ج) شفاعة النبي ﷺ لا تنكر، فهو صاحب المقام المحمود، وكذلك شفاعة غيره فيما يأذن به الله.
لكن ينبغي معرفة الحد في ذلك، وهو على أمرين:
أحدهما: إنه ﷿ لا تنفع الشفاعة عنده إلا بإذنه، وقد أخبر النبي ﷺ عن حاله يوم القيامة أنه يسجد ويحمد ربه بمحامد يفتحها عليه دون أن يعرفها من قبل، ثم يقول الله له: (ارفع رأسك وسل تعطي واشفع تشفع)، ويحد له حدًا، وفي بعض طرق الحديث (ثم يحد لي حدًا) .
فالذي يطمع بشفاعة النبي ﷺ يطلبها من الله، فيقول (اللهم شفعه في) .
وقد نها ﷺ عن
[ ٦٨ ]
الاستشفاع به على الله كما أورده ابن اسحق في قصة الاستسقاء بما معناه (إنه لا يستشفع على الله بأحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك، الله فوق عرشه على سماوات، ولعرشه منه أطيط كأطيط الرحل بالراكب) .
فإذا سألت الله أن يجعلك من شفعاء محمد ﵊ فإنك بذلك تضرعت إلى الله أن يجعلك في ضمن الحد الذي يأذن الله له بالشفاعة فيهم.
أما أن تسأله إياها رأسًا فكأنك تريد المحاباة دون غيرك، وتريد منه هو أن يطمع في ذلك أيضًا، وهو مكرم عن ذلك، فهذه خطيئتان يزيدان شناعة في الأمر الثاني.
وهو افتياتك عليه ﷺ فأنك طمعت في ما لا يتصور أن يطمع فيه عاقل مقدرًا لله ورسوله حق قدرهما.
لأن الشفاعة لا يتحقق طلبها ويصح رجاؤها إلا بعد تبين الأمر للشافع وموافقته على الشفاعة ورضائه بها، وهناك يصح رجاؤها والتعلق بها بإذن الله، مع الإنابة من الإنسان المذنب النافية للإصرار.
ولا يصح لك أن تقول (فلان) شفيعي قبل أن يعلم ويتبين حالك وملابساتك وصحة نيتك وصدق عزيمتك على الإقلاع عن الذنب، وهذا شيء لا يعلمه إلا علام الغيوب جل وعلا.
وهو فاتح بابه للتوبة بلا شفيع، ويفرح بتوبة عبده أشد من فرحة الواجد لراحلته الضائعة في مفازة - كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ﷺ -
فإذا أبيت إلا أن تجعل بينك وبينه وسيط وشفيع فما قدرته حق قدره ولا أيقنت بسعة رحمته للمؤمنين، بل طلبت من النبي
[ ٦٩ ]
أن يحابيك دون غيرك بالشفاعة، واتهمت الله أيضًا بالمحاباة كما تقدم.