ج) هذه المقالة انبثقت مما قبلها وصاغها الحاقدون على الإسلام الذين رموه بالطائفية بهذه الصيغة المزوقة إفكًا وتضليلًا، ليبعدوا حكم الله ويفصلوه عن جميع القضايا والشؤون، بحجة الوطن الذي جعلوه ندًا لله وفصلوا بسببه الدين عن الدولة، وحصروه في أضيق نطاق.
فأعادوا بذلك الحكم القيصري والكسروي بألون وأسماء جديدة، والعبرة بالمعاني؛ من سوء التحكم والأعمال المخالفة للشرع، وعدم العدل، لا بالأسماء والألقاب.
فهي خطة شركية قل من انتبه لها، ولا يجوز للمسلمين إقرارها أبدًا، ولكن غلبت عليهم سلامة الصدر فاغتروا بما يطلقه أولئك من الدجل والتهويل ويخادعون به الله والمؤمنين، من دعوى تعظيم الدين والارتفاع به عن مستوى السياسة التي هي غش وكذب، ليخدعوا به المسلمين ويخرسوهم.
والله لا يرضى من عباده أن يتهاونوا
[ ٨٦ ]
بالحكم ويتنازلوا عن حدوده قيد شعرة، أو تنقص فيهم الرغبة الصادقة في تنفيذه - بدلًا من أن تنعدم - لحب وطن أو عشيرة، بل ولا لحب ولد أو والد أو أخ قريب.
فالدين الذي لله يجب أن يسيطر على الجميع ويكون أحب وأعز من الوطن، وأن لا يتخذ الوطن أو العشيرة ندا من دون الله ويعمل من أجله ما يخالف حكم الله، وتبذل النفوس والأموال دون كيان العصبية القومية وفي سبيل الوطن لا في سبيل الله لإعلاء كلمته وقمع المفتري عليه، بل لتعزيز المفتري عليه.
فهذه وثنية جديدة أفظع من كل وثنية سبقتها، إذ يعملوا تحت هذا الشعار الوثني ما يشاؤون، ويخططوا لحياتهم الوطنية تخطيط من ليس مقيدًا بشريعة ربه.
وكونها أفظع من كل وثنية هو لمزيد فتنتها وإخراجها للناس بهذا الأسلوب الذي صاغته (أوروبا) هروبًا من حكم الكنيسة، والله يقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾، ويقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ..﴾ .
وقد عملوا منذ زمن طويل على ذلك حتى كسبوا بعض أولاد المسلمين فنفذوا لهم هذه الخطة التي طوحوا بها حكم الإسلام، بحجة أقلية نصرانية، انتحلوا هذه النحلة من أجلها فيما يزعمون (. . . [٥] . . .) في تقديس الجنس، وعطلوا دعوة الإسلام وأوقفوا زحفه إرضاء لهذه الأقلية وإغضابًا لله.
بينما هي
[ ٨٧ ]
تزحف بالدعاية النصرانية وبث الإلحاد على حساب المسلمين وفي عقر بيوتهم، وجعلوا الحكم لغير الله من أجلها.
وأباحوا من أجلها ما حرم الله بإقرارهم له، وإعفاء مرتكبه من العقوبة، ليشهدوا لهم مع تلاميذ الأفرنج من أبنائهم إنهم متحررون كفوء للحكم.
فيا له من دين جعلوه يتلاشى أمام مصالح الوطن وأوضاعه التي يتعشقونها، فكأنهم قالوا (الدين لله يطرح ظهريًا ليس له حق في شؤوننا الوطنية من سياسة وعلم واقتصاد وغيره)، مرحى مرحى لهذا الدين المعطل المطروح على الرف.
---
٥) العبارة غير مفهومه (منبر التوحيد والجهاد) .