١) أن الدعاء متعبد به كتعبدنا بالصلاة والزكاة وغيرهما مما تعبدنا الله تعالى به؛ لإظهار أثر العبودية فيه أكثر من كثير مما تعبدنا الله به من الذلة والفاقة والاحتياج والمسكنة والتبرؤ من الحول والقوة، فإذا بسط الداعي يديه تحققت فيه تلك الصفات ونحوها ولو لم يقصدها؛ لأنها لازمة لكل سائل بالنسبة للمسئول وتفضل الله - ﷾ - باستجابة الدعاء كما تفضل بقبول الصلاة وغيرها من العبادات (٢) إذا الشروط استوفيت في كل؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا سألك
_________________
(١) قوله: أن الدعاء متعبد به إلخ قال العارف بالله سيدي علي الخواص ﵁: إياك أن تترك الدعاء اتكالا على ما سبق به القدر، فتفوتك السنة فإن الدعاء نفسه عبادة وسنة سواء أجيب الدعاء أم لم يجب فاعلم ذلك
(٢) قوله: إذا الشروط إلخ منها ما أشار له الحديث: لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم، وقول أبي غانم معروف القصري نحن نخشى الإله في كل كرب ثم ننساه بعد كشف الكروب كيف نرجو استجابة الدعاء قد سددنا طريقه بالذنوب وقال سيدي إبراهيم الدسوقي ﵁: إن أردت أن يسمع دعاؤك فاحفظ لسانك عن الكلام في الناس، وعن تناول الشبهات، يا ولدي إن شككت في قولي فاعمل به وجرب نفسك شيئا بعد شيء، تعرف صدق قولي، فمن ثَبَت ثُبِّتَ، ومن أطاع أُطيع، فإذا أطعت مولاك أطاع لك النارَ والماءَ والهواءَ والخطوة والإنس والجن ا. هـ ومصداق ما قاله الحديث القدسي: "لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنته"، وفي رواية "كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن استعاذني لأعيذنه ولئن سألني لأعطينه" الحديث، والمراد -والله أعلم- أنه تعالى أفاض عليه من أسرار صفاته حتى صار يقدر على ما لا يقدر عليه من لم يكن كذلك، وقال سيدي علي الخواص: إذا توجهت إلى الله تعالى في حصول أمر دنيوي أو أخروي فتوجه إليه وأنت فقير ذليل فإن غناك وعزك يمنعانك الإجابة ا. هـ أراد ﵁ التخلق بوصف الاضطرار الحقيقي فإنه أعز أوصاف الداعي؛ ولذا قال العارف بالله تعالى أبو محمد المرجاني: من وقع في الاضطرار الحقيقي فلا شك ولا ارتياب في إجابته ومثال الاضطرار الحقيقي مثل من ركب في سفينة فهو مضطر إلى ريح يمشي بها، وإلى بحر هاد قليل الآفات لكنه مطمئن بسفينته راكن إليها، وفي هذا السكون من ضعف الاضطرار ما فيه لو جاء الريح العاصف وحرك عليه هول البحر لكان اضطراره أكثر من الأول، لكنه عنده قوة في نفسه بالسفينة التي هي سبب السلامة غالبا فلو انكسرت السفينة مثلا وبقي على لوح لاشتد اضطراره أكثر من الثاني، لكنه يرجو السلامة لما تحته من اللوح وذلك قدح في حقيقة اضطراره فلو ذهب اللوح وبقي بعد ذلك في لجج البحار لا بر يُرى ولا جهة تُقصد ولا لوح يُرام أن يصعد عليه فهذه الحالة حقيقة الاضطرار دون ما عداها. وقال في الإبريز: إن الداعين لو انقطعوا إلى الله تعالى في دعائهم ببواطنهم لأجابهم، والإجابة تكون بأحد أمرين إما أن يعطيهم ما سألوا أو يمنعهم ويبين لهم سر القدر وبيان سر القدر إنما يكون للأولياء دون المحجوبين ا. هـ المراد منه فأمثالنا إذا لم تحصل لهم إجابة ولا بيان سر القدر، فينبغي لهم أن يسلموا الأمر لعلمه تعالى، وأنه ما منعهم ذلك بخلا منه ولا عجزا - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - ولكن ذلك لمصلحة استأثر بعلمها عنا، وإنما عاملنا كمعاملة بعضنا لبعض فإن أحدنا إذا كان تحت حجره من هو قاصر النظر، وكان مراقبا لشئونه أليس من السداد أن لا يساعده على كل ما طلب وأراد حتى يتأمل فيما هو اللائق به فيجيبه له أو غير ذلك فيمنعه أو يعوضه بما هو المناسب لحاله، وقد نبهنا الشارع على هذا الأمر الخطير بحديث الاستخارة الشهير، وقال الإمام الجليل سيدي عبد القادر الجيلي - ﵁ ونفعنا بأسراره -: إن كان الحق - تعالى - لا يجيب عبده في كل ما سأله فيه إلا شفقة عليه أن يغلب عليه الرجاء والعزة فيعترض للمكر به، ويغفل عن القيام بأدب الخدمة فيهلك، والمطلوب من العبد أن لا يركن لغير ربه
