ج) هذا قول منشؤه الثقافة الفاجرة الكافرة المغرضة، وهو متناقض تناقضًا لا يخفي على ذي لب غير متأثر بها، كشأن الباطل دائمًا ينادي على نفسه بالبطلان.
وذلك أن كل إنسان لا يحصل له تأمين الحياة والعيشة الراضية إلا إذا سعى سعيًا صحيحًا لتأمين ما بعدها، بمراقبة رب العالمين حقًا والوقوف عند حدوده بإعطاء كل ذي حق حقه دون غش ولا مراوغة، بل بما رسمه الله على لسان رسوله إذ قال: (عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به تكن مسلمًا، وأحب للناس ما تحبه لنفسك تكن مؤمنًا)، (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه)، (ولا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به)، (الراحمون يرحمهم الله، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)، (إن الله حرم الظلم على نفسه وجعله بينكم محرمًا فلا تظالموا)، إلى غير ذلك.
وما في القرآن من قوله ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾، وغيرها من الآيات الكثيرة،
فبلزوم الناس هذه الطريقة الدينية الصحيحة يحصل لهم الأمن والتعايش السلمي في الحياة أولا، ثم بعدها ثانيًا.
وما أذهب
[ ٨١ ]
على الناس أمنهم إلا افتياتهم على دين الله وخروجهم عن تعاليمه النافعة في الحياة وبعدها طبعًا.
فهذا الأفاك الأثيم صاحب هذه المقالة هل يطمع بالأمن في الحياة والتعايش السلمي إذ نبذ الناس دين الله وتعلقوا بالمادة والأنانية وحب الشهوات وطلب الرئاسة والعلو في الأرض؟
ألم يحصل بذلك الشر المستطير؟ ألا يرى العالم مهددًا في كل وقت وحين بحروب طاحنة قد خلت من قبلها حروب؟ ألا يرى الدول المادية منهمكة في صنع ما يدمر المدنية ويفتك بالحياة؟
حقًا إن تأمين الحياة لا يحصل إلا بالعمل الصالح الخالص المقصود به تأمين ما بعدها خوفًا من الله ورجاء ثوابه.
وذلك لا يتحقق إلا بالإيمان بالغيب الذي هو مصدر الخير ومنبع الفضيلة والجمال كما أسلفنا.
ولذا حصر الله الهداية والمنفعة بالتذكرة عليه، فقال في فواتح القرآن ﴿.. ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ .
إلى غير ذلك من الآيات والأحكام، التي لما انطبع بها أسلافنا كانوا أصلح الخلق وأنصح الخلق للخلق وأرحم الخلق بالخلق، ممتثلين ما قدمناه من الآيات والأحاديث وأضعافها مما فهموه وطبقوه.
ولما حرمت (أوروبا) من الإيمان بالغيب وثمرته الطيبة كانت على العكس من ذلك، أفسد الخلق وأعشق الخلق للخلق وأفتك الخلق بالخلق،
[ ٨٢ ]
وكان على سيرتهم كل من تقبل ثقافتهم وسار على منهاجهم.