ج) هو مستدرك على الله في حكمه، منتقض لدينه، مستهين بعزته، معرض عن الاقتداء برسوله إلى الاقتداء بالغربيين الكفرة.
فهو ملحد جره إلحاده إلى جعل الشعارات الحديثة والمذاهب المادية أندادًا من دون الله، يسعى لها وينظم الحكم على ضوئها نابذًا بتنزيل الله عرض الحائط.
وهو الرجعي في الحقيقة لرجوعه إلى آراء كل ملحد في غابر القرون، وتفضيله خطط أعداء الرسل من كل أمة، فلا تفتش في أقواله وأعماله إلا وتجدها مقولة معمولة من الكفرة السابقين، مهما زعم التجديد.
والإسلام أعظم دين ثوري، يحارب الرجعية ويدعو إلى النهضة التقدمية بمعناها الصحيح، وأعداؤه يقصدونه بالهجوم على الرجعية ومحاربتها، وإن زعموا أن معناها الرجوع إلى الوراء أو التمسك بالقديم.
والحق أنه ليس كل تمسك بالقديم يعتبر رجوعًا إلى الوراء، ولا كل ولوع بالمستحدث يعتبر تقدمية، بل يجب وزن الأشياء بالميزان الصحيح والنظر في واقعها ونتائجها.
فالقديم
[ ٦٣ ]
المجانب للحق المرتكز على التقليد المحض الذي ظهرت سوء آثاره ونتائجه هو الذي يجب رفضه، لا لكونه قديمًا بل لكونه باطلًا فاسدًا موروثًا عن تقليد.
والجديد أو المجدد إذا كان مرتكزًا على حق وينتج منه الخير والصلاح والفضيلة وتنعدم أو تقل معه الرذيلة، يجب قبوله ويعتبر تقدمًا، لا لكونه جديدًا ولكن لكونه صالحًا حسن النتائج نابغًا من عقيدة وإيمان.
فالإسلام قديم، يدعو إلى الأمانة بدل الخيانة، وإلى الوفاء بدل الغدر، وإلى النصح والإخلاص بدل الخيانة والنفاق، وإلى الصدق والبر بدل الكذب والفجور، وإلى العفة بدل الزنا، وإلى الاحتشام والتستر بدل العرى والتهتك، وإلى الإيثار بدل الأثرة، والإخاء والتعاون بدل الشقاق والتنافر، وينادي أن قتال المسلم كفر، وسبابه فسوق، وعرض كل واحد عرض لأخيه تجب منه الغيرة عليه والغضب لأجله، ويفرض العقوبات الشديدة الرادعة لإصلاح البيوت وحفظ الأسر عن اختلاط الأنساب، بدل الفوضى الجنسية وضيعة الشرف والنسب.
فهل من العقل والإنصاف أن يرمي بالرجعية لهذا الأشياء، بحجة أنها تقاليد قديمة أكل عليها الدهر وشرب، وأن التمسك بها رجوع إلى الوراء؟
بالله عليكم هل التمسك بسورة الإسراء وغيرها كسورة النور، التي قال الله فيها ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا..﴾ يكون رجعيًا راجعًا إلى الوراء؟ أم الرجعي هو الراجع إلى الوراء السحيق خاصة، والقائل لمنزل سورة النور: نبذناها،
[ ٦٤ ]
والراجع إلى تقاليد قرون بالية سحيقة أكل الدهر عليها تمامًا وشرب، قرون تلفت بعدما تجرعت الفوضى والنتائج السيئة المتنوعة، الناشئة من العري والتهتك وعبادة الشهوات والتكالب المسعور على المادة والتحل الجنسي والجرائم الأخرى التي اعتبرها المؤرخون سببًا في انحطاطهم وهلاكهم؟ أيكون تقليدهم والرجوع إلى مساوئ أخلاقهم تقدمية؟ والابتعاد عنه بالتزام حدود الله والاستنارة بوحيه رجعية؟
﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾، إن الرجعية الخبيثة حاربها القرآن من تقليد الآباء بغير برهان من الله، وجعل بعض الأشياء أندادًا من دون الله، والاحتكام لشريعة الطاغوت من سائر البشر المتجاوز لحدوده والظلم والجور والكذب والبهتان والزنا ودواعي قربانه من أظهار الزينة والمفاتن، والسعي في الفساد والتطفيف والاعتداء والشقاق، واحتقار الناس وغمط حقوقهم والتسلط عليهم استعلاء في الأرض، وغير ذلك من أنواع الرجعية، التي افتتن بها اليوم تلاميذ الافرنج وسموها تقدمية.
بينما القرآن يأمر بالتقدمية الصحيحة، من العفة والنزاهة والعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، والاستعداد بكل قوة قاهرة للأعداء وأخذ الحذر منهم، وعدم موالاتهم والركون إليهم، أو جعل بعضهم وليجة ووليا من دون المؤمنين، كما يفعله من يزعم التقدمية هذا اليوم، وأيضًا فهو يأمر بتسخير كل دابة ومادة على وجه
[ ٦٥ ]
الأرض أو في جوفها للتغلب بها على الأعداء والسبق في مضمار الحياة.
فالإسلام لا يحرم العلوم النافعة والوسائل والمخترعات الحديثة، أو يأمر بالرجوع إلى الماضي في جميع مرافق الحياة، شأن الكنيسة والكهنوت، حتى يجوز أن يسمى (رجعية) .
وإنما رجوعه إلى الماضي في العقيدة والإيمان بوحي الله لفظًا واعتقادًا وتطبيقًا، آمرًا بإيثار الله ورسوله في المحبة على كل شيء، فمن وصفه بالرجعية لهذه الأسباب فهو كافر عقلًا وشرعًا، إذا عاند بعد التفهيم، وكيف يوصف بالرجعية دين يجمع بين الغاية والوسيلة، والمادة والروح، والمحبة والوجدان، والحكمة والعاطفة، يضبط كل شيء بحدود كيلا يطغى.
فرميه بالرجعية مكابرة وقلب للحقائق.