[ ١٦ ]
عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني﴾ وقوله: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ وأخرج الطبراني في الأوسط عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله ﷿ حيي كريم يستحيي من عبده أن يرفع إليه يديه فيردهما صفرا ليس فيهما شيء" ا. هـ وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ماجه، والحاكم عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر" ا. هـ وغير ذلك من الأحاديث الدالة على استجابة الدعاء وإطلاق استجابة الدعاء في
[ ١٨ ]
الآيتين والآثار (١) مقيد بمشيئة الله تعالى، ودليل على ذلك قوله تعالى:
_________________
(١) قوله: مقيد إلخ، ولو توفرت شروط الإجابة؛ ولذا تخلف في بعض الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - في بعض دعواتهم وذلك معروف عند العلماء مع أنهم أولى من توفرت فيه شروط الإجابة؛ لأنهم صفوة الله من خلقه كما أنه من المعلوم عندهم أن حصول بعض الأشياء قد يكون الدعاء لحصوله جزء سبب أو أسباب أخرى يتوقف حصوله عليها كحصول الولد مثلا، فالاكتفاء في طلب حصوله على الدعاء فقط بدون زواج لا يحصل المطلوب، بل يعد عبثا على حسب عادة الله في كثير من الأشياء في هذه الدار، وبهذا يندفع ما قيل: إن وجه البسيطة لا يخلو من مئات الملايين من المسلمين في كل آن ومكان ومن البعيد انعدام من تتوفر فيه شروط الإجابة من بينهم مع أنهم لا يفترون عن الدعاء لتقوية شوكة أهل هذا الدين، وإضعاف شوكة من عداهم من الملحدين، ومع ذلك لم تنجح دعوة واحد منهم في حصول هذا المطلوب، ومحصل الجواب عن ذلك أن حصول هذا الأمر العظيم علقه الله على أشياء أخرى غير الدعاء لا بد من حصولها معه حتى يحصل، وهي معلومة عند ذوي العقول السليمة فإنه لما استعملها مع الدعاء من رفع الله على يديه منار هذا الدين ممن مضى من سلف الأمة سمعت كيف أزالوا عن أهله كل كربة وغمة، وما بقي بأيدينا إنما هو من آثارهم والأنقاض التي تعيشوا فيها إنما هي من بقية أحجارهم وزيادة عما أدركوا من الملك الباذخ، والعز الشامخ ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ فمن أراد أن يعد من رجالهم فلينسج على منوالهم، وليفعل كأفعالهم، ذلك ما اقتضته حكمته وأبرزته قدرته في هذه الدار محل الابتلاء والاختبار؛ ليؤهل هؤلاء إلى الجنة، وهؤلاء إلى النار قال تعالى: ﴿ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض﴾ بل لو أراد غير الله ما تأخر أحد عن الطاعة، ولا اعتدى ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾
[ ١٩ ]
﴿بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء﴾ ومن المقرر أن المطلق يحمل على المقيد إن أمكن الحمل وهنا ممكن نعم نص العلماء على أن العبد إذا دعا ربه لا يستعجل بأن يقول: دعوت فلم يستجب لي، بل يحسن ظنه بربه ويدعوه بغير قطيعة رحم ولا إثم موقنا بالإجابة، فالله سبحانه لا يخيبه من إحدى ثلاث خصال المذكورة في الحديث الذي أخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد، والبخاري في الأدب، والحاكم عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها" قالوا إذًا نكثر قال: "الله أكثر" ا. هـ إذا تقرر لديك هذا أيها السائل علمت أن حكمة الدعاء حاصلة وأنه لا منافاة بينه وبين الأمور المقدرة أزلا، اتبع ولا تبتدع تكن من الخاسرين.
سؤال: هل
[ ٢٠ ]